أطباء ادلب لن يعطوا الأمم المتحدة احداثيات مواقع المستشفيات بعد الهجمات الروسيّة والسوريّة عليها

اكثر من 25 مستشفى شكلت هدفا لقصف القوات الروسيّة والسوريّة خلال شهر واحد

نالت "الخوذ البيضاء" شهرة ضخمة بسبب دورها الإنساني في معارك سوريا، لكن قصف المستشفيات أدخل علاقتها مع المؤسسات الدولية في متاهة 3 يونيو 2019 (أ.ف.ب)

قرّر أطباء يعملون في الشمال السوري الواقع تحت سيطرة المعارضة الكفّ عن مشاركة احداثيّات المرافق الطبيّة مع الأمم المتحدة بعد ان فشل هذا المسعى في حماية هذه المنشآت من التعرض للغارات الجويّة.

وقد تعرّض قرابة 25 مستشفى إلى قصف من قوات النظام السوري والقوات الروسيّة خلال الشهر المنصرم في إطار الهجوم الذي يشنه الحليفان على مدينة إدلب، آخر معاقل المعارضة السوريّة. 

وكانت الأمم المتحدة قد أُخطرت بإحداثيات تسع من تلك المنشآت وشاركتها بدورها مع روسيا في محاولة لحماية المرافق من القصف والحث بطريقة ما على تطبيق مفهوم المُساءلة في حال وقوع هجمات. ولكن ما حدث هو أن هذه المنشآت أضحت في مرمى النار أيضاً.

وصرّح الدكتور محمد زاهد من مُنظّمة "أطباء عبر القارات"، وهي مُنظّمة طبيّة تعمل في سوريا أنّ "معظم الشركاء سيمتنعون بشكل قاطع من الآن فصاعداً عن مشاركة إحداثيّاتهم مع الأمم المتحدة بسبب فشل ذلك المسعى".

وفي حديث إلى "الإندبندنت"، أوضح أن "ستة مستشفيات تعرّضت لهجمات خلال العام الماضي فيما تعرضت للقصف ثمانية مستشفيات اخرى في الشهر الجاري، بعد مشاركة احداثيات مواقعها مع الأمم المتحدة. وبالتالي، قرّرت معظم المُنظّمات غير الحكوميّة العاملة في سوريا إيقاف تلك العملية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتعكس الخطوة يأساً متزايداً في أوساط الأطباء والعاملين في الحقل الطبي داخل إدلب، الذين يجاهدون كي يعالجوا المرضى بالتزامن مع تعرضهم إلى مستوى غير مسبوق من الهجمات التي طاولت منشآتهم.

وقد أطلق النظام السوري وحليفه الروسي حملة عسكرية لاستعادة أجزاء من إدلب في أواخر شهر ابريل/نيسان الماضي. وتقع المحافظة بشكل شبه تام تحت سيطرة تنظيم "هيئة تحرير الشام" المُعارض الذي كان يرتبط سابقاً بتنظيم "القاعدة"، لذا غالباً ما يستخدم النظام السوري وجود التنظيم (في إدلب) ذريعة لتبرير العمل العسكري.

في المقابل، أسفر القصف المركّز على المناطق المكتظة بالسكان عن مقتل أكثر من 270 مدني منذ بدء تلك الحملة العسكرية. فيما نزح ما لا يقل عن 300 ألف شخص من منازلهم خلال تلك الفترة، ما دفع بالمحافظة إلى شفير الكارثة الإنسانيّة. ويقطن في إدلب حوالى 3 ملايين شخص، يعتبر أكثر من نصفهم نازحين قدموا من مناطق اخرى من البلاد.  

واعتبرت الرسالة المفتوحة التي وقّعها عشرات من الأطباء من أرجاء العالم ونُشرت خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، أنّ استهداف قوات النظام السوري وروسيا المرافق الطبيّة "قد فرض على المستشفيات المتبقيّة أن تعمل ضمن اطار حالة من الطوارىء فلا تعالج سوى الحالات الطارئة والحرجة، وتعجز عن استقبال مرضى محتاجين لعناية دوريّة".

ليس استهداف المرافق الطبيّة مسألة مستجدّة في إطار الحرب الأهليّة السوريّة. فقد وثّقت "مُنظّمة أطباء من أجل حقوق الإنسان" التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، ما يفوق 500 هجمة على أكثر من 350 مرفق طبي بين عامي 2011 و2018، شنّت قوات النظام السوري والقوات الروسيّة 90% منها.

وإزاء هذا المستوى من العنف، وجد الأطباء أنفسهم أمام خياري التكّيف والاختباء أو التعرض للتدمير. وقد عاد رئيس مُنظّمة "ميد غلوبال" الدكتور زاهر سحلول أخيراً من زيارة إلى إدلب بعد أن مكث فيها أسبوعاً كان خلاله شاهداً على محاولات الاطباء تحصين أنفسهم ضدّ الهجمات. وتعرّض أحد المستشفيّات التي زارها للقصف مرتين قبل أن يُنقَل إلى مكان آخر.  

وفي مقابلة مع "الإندبندنت"، بيّن سحلول أن ذلك المستشفى "حُفِرَ في قلب الجبل كالكهف ولكن من الداخل كان مستشفى عادياً كأي مستشفى آخر. وعلى الرغم من ذلك، لم يسلم من القصف وتوقّف عن العمل". 

وعن الهجمات الروسيّة وهجمات النظام السوري، قال :" انهم يستخدمون صواريخ متطورة. وينجحون بشكل متزايد في إيقاف هذه المنشآت عن العمل. ويحدث هذه الأمر يومياً."

ولجأت بعض المُنظّمات الاخرى إلى تجهيز عيادات متنقّلة يمكنها التحرك من مكان إلى آخر كي تتفادى التعرض للقصف.

وفي المقابل، "حتى العيادات المتنقلة تواجه خطر الاستهداف. وليس من الممكن توفير العديد من الخدمات المتخصصة والمحددة من خلال عيادة متنقلة"، وفقاً للدكتور زاهد.

وتابع، "ليس لدينا خطة بديلة. في هذا القطاع بالتحديد يجب أن تكون الخطة الأساسيّة هي الخطة الوحيدة. يجب ألاّ تستهدف المستشفيات. ويتوجّب ألاّ تكون جزءاً من هذه الحرب".

كان لدى الاطباء أملٌ في أنّ يؤدي تشارك الإحداثيّات مع الأمم المتحدة إلى نوع من المساءلة في خصوص الهجمات المتكرّرة، حتى إن لم يؤد إلى وقفها. في المقابل، بيّن محمد قطوب، مدير "الجمعية الطبيّة السوريّة الأميركيّة" ("سامز") التي تدير أيضاً بعض المرافق الطبيّة في المحافظة، إنّ ثمة من يشعر الآن بأن الإقدام على تلك الخطوة قد وضعهم في خطر أكبر.  

"يشعر الموظفون المحليّون أن آلية فض النزاع لم تدفع أي طرف إلى استخدام المعلومات في وقف الهجمات، بل يعتقدون أنّ المعلومات قد استُخدِمَت فعليّاً من أجل استهداف المستشفيات... لا أعتقد أنّه يمكن اقناع الموظفين المحلييّن العاملين معنا بأنّ إدراج منشآتهم ضمن آلية فض النزاع  سيوفر لهم الحماية أو أنّه سيضمن مُساءلة المعتدين او إدانتهم"، وفق كلمات قطوب.

وبسبب ذلك التصور بشأن غياب المساءلة، تعرضت الأمم المتحدة إلى انتقادات من قِبَلِ عدد من المُنظّمات غير الحكوميّة العاملة في إدلب.

"ليس من المطلوب من الأمم المتحدة ان تلعب دور وكالة انباء فحسب وأن تقدم التقارير عن المستشفيات التي تدمرت. فمُنظّمات حقوق الانسان التي تنقل هذه التفاصيل كثيرة ومتنوعة. من المفترض أن توفّر الأمم المتحدة الحماية وأن تحمّل كل طرف مسؤولية أفعاله"، بحسب الدكتور سحلول الذي توفّر مُنظّمته خدمات الاغاثة الطبيّة والانسانية في إدلب.  

وأضاف سحلول أنّ "الأمم المتحدة قد فشلت في تأدية هذه الوظيفة. ولا يُبذل  جهد داخل المُنظّمة من أجل تشكيل فريق تحقيق أو تحميل الأطراف مسؤوليتها. ويتساءل الناس عن الهدف من وجود الأمم المتحدة".

ويؤيده في ذلك الرأي أيضاً رائد صلاح الذي يترأّس فرق الدفاع المدني السوريّة المعروفة باسم "الخوذ البيضاء"، وهي مُنظّمة تحظى بدعم أميركي وبريطاني وتكون غالباً أول من يقدّم المساعدة في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.

وفي الأسبوع الماضي، تحدّث صلاح أمام صحافيين في إسطنبول مشيراً إلى أنّ أحد الدبلوماسيّين الغربيّين أسرّ إليه بأن مسؤولي الأمم المتحدة ما زالت تنقصهم الوثائق اللازمة كي يتسنى لهم طلب مزيد من الموارد للناس المتبقين في إدلب.

وأضاف، "نحن نتحدث عن 350  ألف شخص تقريباً يعيشون في الخلاء بين أشجار الزيتون، وعلى الرغم من ذلك ما زالت الأمم المتحدة تحتاج إلى تقييمٍ واضحٍ عن الوضع. لم تلعب الأمم المتحدة دوراً جيداً داخل سوريا حتى الساعة... لا أحد يتحدث عمّن يلاقون حتفهم في سوريا كأن السوريين لا يتعدّون كونهم أرقاماً فحسب". 

© The Independent

المزيد من الشرق الأوسط