Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"تشرنوبل"... دراما مأساوية تلقي مخاوفها على واقع الحرب الثقيل

حصد العمل جوائز رفيعة وردت عليه موسكو بفيلم ينحاز لوجهة نظرها في الكارثة النووية الأكبر بالعالم

تردد اسم مسلسل "تشرنوبل" على ألسنة السياسيين في الغزو الروسي يعيده إلى الحديث مجدداً (الحساب الرسمي لـHBO على إنستغرام)

في بداية الغزو الروسي لأوكرانيا استحضر المتابعون مشاهد من الكوميديا السوداء "لا تنظروا إلى السماء ـ Don't Look Up" للمخرج آدم مكاي، باعتبار أن الفيلم الذي عُرض نهاية العام الماضي من بطولة ليوناردو دي كابريو وجينفير لورانس وكيت بلانشيت، خير معبّر عما يُسمى بحالة اللامبالاة التي استقبلت بها دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة هذا التحرك العسكري، حيث "تركوا أوكرانيا وحيدة" بحسب تعبير رئيس الدولة فلوديمير زيلينسكي، لكن المفاجأة غير السارة أن مسلسلاً قاتماً مثل "تشرنوبل" باتت تفاصيله متداولة على نطاق واسع، بعد أن أصبحت التصريحات المتناثرة هنا وهناك تردد تلك الكلمة ذات الوقع الثقيل على الأسماع التي تنبه المراقبين مجدداً للكارثة النووية والبيئية التي لا يريد العالم أن يتذكرها.

ذكرى أليمة تستحضرها الحرب

حذر الرئيس الأوكراني من "أن كارثة بيئية قد تحدث بعد سيطرة القوات الروسية على مفاعل تشرنوبل في بلاده"، كما أعلنت محطة المراقبة في المنطقة "أن الأمر نتح عنه بالفعل، ارتفاع في مستويات الإشعاع النووي بمقدار عشرين مرة عن المستويات الطبيعية، وسط قلق شديد من حدوث معارك في محيط المفاعل الذي كان قد شهد أكبر انفجار نووي في العالم قبل 35 عاماً"، ومن هنا عاد للواجهة مسلسل "تشرنوبل" الذي عرض في مايو (أيار) 2019، ورشح واستحوذ على عشرات الجوائز الكبرى بينها إيمي وغولدن غلوب.

 العمل استعرض تداعيات انفجار مفاعل تشرنوبل بالمنطقة التي تبعد حوالى 130 كيلو متراً عن العاصمة الأوكرانية كييف، حيث إن الكارثة النووية وقعت في عام 1986، وعقب 33 عاماً شاهد الجمهور دراما ثقيلة ومؤلمة وذات قيمة فنية عالية، عن هذه الواقعة من إنتاج HBO الأميركية وسكاي الإنجليزية، حيث جاءت الرواية في العمل وهي تلقي بكامل اللوم على القيادة السياسية الروسية، فقد كانت أوكرانيا ضمن دول الاتحاد السوفياتي حينها، وتتهمها بشكل مباشر في التسبب في مضاعفة آثار الانفجار من طريق تعريض مئات الآلاف لمستويات قياسية من التلوث الإشعاعي أدت إلى حدوث مشكلات صحية طويلة الأمد، ووفاة الآلاف بمن فيهم بعض العلماء والمهندسين العاملين في المحطة النووية المستخدمة سلمياً في توليد الطاقة، بسبب العزوف عن تحذير السكان القاطنين في المنطقة في الوقت المناسب ومحاولة التستر على ما جرى.

دراما قاتمة وإشادات نقدية

 وبعيداً من الجانب السياسي الذي ركز عليه المسلسل القصير، فإن الجانب الدرامي كان متقناً للغاية، حيث تم تكثيف كل تلك التفاصيل المرهقة في خمس حلقات فقط، كتبها كريغ مازن وأخرجها جوان رينيك، مع الاعتماد على الأحداث الواقعية بنسبة كبيرة، وبشخصيات سيرتهم متداولة ومعروفة للجميع، حيث كان يتناول العمل بشكل أساس يوميات الفريق المكلف تنظيف وتطهير المفاعل ومحيطه من الغبار النووي، وكشف العمل عن الظروف القاسية والجهود غير المسبوقة للعلماء والعمال والمتطوعين الذين حاولوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه في هذه المنطقة الخطرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهو ما جعل المسلسل يلقى حفاوة نقدية واسعة، كما كان له تأثير واسع سواء لدى من عاصر تلك الأحداث أو من لم يعاصرها، يعلق الناقد إيهاب التركي بالقول "إن مسلسل (تشرنوبل) القصير كان حدثاً فنياً مهماً وقت عرضه عام 2019، وواحداً من أهم أعمال شبكة HBO، وقدم مأساة وكارثة مروعة بلغة سينمائية شاعرية، وذكّر المشاهدين بحادثة انفجار مفاعل توليد الطاقة، داخل أراضي أوكرانيا التابعة"، وأضاف، "احتلال روسيا موقع المفاعل قبل أيام أعاد الذعر في النفوس، خوفاً من تكرار حادث مشابهاً، وهو أمر وإن كان مستبعداً وضعيفاً، لكن الحرب الجارية حالياً قريبة من   منشآت نووية حساسة عدة".

ويرى التركي، " أن المسلسل لم يتعرض فقط للكارثة من منظور الخطأ التقني الكارثي، بل كان يتعامل درامياً مع البيروقراطية السوفياتية التي جعلت رضا القادة أهم من إجراءات الأمان، وصورت الحلقات من خلال المأساة مرحلة نهاية الاتحاد السوفياتي سياسياً وجغرافياً، كما فضح كثيراً من عيوب النظام ومؤسساته والبطء في التعامل مع الأزمة".

روسيا ترد بفيلم عن المأساة

من تابع مسلسل "تشرنوبل" سيلمس بوضوح، كيف نجح فريق المسلسل أن يظهر لحظات التوتر والخوف والصدمة، حيث كانت الشخصيات تتابع عن قرب التطورات المميتة، ويلمسونها بأنفسهم في ما يحدث لهم ولزملائهم بين دهشة تعلو الوجوه ويأس يتسرب للنفوس، لكنهم يقاومونه بمحاولة إنهاء المهمة الصعبة التي لا بديل عنها، وتابع المشاهد لقطات قاسية تقطعت معها الأنفاس مثل دفن الحيوانات التي تعرضت للإشعاع خوفًا من أن تختلط بأخرى وتنقل ذرات الغبار لبقعة أوسع، ومشاهد ذوبان الجلود الحية بعد التشبع بنسب هائلة من المواد الخطرة، وأروقة المستشفيات المكدسة بالمصابين.

 الحلقات وثقت الواقع في دراما حققت النجاح النقدي والجماهيري، وعلى الرغم من مأسوياتها الشديدة بدت وكأنها سيمفونية حزينة تسرد أحداثاً مفجعة بحساسية تمثلت في كثير من الأدوات، بينها بعض المقطوعات والأغنيات التي صاحبت المشاهد الفارقة، كما تميز "تشرنوبل" بفريق تمثيل بارع جسد كل لحظات الحيرة والرعب والهلع بمواهب لافتة، بينهم إميلي واتسون، وجيسي باكلي وجاريد هاريس وستيلان سكارسغارد.

الرواية الأميركية للحادث النووي الأكثر كارثية على الأرض، الذي وقع في أثناء الحرب الباردة واستخدم بطريقة جعلته فصلاً مهماً فيها، قابلتها رواية روسية فنية أيضاً، بعد أن أثار المسلسل الذي حقق شهرة كبيرة حفيظتهم، وجاء الرد بعد عامين تقريباً من عرض العمل، من خلال فيلم "تشرنوبل 1986" إخراج دانيلا كوزلوفسكي، حيث كان العمل روسي الهوى والهوية، وحاول أن يروج لوجهة النظر الروسية بشكل مباشر، من خلال التركيز على قصة إنسانية للبطل الذي يعمل في الإطفاء ويترك أسرته الصغيرة، بينها ابنه، الذي يصارع تداعيات تأثيرات الإشعاع عليه، ويذهب للإسهام مع الفرق التي تحاول الحد من تأثيرات الكارثة، ويظهر الفيلم تضحيات رجال المؤسسات الرفيعة في سبيل إنقاذ المتضررين، وكذلك جهود الحكومة في معاقبة المتسببين في الواقعة، ولم يشر من قريب أو بعيد لمحاولات السلطة طمس الحقائق وإخفائهاـ بعكس المسلسل الأميركي، بل على النقيض ظهر المسؤولون أكثر رحمة بالمصابين وأرسلوهم لأكبر المستشفيات للعلاج، وكانوا يتمتعون بالشفافية في سرد حقيقة ما يحدث للعالم. الفارق فقط أن المسلسل حصد إشادات متوالية، بينما الفيلم حظي بتقديرات متوسطة على مواقع تقييمات الأعمال الفنية، واتهمه بعض المعلقين بأنه "بدا وكأنه نشرة سياسية مباشرة".

المزيد من فنون