Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

داعش بداية ونهاية (الحلقة الثالثة)

يجب محاربة التنظيم بالسلاح العقلي عبر البرامج الثقافية والعلمية والدراسية فضلاً عن مساحة من الحرية والمرونة السياسية

دورية عسكرية أميركية في سوريا (رويترز)

التحالف الدولي ضد داعش
في 23 سبتمبر (أيلول) 2014 بدأت العمليات العسكريَّة الأولى لقوات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، بعد أن دعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف دولي لمجابهة التهديد الأوسع، الذي يكونه داعش.

كانت نواة التحالف من عشر دول، ثم تصاعدت، وبلغ عدد المشاركين 79 دولة، تتفاوت بين المشاركة العسكريَّة والاستخباريَّة والماليَّة والفنيَّة وغيرها، وكانت الخطة الاستراتيجية حملة عسكرية جوية على ثلاث مراحل، سنة لكل مرحلة، تهدف إلى تحطيم القوة القتالية لتنظيم داعش، وكذلك تدمير البنى التحتية الاقتصادية والمالية، ومنع تدفق المقاتلين الإرهابيين الأجانب عبر الحدود ودعم الاستقرار، واستعادة الخدمات الأساسية العامة في المناطق المحررة من داعش، ومجابهة الدعاية الإعلامية للتنظيم.

وأول انكسار لَحِقَ بداعش عند حصاره في بلدة كوباني "عين العرب" الخاضعة لسيطرة الأكراد، والمحاذية للحدود التركية. فقد شنّ طيران التحالف الدولي غاراته بكثافة، أواخر سبتمبر (أيلول) 2014، فقتل المئات من الدواعش. وبدأت المعادلة تتغير على الأرض شيئاً فشيئاً، ما دفع بالتنظيم إلى أن يدخل في دوامة جنونية من العمليات الانتقامية، علّه يخفف من حدة الهجمات ضده. إذ منذ إعلان الخلافة حتى مستهل عام 2016، نفذ داعش العشرات من الهجمات الإرهابية في مختلف دول العالم، وراح ضحيتها المئات من المدنيين الأبرياء، منها إسقاط الطائرة الروسية 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2015 على سيناء، وهجمات باريس في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، وغيرها.

وخلال سنتين من عمليات القصف الجوي للتحالف الدولي، حُطّم كثير من قدرات وطاقات التنظيم، وفي حديث قائد قوات التحالف الدولي شون ماكفارلاند في فبراير (شباط) 2016، أعطى صورة عن الحملة الجوية، التي يتوجب أن تحقق ثلاثة أهداف: الأول، استئصال الورم الرئيس لداعش في العراق والشام من خلال تدمير مراكز قوته في الموصل والرقة، الثاني، محاربة الخلايا السرطانية الناشئة والناتجة عنه حول العالم، أمَّا الثالث، فهو حماية دولنا من أي هجوم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع ذلك، في ديسمبر (كانون الأول) 2017 كشف تقرير أصدره "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" في واشنطن، عن أن "داعش فقد 99% من الأراضي، التي كان يسيطر عليها في العراق، إلا أن مسلحيه يشنون ما معدله 75 هجوماً شهرياً في أنحاء البلاد".

وأشار التقرير أيضاً، إلى حصيلة قتلى الهجمات الدامية في العراق عام 2016، التي بلغت 6217 قتيلاً، وفي العام 2017 وصلت إلى 5339 قتيلاً، وفي العام 2018، بلغت 1656 قتيلاً.

ومن النقاط التي أشار إليها التقرير، أن داعش يستفاد من حالة الاضطراب، التي يعيشها العراق، ومنها أن "داعش يستفاد أيضاً من التوترات الطائفية، التي تغذيها ميليشيات الحشد الشعبي العراقية، المدعومة إيرانياً".

رغم الحقائق التي ذكرها التقرير الأميركي، السالف الذكر، لكن التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، لم يعتمد فقط على القوى العسكرية النظامية، كما مع قطعات الجيش العراقي، بل أيضاً على قوى ميليشية من قوات الحشد الشعبي، والأكراد الانفصاليين في سوريا.

إنه توظيف مرحلي لدى الغرب لأبعاد استراتيجية تخصه أكثر مما تخص الواقع التقليدي في المنطقة، وهذا ما جرى مع الحشد الشعبي، الذي هو طائفي، ولا يقل إرهاباً وإجراماً عن داعش. لذلك عند عودة جزء من القوات الأميركية إلى العراق في نهاية 2018، اتجهت إلى تحجيم تلك المجاميع الطائفية.     

هزيمة داعش
بعد أربع سنوات من مسلسل القصف الجوي المتواصل لدول التحالف، والرصد الاستخباري المتلاحق لتصفية كثير من قادة داعش صاروخياً، والسيطرة على الأرض من مكونات متنوعة عسكرية وميليشية، أخذ داعش بالتراجع التدريجي والانحسار شيئاً فشيئاً، حتى وصل إلى آخر جيوبه في (الباغوز شرقي سوريا)، القريب من الحدود العراقية. ومع دعم  التحالف، تقدمت نحو بلدة الباغوز "قوات سوريا الديموقراطية"، ذات الأغلبية الكردية المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية، ودخلتها بعد قتال شرس، ولاحقت فلول التنظيم حول جبل الباغوز، ثم أعلنت أن داعش مُني بالهزيمة النهائية، في 23 مارس (آذار) 2019.

وصرح مدير المركز الإعلامي لقوات سوريا الديموقراطية، مصطفى بالي قائلاً إن "الباغوز تحررت، والنصر العسكري ضد داعش تحقق". لكن هذه القوات الميليشية خلال مراسيم إعلان النصر، أكدت أنه على الرغم من هزيمة التنظيم ميدانياً، فإن الحملة ستتواصل للقضاء على خلايا داعش النائمة.

بيد أن ما قالته ميليشيات قوات سوريا الديموقراطية، شكّل حرجاً للرئيس الأميركي دونالد ترمب، إذ أعلن في 22 مارس (آذار) 2019 أنه تمكّن من القضاء على داعش. ويبدو أن مساحة الباغوز 4 كم² لم تتحرر تماماً، لأن الدواعش تم حصرهم في مساحة لا تتجاوز كيلومتراً مربعاً، مكتظة بالمدنيين، وهذا ما أخّر الإعلان النهائي.

في الواقع، إن الخطورة الميدانية لداعش، وفق التصور الروسي، تلاشت تقريباً منذ أواخر 2017. ومن هنا، قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بزيارة خاطفة إلى قاعدة حميميم قرب مدينة اللاذقية 11 ديسمبر (كانون الأول) 2017، وأمر بسحب القوات الروسية من سوريا، بعد انتهاء الحرب على ما وصفه بأخطر تنظيم إرهابي دولي.

وفي تلك الفترة نفسها من الموقف الروسي، أعلن العراق أيضاً اكتمال استعادة الأراضي، التي كان داعش يسيطر عليها، منذ يونيو (حزيران) 2014، في شمالي وغربي البلاد.  

بيد أن الولايات المتحدة، كانت لها رؤية مغايرة عما يجري على الأرض، فلم تعلن هزيمة داعش، إلا بعد انتهاء الوجود المناطقي له عبر القوات المحلية الكردية، التي كانت تسانده، رغم اعتراف جميع الأطراف، أن هزيمة داعش لا تعني نهايته. وهذا يعني، أنه كان هناك تفاوت واضح في الأهداف السياسية، وفق مصلحة هذا الطرف أو ذاك.

لقد خسر داعش جميع الأراضي الواسعة، التي سيطر عليها في العراق وسوريا، ولم يعد لديه أي وجود حضري مديني، لكنه ما زال موجوداً في المناطق النائية، وخلاياه النائمة في بعض المناطق أو حول العالم.

وعليه، فإن التنظيم لم يفقد قدرته كلياً على شن الهجمات سوى داخل العراق وسوريا أو في بقية أنحاء العالم.

ولذلك كان تشخيص مدير مركز سياسة الأمن والدفاع الدولي بمؤسسة راندل للأبحاث سيث جونز فيه دقة واقعة، إذ يقول إن "داعش يتحوّل من منظمة تسيطر على مساحات كبيرة من الأراضي إلى جماعة إرهابية تشن هجمات على أهدافنا".

بالنسبة إلى داعش، فإن نهاية المشروع السياسي في إعلان الدولة وقيام الخلافة، ليست نهاية المطاف، فكما قال أبو بكر البغدادي "ليس مطلوباً منا النصر، بل الجهاد"، في ظهوره الثاني بتاريخ 29 أبريل (نيسان) 2019، بعد خمس سنوات من ظهوره الأول في يونيو (حزيران) 2014 في خطبة الجمعة بجامع النوري بمدينة الموصل، وتنصيب نفسه "خليفة المسلمين".

وهذا يعني، العودة إلى الوضع التنظيمي في المشروع الجهادي لداعش، كما كان عليه أول مرةٍ. ولذلك أكد البغدادي في إطلالته الأخيرة، أن الهجمات، التي تعرضت لها فنادق وكنائس سريلانكا في أثناء عيد الفصح في 21 أبريل (نيسان) 2019، راح ضحيتها 207 قتلى ونحو 450 جريحاً، في ثمانية تفجيرات متزامنة، جاءت انتقاماً لخسارة داعش بلدة الباغوز. ولهذا دعا البغدادي في كلمته المصورة، جميع أنصاره حول العالم، إلى "الجهاد"، وشن حرب "استنزاف ضد الأعداء".

ولهذا فإن الوجود الداعشي مستمرٌ، وسينفذ ضرباته في المكان، الذي يختاره، والزمن الذي يحدده. فالعالم أجمع ساحة مفتوحة، ليشن تنظيم داعش هجماته، ولا يمكن إيقاف ذلك، والوصول إلى مرحلة القضاء النهائي عليه، إن لم تكن هناك معالجات حقيقة لمشكلات المنطقة برمتها. ولقد ذكرنا في مقالة سابقة ماهية المعالجات، ولا ضير أن نسردها ثانية بأسلوب آخر:

1- الإرادة الصادقة في إقامة دولة فلسطين، التي تمتلك مقومات كاملة غير منقوصة. 

2- الاستجابة الجادة في دعم مقررات القمة العربية في بيروت عام 2002.

3- المواجهة الفعّالة ضد سياسات النظام الإيراني المزعزعة الاستقرار في المنطقة.

4- الكف عن استخدام جماعات الإسلام السياسي لمصالح غربية مضادة للعالمين العربي والإسلامي، جماعة الإخوان المسلمين أنموذجاً.

استنتاج
إن النظرة الإجمالية لظهور وتمدد داعش، وإعلانه الخلافة، والسفك الدموي الفظيع، الذي مارسه ضد المسلمين بلا هوادة، في العراق وسوريا خصوصاً، هو صورة من صور الأزارقة والنجدات والقرامطة وغيرها من الفِرق والحركات الدموية، التي ظهرت في التاريخ الإسلامي.

فإن نافع بن الأزرق (-65 هـ/-685 م) مؤسس الأزارقة، ونجدة بن عامر (33-72 هـ/600-692 م) تلميذ ابن الأزرق ومؤسس النجدات، وغيرهما من فِرق الخوارج، التي خاضت جميع معاركها في البصرة والأحواز واليمامة ضد أبناء دينها من المسلمين دون سواهم.

وكذلك بالنسبة إلى حمدان بن الأشعث، المكني قرمط لقصر قامته وساقيه، رحل من الأحواز إلى الكوفة، التي ظهر في سوادها عام (258 هـ/969 م)، وهو مؤسس القرامطة من فِرق الإسماعيلية، التي اقترفت من القتل والتدمير وهتك الأعراض، وكل ما يهدف إلى القضاء على الإسلام ديناً وفكراً. ولقد امتدت دولتهم (286-378 هـ/ 899-989 م) من البحرين إلى بادية الشام وجنوبي العراق، وشرق الجزيرة العربية، وغزو مصر ومكة واليمن، وارتكبوا من المجازر والفواحش الشيء الكثير.

ولذلك يعد داعش بمثابة حلقة مُضافة إلى حلقات تاريخية سابقة، يشترك معها في نزعتها الدينية المُنحرفة، وفي هدفها السوداوي والتدميري. وبما إن لكل فرقة من تلك الفِرق المارقة، لها ظرفها وزمانها، التي ترعرعت واستفحلت فيه، فقد تميز داعش بخدمته المشروع الإيراني الصفوي، إذ تأجيج الفتنة الطائفية، وتمزيق وحدة النسيج الاجتماعي، وبعثرة الهُوية الوطنية في كل بلد يدخل فيه من البلدان العربية.

إذ إن جميع مواجهات داعش العنيفة والفتاكة لم تصل نيرانها إلى إيران قط، ولا شظية واحدة من شظاياها أصابت إسرائيل أبداً، بل دوامة القتل المتواصل تجري في البلدان العربية فقط. فالدمار من العراق إلى سوريا، مروراً بلبنان واليمن. ناهيك بخلاياه، التي فجّرت وقتلت في السعودية والأردن وليبيا وغيرها.

وبما أن الخوارج والقرامطة كانا لهما مفاهيمهما ونظمهما الخاصة بهما اجتماعياً واقتصادياً وحياتياً... إلخ، فإن الدواعش لا يختلفون عن هذا النمط أيضاً. بيد أن أحد الأمور التي تثير الغرابة حقاً، أن يتصرف داعش بعقلية تنفي متغيرات الزمن وتطورات الحياة، ومنها قضية السبايا، وبيعهن بأسعار وفق أعمارهن وجمالهن وعذريتهن. إذ بعد كل هذه القرون من الزمن، تجد المرأة نفسها تباع بسوق النخاسة، كأنها في مسرحية تاريخية، لكنها حقيقة حدثت مع اليزيديات العراقيات.

إن هذه القضية وغيرها من القضايا السلبية، التي تجري باسم الإسلام، فإن هؤلاء الدواعش يفهمون الدين بطريقة خاصة بهم، شأنهم بذلك شأن الأزارقة والنجدات والقرامطة، ومن كان على نحوهم. لذلك يتم تشويه الإسلام سواء بقصد أو من دون قصد. وعليه، فإن محاربة داعش وهزيمته بالسلاح العسكري وحده لا يكفي، إنما يجب محاربته بالسلاح العقلي أيضاً. وهذا يتطلب بث التوعية عبر البرامج الثقافية والعلمية والدراسية، فضلاً عن مساحة من الحرية والمرونة السياسية. فهذه من مقومات التشيد المتين تجاه المتطرفين والمتشددين في كل مجتمع من مجتمعات العالمين العربي والإسلامي.   

المزيد من آراء