Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محاورة متخيَّلة بين فيلسوف وصعلوك في القرن 18 تخاطب عصرنا

"ابن أخي رامو" للكاتب الفرنسي دنيس ديدرو درة أدبية في ترجمة عربية أولى

الفيليوف الفرنسي ديدرو رائد القرن ال18 (صفحة فلسفة فرنسية - فيسبوك)

استعان عبد الرشيد محمودي عند "تنقيح" ترجمته لكتاب "ابن أخي رامو" إلى اللغة العربية عن الأصل الفرنسي، بترجمتين انجليزيتين. الأولى ترجمة ليونارد تانكوك، والثانية لمترجم مجهول الاسم متاحة على الإنترنت. وقد أفاد منهما في بعض المواضع، بعدما لاحظ فيهما "قدراً من التصرف يزيد على ما ينبغي". ويقول محمودي: "مع تسليمي بضرورة التصرف وبأن الترجمة تنطوي – ويجب أن تنطوي – على نوع من "الخيانة"  للنص الأصلي، إلا أنني أحاول قدر الاستطاعة أن أحِدّ من هذه الحرية الواجبة، وفي اعتقادي أن العربية الفصحى تتميز بدرجة كبيرة من المرونة بحيث تتسع لاستقبال الأصل الأجنبي وإزاحته بغير إزعاج لفصاحتها". ويستطرد محمودي ليؤكد أنه مع ذلك يعتز بالفضل للمترجمين الإنجليزيين في ما يتعلق بإضافة الحواشي الشارحة لعمل ديدرو، "فقد أجريا بجدارة البحوث اللازمة لذلك، وأعفياني من أداء هذه المهمة المضنية".

ومحمودي شاعر وقاص وروائي مصري، بدأ نشاطه في الترجمة من الانجليزية والفرنسية منذ بداية ستينيات القرن الماضي، وسبق أن ترجم إلى العربية مخطوطات كان عميد الأدب العربي طه حسين قد كتبها بالفرنسية. ومن ترجماته أيضاً "برترند رسل: فلسفتي كيف تطورت"، كما شارك في ترجمة "الموسوعة الفلسفية المختصرة". ومن مؤلفاته "طه حسين من الأزهر إلى السوربون"، "أدباء ومفكرون"، "محاكمة اليهودي المارق"، "فلاسفة الأندلس". وقد فازت روايته "بعد القهوة" بجائزة الشيخ زايد عام 2014.

مع "هاملت" و"دون كيخوته"

رامو المشار إليه في عنوان الكتاب الذي ترجمه محمودي إلى العربية (المركز القومي المصري للترجمة)، هو جان - فيليب رامو؛ من أكبر مؤلفي الموسيقى ومنظريها الفرنسيين في القرن الثامن عشر. وهذا الكتاب الذي ألَّفه الفيلسوف الفرنسي دنيس ديدرو (1713 – 1784) سنة 1761 يركز على ابن أخي الموسيقار، ويدعى جان - فرانسوا رامو، وكان موسيقياً مغموراً، و"مجنوناً". التقى ديدرو هذا "الصعلوك" بوصف المترجم، مرة واحدة قبل أن يقدم عنه هذه الصورة الأدبية الخالدة. وليس هناك من يعلم ماذا دار في ذلك اللقاء، ولكن من المؤكد أنه - بحسب ما ورد في مقدمة ترجمة محمودي - لم يكن إلا نواة ضئيلة لهذا العمل الأدبي العظيم الذي يضعه النقاد في مصاف روائع مثل "هاملت" لشكسبير، و"دون كيخوته" لسيرفانتس.

لم ينشر الكتاب في حياة مؤلفه وقد وصلت نسخة منه إلى غوته وترجمه إلى الألمانية في 1805 ولم يعثر على المخطوطة الأصلية إلا في 1891. ومن الشواهد التي تدل على عظمة الكتاب بحسب ما يرى المترجم أن غوته نقله إلى الألمانية من مخطوطة فرنسية وصلته قبل أن ينشر العمل في أصله الفرنسي. ومن ذلك أيضاً أن هيغل خصَّص للعمل صفحات مهمة من كتابه  "فنومنولجيا الروح". ومنذ ذلك الحين صار الكتاب موضوعاً للتحليل والتعليق حتى يومنا هذا. ومما يذكر في هذا الصدد أنه حظي باهتمام أعلام مثل ماركس وفرويد وبرنارد شو. ومن الأسئلة المهمة التي تثار حول هذا العمل النوع الأدبي الذي ينتمي إليه، فمن الواضح أنه ليس رواية؛ لأنه يأتي على شكل حوار مطول بين "أنا" (الفيلسوف ديدرو في ما يبدو) و"هو" (ابن الأخ الذي يصفه المترجم بالصعلوك).

قضايا فلسفية

ولكن هذا الشكل الحواري لا يعني أننا إزاء مسرحية. وليس الحوار الذي أداره ديدرو بين الفيلسوف والصعلوك حواراً فلسفياً (على غرار محاورات أفلاطون وغيره من المفكرين) وإن كان الأنا والهو يناقشان بعض القضايا الفلسفية (مثل السعادة: أهي في حياة اللذة أم حياة الفضيلة، ومثل النموذج الواقعي الذي تحاكيه الموسيقى). ومما يخرج العمل من نطاق الحوار الفلسفي أنه لا ينتهي إلى أي نتائج محدَّدة، وأن مؤلفه لم يرد أصلاً التوصل إلى مثل هذه النتائج، بل أراد في ما يبدو أن يظل الحوار بين الشخصيتين مفتوحاً، وأن تظل الأسئلة معلَّقة.

وليس من قبيل المصادفة أن الحوار يختتم بقول الهو عند انصرافه: "يضحك كثيراً من ينتصر أخيراً". وهو ما يعني: لننتظر وسوف نرى. ومن الذي سينتصر أخيراً؟ قد يبدو أن الهو يعتقد أنه هو المنتصر في نهاية المطاف. ولكن ليس هناك على ذلك – يقول المترجم - دليل قاطع ويبدو بصفة عامة أن ديدرو أراد لكتابه أن يكون في المقام الأول عملاً فنياً يقدم صورة مضخمة لشخصية فريدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ديدرو يصف عمله منذ البداية بأنه أهجية satire  على غرار أهاجي هوراس. فهل يندرج الكتاب في نطاق الهجاء؟ يتشكك بعض النقاد في دقة هذا الوصف. لكن محمودي يرى أن من الواضح أن الهو لا يقدم صورة طبق الأصل لجان – فرانسوا رامو فالحديث الذي دار بينه وبين ديدرو في الواقع لم يكن سوى نواة للحوار الخيالي المقدم في الكتاب. ويضاف إلى ذلك أننا نخطئ – بحسب محمودي- إذا ظننا أن صورة الأنا أو الفيلسوف كما ترد في الكتاب تمثل حقاً ديدرو المؤلف؛ وذلك لأنه حرص على أن يسلط الضوء أساساً على الهو الصعلوك ويعطيه الأولوية على حساب الفيلسوف، فحججه (أي الصعلوك) تبدو أقوى وأشد تأثيراً، وتبدو صورة الطرف المقابل في الحوار شاحبة أو باهتة بالمقارنة.

فيلسوف وصعلوك

ويرى المترجم أن مؤلف الكتاب كان على حق حين وصفه بأنه "أهجية"، فالكتاب هجائي بامتياز. فهو يقدم فيه – على لسان الصعلوك ولسان الفيلسوف – هجوماً صارخاً على من يتناولهم من الأشخاص الحقيقيين الذين يذكرهم بالاسم، وعلى فسادهم وفساد المجتمع الذي يعيشون فيه. وهو لا يستثني من ذلك أحداً، سواء أكان هو الملك أم الوزير أم القادة السياسيين أو الدينيين. فكلهم في رأي الصعلوك وفي نظر الفيلسوف: منافقون "يتخذون أوضاعاً"، أي ينحنون أو يجثون أمام من هو أقوى منهم، أوضاعاً تشبه الأوضاع التي يتخذها الصعلوك الطفيلي المهرج أمام الأثرياء الذين يعيش على نفقتهم. وربما حال هذا الطابع الشائك – هذا الهجاء الهدَّام، بوصف المترجم – دون الاهتمام بديدرو، كما ينبغي.

يصف ديدرو ابن أخي رامو، بأنه شخصية مركبة، غريبة وفريدة. فهو مزيج من العقل والجنون، من نفاذ البصيرة والخبل، ومن الحساسية الجمالية المرهفة وسوء السلوك والعمى الأخلاقي. ويتبين من الحوار الذي يبدي فيه الصعلوك صراحة مطلقة، ووعياً حاداً بوضاعة شأنه وانحطاطه أنه كان طفيلياً يفضل العيش على حساب الغير بدلاً من بذل الجهد، ويحل لنفسه – بحسب ملاحظة المترجم – النفاق والتملق والتذلل والقوادة. إلا أنه رغم ذلك كان عليماً بالموسيقى وصاحب حساسية مرهفة في تذوقها ونظرات نافذة في نقدها ونقد أعلامها، في إطار تحوله من شخصية واقعية إلى شخصية في عمل أدبي يقوم على حوار متخيَّل بين شخصين.

صور كاريكاتورية

وبحسب محمودي، فإنّ مما يزيد من بروز شخصية الصعلوك وقدرتها على الإبهار أنه فنان عظيم في مجال التمثيل الإيمائي (البانتوميم). فهو عن طريق هذه الموهبة يدعم آراءه ويجسمها، ويقدم صوراً دقيقة أو كاريكاتورية طريفة للأشخاص والأوضاع الاجتماعية، بل وللأعمال الموسيقية؛ لأنه قادر على محاكاة الآلات الموسيقية وأداء كل منها في الأوركسترا. وهو فوق ما تقدم مغنٍ قوي الرئتين والحنجرة وقادر على الغناء الأوبرالي إذا دعت الحاجة إلى ذلك.

وبالتالي – يقول محمودي – استطاع سرقة الأضواء من غريمه في الحوار. وأعتقد – يضيف المترجم – أن قارئ هذا الكتاب لا بد أن يخرج منه وقد ترسخت في ذهنه إلى الأبد صورة هذا الرجل الأعجوبة، بينما تتضاءل صورة الفيلسوف المدافع عن الحقيقة والفضيلة والنزاهة.

ويرى محمودي أن ديدرو تصرف في هذا الكتاب بوصفه فناناً مبدعاً، وهو بتلك الصفة أعلى من شخصيته (شخصية الفيلسوف الحكيم) لكن لم يكن لها قيمة أو أهمية إلا بقدر دورها وإسهامها في فاعلية العمل الفني وجماله. ديدرو المؤلف لم يهتم سوى بجودة عمله، وإن اقتضى ذلك إبراز شخصية الصعلوك. وهذه التضحية - يقول المترجم – لا تضير ديدرو؛ لأنه بوصفه فناناً مبدعاً يحتفظ لنفسه بالورقة الأخيرة وبالضحك كثيراً! فأداء الصعلوك رائع بلا شك، ولكن الكتاب بملاحظة مترجمه أروع وأبقى. وهكذا فإن ديدرو لا يعلو على نفسه فقط، بل يعلو أيضاً على شخصية الصعلوك، لأنه هو خالقها ويستطيع تجاوزها.

يتجاوز العمل مستوى الهجاء، إذ أراد ديدرو أن يوجه سهام النقد لخصومه أعداء الفلاسفة، ولم يتورع عن ذكرهم بالاسم والسخرية منهم جميعا واتهامهم في أخلاقهم. ولكن المحصلة النهائية لكتابه هي تلك الصورة الفنية لشخصية الصعلوك بكل أبعادها الإنسانية، بما في ذلك أنه صاحب ثقافة رفيعة، وأنه أب، وأنه زوج فقد زوجته، وأنه ضائع ومشرد. وهذه هي الصورة التي تطغى على الطابع الهجائي، وعلى سائر العناصر، لأن الصعلوك – يقول المترجم – يقف في الواجهة، ويؤدي دور العدسة التي يُرى من خلالها كل شيء. لم يكن الهجاء إذن إلا الغرض الأول للمؤلف، أما الهدف الأسمى فهو إبداع عمل فني يقدم صورة كاريكاتورية لشخصية فريدة، طاغية على ما عداها.

المزيد من ثقافة