Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تجليات البطل "مراد" المتنقل بين الأماكن تقوده إلى جنيات النيل

منصورة عز الدين تقارب جغرافيا الإشراقات في رواية "أطلس الخفاء"

لوحة للرسام معتز الإمام (صفحة الرسام على فيسبوك)

بعد خمس روايات وثلاث مجموعات قصصية تصدر الكاتبة منصورة عز الدين روايتها الجديدة "أطلس الخفاء" (دار الشروق). وهي رواية منقسمة على نفسها بحيث تقوم بنيتها على الجمع بين فقر الواقع ومحدوديته وثراء الخيال ورحابته. واللافت أن هذا الواقع الفقير المأزوم دائماً، مروي بضمير الغائب. بينما يتم تصوير الخيال– أو الإشراقات بتعبير الكاتبة– بثرائه ورحابته من خلال ضمير المتكلم؛ مما يدل على أن "مراد"– بطل الرواية– يلجأ إلى الخيال وما يقترب من الواقعية السحرية هروباً من واقعه الذي آثر أن ينعزل عنه... "أنفر من الناس ولطالما تمنيت العيش في عالم خال منهم لكن غيابهم التام عن جغرافيا إشراقتي هذه قبض قلبي وأورثني الغم والكآبة".

إن "مراد" لا يستريح للآخرين إلا في إشراقاته التي يستدعيهم بها. أما في الواقع فإنه ينفر منهم. وتظل هذه الثنائية فاعلة على مدار الرواية. ولا شك أننا لاحظنا استخدام ضمير المتكلم في هذا الشاهد على العكس من ضمير الغائب الذي يصور واقعه الحقيقي... "يعرف أنه لن يعود إلى مكتبه مرة أخرى لأخذ كرتونة أوراقه، ذكره هذا ببيتي شعر لشاعر قديم تاه اسمه عن باله واحتفظت ذاكرته فقط بعبارة وحيدة من البيتين: ترَّاكُ أمكنة إذا لم أرضها. ضايقه زحف النسيان على ذهنه. لطالما أحبَّ هذا الشاعر ورأى في البيتين خير تعبير عن شخصيته".

بين الواقع والخيال

وإذا كان هذا الشاعر هاجر أمكنة على المستوى الواقعي بمعنى أنه ينتقل من مكان مكروه إلى مكان مرغوب، فإن "مراد" هاجر أمكنة ما بين الواقع والخيال. أي أن الرحلة هنا رحلة خيالية وليست حقيقية ما يعني أنه يظل محصوراً في واقعه لا يستطيع تجاوزه. في الوقت الذي يأتيه العالم الخيالي متشظياً حين تتجلى أمامه "بلاد وأراض لا تشبه ما يصادفه في الواقع. تزوره متقطعة كما لو أنها العالم في حالته الشذرية أو الكون وقد استحال نثاراً". إن ما سبق يعني أننا أمام رواية تبدأ بالأزمة التي تستمر حتى نهايتها مبتعدة عن نمط السرد التقليدي الذي يبدأ بالتعرف على الشخصيات والأحداث ثم يستعرض أزمة البطل منتهياً بالحل أو النهاية المفتوحة. الرواية– هنا– تأتي ببطل مأزوم منذ البداية ولا يجد حلاً إلا بالحلم والإشراقات التي تتوالى عليه.

هكذا تنتهي الرواية حين يرى "مراد" حبيبته "وردة"؛ "خارجة من بين الأشجار وفي يدها سلة ليمون أصفر مبلل بقطرات ندى... يبتسم لمرآها وتتعلق عيناه بفتحة ثوبها حيث يبين مفرق نهديها. يتذكر اسمها: وردة. ثم يخبو كل شيء وتحلق روحه بعيداً مصحوبة بغمامة من شذا الليمون". فهو يعيش على مجرد التذكر وتحليق الروح مع من تحب ولا يستطيع التواصل معه في الواقع. ولأنه يعيش على التذكر فإن ضعف الذاكرة– الذي أحس به ذات مرة– يمثل مأساة بالنسبة له مثله مثل إحساسه الدائم بمطاردة الآخرين له. ويصبح الجلوس في مكان عام أشبه بالورطة حيث يتوجس– دائماً– "من أن يكون هناك بين رواد الحديقة القلائل من يتابعه ويعد عليه أنفاسه، لشد ما يكره المتطفلين وعيونهم الفضولية".

ترميز الموجودات

وكما يلجأ إلى الحلم لمغالبة الواقع، فإنه يلجأ إلى ترميز الموجودات حوله، ومن ذلك ما فعله مع "شجرة المانغو المعمرة بجرمها الهائل" التي كانت تقف في فناء مدرسته حين تأمل جذعها فلمح كوناً بأسره "نجوماً وأقماراً وكواكب معتمة وأخرى شفافة أو ملونة كل منها يدور في فلك يخصه وحده... عالم خال من البشر والحيوان والنبات فقط أفلاك سماوية في حركة دائبة". ولا شك أن هذا العالم الخالي من البشر والحيوان والنبات هو ما يحلم به ويعكس رغبته فيه على جذع هذه الشجرة التي يجعل منها عالمه البديل. والحق أن تحولات الأشياء واختفاءها فجأة من السمات الواضحة في هذه الرواية كما يبدو في قول السارد: "اقتربتُ من شجرة الصمغ أتأملها. لاحظتُ أن بعض القطرات المتجمدة أكثر شفافية من الأخريات. دققتُ في واحدة منها فاستحالت مرآة صقيلة عكست رأس نمر بدلاً من وجهي". فالتحول لا يصيب الأشياء فحسب بل يصيب الذات أيضاً أو هكذا تتخيل حين تدرك أنها في واحدة من إشراقاتها. وفي سطور قليلة تتوالى مجموعة من الاختفاءات حين يختفي الشارع القديم "وينبثق من أطلاله شارع 26 يوليو الذي سرعان ما تبخر ليكشف عن طريق الباوباب والقمر الألماسي مرة أخرى".

 

والملاحظ أن "جغرافيا التجليات" أو الأماكن التي تظهر في إشراقات "مراد" تبدو كلها منحدرة يقول: "أخطو في طريق منحدر فيخطر لي أن جغرافيا تجلياتي كلها منحدرة كأني أحث خطاي نحو هاوية ما. أعي أنني منفصل عن واقعي المعتاد لكنني غائب عن ذاتي وهويتي". هذا الشاهد يمثل مأساة البطل فهو يدرك اغترابه داخل الأماكن الحقيقية وانفصاله النفسي عنها لكنه– في الوقت ذاته– لا يرى أحلامه بديلاً، حيث تظهر الأماكن المتخيَّلة منحدرة كأنها تسوقه إلى هاوية. وقد ساعدت على هذا الإحساس حياته المنفردة؛ الأمر الذي جعل أصدقاءه ومعارفه يصفونه بأنه "مقطوع من شجرة لا أحد ينتظره على وجبة الإفطار اليوم– أول أيام رمضان– ولا هو ينتظر أحداً".

بديل وهمي

ومع ذلك تظل إشراقاته دائمة حتى لو كانت تقدم بديلاً وهمياً، ومن ذلك توهمه السير على الماء يقول: "سرتُ على الماء كيفما اتفق ونظرتُ للأفق محاولاً استكناه ما يخبئه لي". والسير على الماء من أشهر الكرامات المتداولة عن أهل الطريق. كما تذكرنا الانتقالات المكانية المتباعدة بانتقالات النفري في مواقفه المختلفة. فتحت عنوان "مسيرة" يقول: "كنتُ في غرفة لا يسعني تحديدها أو تذكر معالمها". ثم ينتقل فجأة تحت عنوان "دوار" إلى أرض دائرية: "وجدتُ نفسي في أرض دائرية منبتة عما سواها". ولعلنا لاحظنا أن المكانين– الغرفة والأرض الدائرية– غير محددين فهو لا يستطيع تذكر معالم الغرفة. كما تبدو الأرض الدائرية منبتة الصلة بمحيطها. وهو ما يتوازى مع عزلته الشخصية وعزلة بيت "وردة" التي أحبَّها؛ "فالبيت في أول القرية كان محتمياً بعزلته لم يفصله عما يجاوره من بيوت سوى خطوات قليلة، ومع هذا لطالما بدا لمراد الطفل كما لو أنه محاط بجدران لا مرئية تمنع الآخرين من الاقتراب منه وتمنع سكانه من التواصل مع عالمهم المحيط".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 وإذا علمنا أن هذا البيت هو "بيت العبد" ندرك أن لون بشرة صاحبه هو أحد أسباب هذه العزلة العنصرية. هذا الواقع المأزوم ينعكس على لغة السارد حين يتخيل أنه قد وطأ أرضاً لم يسبق له تخيلها: "كل شيء فيها محجوب بالدخان وثمة رائحة حريق عالقة في الجو". وهو بهذا يقترب من رحلات السندباد التي كانت تفضي به إلى أرض ومدن وجزر مجهولة بالنسبة له.

أجواء شعبية

وامتداداً لهذا التراث الشعبي نجد حديثاً عن "جنيَّات" النيل حين يتخيل "مراد" أن أخته "تعيش في أعماق النيل خطفتها جنياته وأبدلت بها أخرى تشبهها تماماً". هذه الأجواء الشعبية تعود إلى ما كان يسمعه السارد في طفولته من ابتهالات وذكر وتواشيح. يقول تحت عنوان "بيت مغمور بالماء": "كان الباب موارباً فدخلت منه كهبة هواء طافت بالغرف إلا واحدة لأنها مغلقة من الداخل وتنبعث منها أنوار وأصوات ذِكر وإنشاد ديني. بدت الابتهالات والأذكار مألوفة ومع هذا لم أستبن فحواها. كانت كأنما تتلا بلغة عرفتها في الماضي ثم محتها ذاكرتي". هناك أيضاً شخصية ثرية رغم أنها ثانوية وهي شخصية "جبريل"؛ العامل الذي يشعر أنه أفضل من مديرته لكونها أنثى. فالنساء بالنسبة له "كائنات أدنى بمراحل من الرجال". كما أنه يشعر دائماً بتآمر الآخرين ضده فأي شخص لا يعجبه هو متآمر: "صبي المقهى الذي يتأخر في إحضار حجر الشيشة له متآمر. بائع عصير القصب المتجهم على ناصية الشارع متآمر. مديرته في العمل طابور خامس. الهواء الذي نتنفسه عميل لجهات أجنبية".

وهو في ذلك يعد الوجه الأكثر تطرفاً لصديقه "مراد". هذه المشاعر السلبية تجاه الآخرين من قبل كل من "مراد" و"جبريل" تستدعي طوفان نوح الذي يأتي لكي يزيل العالم القديم بمآسيه ويبدأ في خلق عالم جديد بديل. يقول "مراد": "بدأ إعصار يتحضر للهبوب. برقت السماء وأرعدت وهبَّت ريح عاتية ثم اجتاح طوفان هائل كل شيء". لكنه على عكس ابن نوح في قصيدة أمل دنقل يتسلق أحد الجبال المخفية وحده باحثاً عن الأوراق الخضراء. ورغم أن رحلة الصعود كانت شاقة فإن رغبته في النجاة تفوقت على هذه المشقة ونجح في تحقيق رغبته. وهكذا تفتح الرواية باباً للأمل القائم على المشقة ومحاولات

المزيد من ثقافة