Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محنة العصر الحديث كما يراها الروائي الهندي أميتاف غوش

الصراع الراهن بين الإنسان والطبيعة ونتائجه في رواية تتوزع بين الواقع والأسطورة

الروائي الهندي الشهير أميتاف غوش (صفحة الكاتب - فيسبوك)

كثيرون هم الروائيون المهمون في الهند اليوم، لكن إن كان علينا أن ننصح بقراءة واحد منهم فقط، لاخترنا من دون تردد أميتاف غوش. لماذا؟ أولاً، لأن مهاراته السردية والكتابية النادرة وثقافته المدهشة تجعل من كل واحدة من رواياته رحلة لا مثيل لها في الجغرافيا والزمن، في الأساطير واللغات، وبالنتيجة، سفراً داخلياً مسارياً يسمح لنا ببلوغ عمق كينونتنا.

ثانياً، لأن روايات غوش، وإن كانت خيالية، تبقى مرسخة في أرض الواقع وتهجس بقضايا عصرنا الأكثر إلحاحاً، ملقية عليها نظرة إنسانية بصيرة نحن في أمس الحاجة إليها اليوم. ثالثاً، لأن هذا الكاتب الذي درس اللغة العربية في تونس وعلم الأنثروبولوجيا في مصر، ثم في أوكسفورد، ويعيش حالياً بين نيويورك ووطنه الأم، قبل أن يكون هندياً، هو مواطن عالمنا بكليته، وبالتالي قادر على مخاطبة كل واحد منا ومسنا بعمق، وإن كانت الإنجليزية لغة رواياته. كاتب عرف كيف يحافظ على بساطة كبيرة، على الرغم من سعة معرفته، ولم يترك شهرته والجوائز الأدبية المرموقة التي نالها تضعف من اهتمامه بالآخرين.

لغز وخريطة

هذا ما يتجلى فوراً لقارئ رواياته العشر، وآخرها "جزيرة البندقية" التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار "أكت سود" بعنوان "التاجر والإلهة"، وتشكل رواية مغامرات رائعة، مؤثرة بقدر ما هي مسلية ومشوقة. رواية هي في الوقت نفسه رحلة حميمة، وعملية فك لغز إتيمولوجي، ومحاولة ناجحة لرسم خريطة دقيقة لأزمات عالمنا، وفي مقدمها رهانات البيئة ومسألة نزوح أبناء الجنوب إلى الشمال، مقدمة من خلال ذلك رؤية ثاقبة لآفات مجتمعاتنا المسمرة في حالة إنكار خطيرة لما يتهددها.

وتجدر الإشارة بداية إلى أن "جزيرة البندقية" هي، بطريقة ما، تتمة لرواية "المد الجائع" (2004) لأن أحداث جزئها الأول تدور في المنطقة نفسها، منطقة "سندربان" التي تقع في خليج البنغال، على حدود الهند وبنغلاديش، وتتكون من مئات المستنقعات والجزر الصغيرة التي تفصل بينها قنوات المياه. مكان خلاب بقدر ما هو خطير لأن حركة المد والجزر القوية فيه تغير باستمرار خريطة قنواته المذكورة، والعواصف التي تضربه غالباً ما تؤدي إلى غرق جزره نظراً إلى وقوعها تحت مستوى سطح البحر، ولأنه يعج أيضاً بالثعابين والنمور والتماسيح.

في رواية غوش الجديدة نقع على عدد من شخصيات "المد الجائع"، مثل عالمة الأحياء البحرية، بيالي، الأميركية- الهندية التي تأتي في الرواية السابقة إلى المنطقة المذكورة لدراسة دلافين المياه العذبة، فتكتشف نمط حياة ساحراً، وقصة حديثة وعنيفة، وتلتقي بشخصيات مختلفة تماماً عن تلك التي تعاشرها، وفي مقدمها صياد أمي يصبح مرشدها وصديقها.

لكن في "جزيرة البندقية"، الشخصية المركزية ليست هذه المرأة، بل تاجر كتب نادرة هندي يدعى دين ويعيش في نيويورك. أثناء زيارة لموطن ولادته، مدينة كلكتا الهندية، يذكره قريب له بأسطورة بنغالية غامضة، أسطورة إلهة الثعابين ماناسا التي تسعى طويلاً إلى إقناع تاجر يدعى بندقي ساداغار في أن يصبح واحداً من أتباعها، لكن رفض هذا الأخير تكريمها يدفعها إلى اضطهاده، ما يضطره إلى عبور البحار والقارات للفرار من غضبها. فرار يقوده من مكان خيالي إلى آخر، قبل أن يحط في جزيرة تدعى "جزيرة البندقية".

مفاجآت الرحلة

يعرف دين هذه الأسطورة جيداً لأنها شكلت موضوع أطروحته الجامعية، لكن أثناء حديثه مع قريبه في شأنها، كان يجهل أنها على وشك قلب مشاريعه رأساً على عقب وتفجير رتابة حياته. فبناء على طلب ملح من عمة يحترم مسيرتها وإنجازاتها في المجال الإنساني، يجد هذا الرجل الستيني نفسه، بضعة أيام قبل عودته إلى بروكلين، في منطقة "سندربان" بغية زيارة معبد في غابة مهدد بالغرق في أي لحظة، يعتقد أن التاجر بندقي ساداغار شيده للإلهة ماناسا. مكان خارج الزمن لن يشكل سوى المرحلة الأولى من رحلة يتتبع دين فيها خطى التاجر المذكور وتتجلى خلالها له أشياء لم تكن في البال ولا الحسبان.

وفعلاً، بمساعدة صديقته سينتا، وهي باحثة جامعية شهيرة من مدينة البندقية، متخصصة في تاريخ العصور الوسطى، يكتشف دين تدريجياً أن الأماكن التي حط بها بندقي ساداغار أثناء فراره لم تكن خيالية، بل تتوزع على خط يمتد من الهند إلى مدينة البندقية، مروراً بالشرق الأوسط ومصر. وهو ما يدفعه إلى السفر بدوره من غابات المانغروف في خليج البنغال التي تعصف بها العواصف ويبتلعها البحر شيئاً فشيئاً، إلى كاليفورنيا المشتعلة بالحرائق، فإلى البندقية المهددة بارتفاع منسوب المياه التي تحاصرها. سفر يلتقي خلاله بشخصيات مثيرة كثيرة، أبرزها عالمة الأحياء البحرية بيالي التي يقع في غرامها وتجعله يكتشف منطقة ساندربان ونظامها البيئي الهش، ومأساة انخفاض أعداد الدلافين فيها بسبب السموم التي يفرغها مصنع كيماوي محلي في مياهها. يلتقي بالفتى رافي، ابن الصياد ومرشد بيالي في الرواية السابقة، الذي يشرع بدوره، مع فتى آخر، تيبو، في مغامرة خطيرة تتمثل في الهجرة إلى أوروبا براً وبحراً، بطريقة غير شرعية.

المخاطر البيئية

لن نكشف مآل هذه المغامرات كي لا نفسد متعة قراءة الرواية، لكن ما يمكننا أن نقوله هو أن الكاتب يستثمرها بمهارة تجعلنا نعي ونتحسس في قسمها الأول المخاطر البيئية الجسيمة التي تتهدد كوكبنا، قبل أن يتناول في قسمها الثاني، وبالألمعية نفسها، موضوع النزوح عن طريق الفتيين رافي وتيبو اللذين يمثلان على أفضل وجه آلاف الشبان الذين، للفرار من مستقبل بائس في وطنهم، يضعون أنفسهم تحت رحمة مهربين محترفين لعبور الهند وباكستان وإيران وتركيا، بغية الوصول إلى أوروبا، مكررين بذلك، ومن دون أن يدروا، رحلة التاجر بندقي ساداغار.

واقعية وراهنة إذاً، لا تخلو "جزيرة البندقية" من أحداث "غير طبيعية" تضفي عليها جانباً خارقاً. فبعض شخصياتها تغوص في أحلام ذات طابع تنبؤي، وتسمع أصوات أقربائها المتوفين، وتواجه مصادفات بعيدة عن المعقول. ومثل تاجر الأسطورة الذي تلاحقه إلهة الثعابين للانتقام منه، يجد بطلها دين نفسه عرضة لتجليات ثعابين في أكثر الأماكن غير المتوقعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولدى قراءتها، تستحضر هذه الرواية مراراً إلى أذهاننا روايات أومبرتو، سواء بذلك المزيج من المغامرات والمعرفة المدوخة والجانب الباطني فيها، أو بإثارتها اهتمامنا وتلبية فضولنا في موضوعات مثيرة لا تحصى، نذكر منها سلوك الدلافين الملغز، بدايات الطباعة، تقاطع مصدر كلمات عديدة في لغات مختلفة، مدينة البندقية خلال القرن السابع عشر، من دون أن ننسى ذلك الكتاب القديم الذي يقع دين عليه بالصدفة داخل متحف ويتبين أنه يشكل واحدة من قطع أحجية أسطورة التاجر والإلهة.

لكن قيمة هذا العمل لا تقتصر على ذلك، إذ تنتظرنا أيضاً داخله صفحات غزيرة مرصودة تارة لتحليل دور الهواتف المحمولة في تغيير رؤية أفقر أبناء الهند للعالم، وطوراً لوصف الأرصفة الخشبية لمدينة البندقية التي تنخرها ديدان تهدد أساساتها، ومرة لكشف حقيقة وجود طائفة كبيرة من المهاجرين البنغلاديشيين في هذه المدينة تؤدي، باضطلاعها بمعظم الوظائف الصغيرة فيها، دوراً بات يتعذر على أبناء البندقية الاستغناء عنه...

لكن أكثر ما يفتننا في "جزيرة البندقية" هو تسليطها ضوءاً كاشفاً على الصراع الراهن بين الإنسان والطبيعة ونتائجه المناخية والبيئية، عن طريق أسطورة التاجر بندقي، الذي يمثل البشر، والإلهة ماناسا، التي تمثل عالم الطبيعة. صراع يتجلى على طول الرواية ويبلغ ذروته في المشهد الأخير والرائع منها الذي نرى فيه سفينة محملة باللاجئين تتقدم نحو الشاطئ الإيطالي، وتقودها امرأة إثيوبية غامضة ترمز من دون شك إلى الإلهة ماناسا. سفينة لا تلبث أن تثير أزمة سياسية كبيرة داخل إيطاليا، وحين تحاول مراكب الأحزاب اليمينية المتطرفة منعها من التقدم، تلتف حيتان البحر المتوسط وملايين الطيور حولها، ضمن طقس حماية واستقبال للمهاجرين يقشعر الأبدان، ويشكل بدوره صدى لأحد فصول الأسطورة.

المزيد من ثقافة