Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

3 سينمائيين بلا أسلاف وورثة يجتاحون مهرجان برلين

نمساوي وكندي وفرنسي يسائلون قضايا البؤس الإنساني والجنس والإرهاب

من فيلم "ريميني" للمخرج اولريش زيدل في مهرجان برلين (الخدمة الإعلامية)

ثلاثة سينمائيين غير تقليديين لا أشباه لهم في التقاط الواقع والارتقاء به، يعرضون جديدهم في مهرجان برلين السينمائي الـ72 هذا العام: النمساوي أولريش زيدل يأتي بـ"ريميني" في المسابقة الرسمية، في حين يكشف الكندي دوني كوتيه عن تفاصيل "هذا النوع من الصيف" في المسابقة عينها. أما الفرنسي آلن غيرودي، فيفتتح قسم "بانوراما" مع "سآخذك معي". في الآتي، نظرة على ثلاث عقليات سينمائية تقف في الضفة المقابلة لكل هو مستهلك يتغذى من التكرار. 

أولريش زيدل

تجري أحداث "ريميني" في مدينة ريميني الساحلية خلال الشتاء. كل من زار المصيف الإيطالي الشهير يعلم كم هي المدينة مزدحمة صيفاً وخالية من الناس شتاءً، والفصل الأخير هو ما يناسب توجه زيدل السينمائي الذي لطالما حط رحاله في أماكن هامشية ومناطق غير مأهولة. القصة: تستمتع مجموعة من كبار السن من نزلاء أحد الفنادق بغناء ريتشي برافو الذي يلقي أغاني عن "الدموع المؤلمة"، لكن عندما ترفع ابنته مرآة أمام حياته، تعود أشباح الماضي لتطارد الموسيقي المعذب. الفيلم من الصنف "الرومانسي الحزين" كما يقول ملف الفيلم على موقع المهرجان، كل شيء فيه يعالج على الطريقة الـ"زيديلية" (نسبة لزيدل) المعتاد. مهما كان حجم "الانحراف" الذي هو عليه، فقليلة هي الأفلام التي تلتقط بؤس الحياة كما الحال هنا. مايكل توماس يبرع في تجسيد دور الابن والأب والرجل. الألم الذي يعانيه يضاهي حبه، حقيقةً وزيفاً. أنجز زيدل فيلماً آخر عن أحب الشخصيات إلى قلبه: الخاسر الأبدي الذي غالباً يعرف أنه خاسر. يواصل مخرج "استيراد - تصدير" في التربع على عرش الغرابة الأوروبية، من خلال أفلام تنبش في حقول غير مستكشفة لطرح قناعته حول الإنسان. وأهميته في أنه يعاين ناسه بتأنٍّ وطول أناة، مستدرجاً الطرافة الهدامة إلى سينماه.

لا يبدي زيدل أي اهتمام بالتحدث عن نفسه خلال المقابلات. فهو ينبذ "الاستعرائية التي كثرت في زمن هيمنة التلفزيون"، كما يقول. يعتبر نفسه رجل سينما، يعنيه الآخرون ويمضي معظم وقته وهو يراقب سلوكهم وتصرفاتهم. هكذا تتولد الشخصيات التي يستخرجها من عمق الواقع ليضع عليها لمساته الخاصة. يهمه أيضاً تناول عدة طبقات اجتماعية في أعماله. ثمة دائماً تعايش فريد في أفلامه بين الوثائقي والروائي، حد أن المشاهد باتت تستهويه عملية البحث عما هو حقيقي وما هو متخيل. باختصار، لا نعرف إذا ما ينجزه روائي أو وثائقي. تختلط علينا الأشياء، وهذا يشكل مصدر بهجة لديه، إذ يقول: "هذا هو الجوهر الذي يقوم عليه شغلي. أنجز الأفلام الوثائقية والأفلام الروائية، وأنجز أيضاً أفلاماً روائية فيها نمط وثائقي، وأسعى ألا يكون المشاهد متأكداً تمام التأكيد إذا كان ما يراه حقيقة أو خيال. أحب خربطة الأشياء عليه".

في بعض أفلامه، يخيل لنا أن الشاشة التي أمامنا ما هي ألا خشبة مسرح، علماً بأن زيدل، باعترافه، لم يتأثر بالمسرح بقدر ما تأثر بالكنيسة. وليس المقصود بالكنيسة العقيدة الدينية، بل المذبح خلال القداس الكاثوليكي الذي يشبهه المخرج بخشبة المسرح. هناك ناقد قال هذا عن زيدل في بداياته، فوجده صائباً في مقاربته. إذا كانت أفلامه قداديس، فهل هذا يعني أنه الراهب، راهب مخرب؟ يجيب ممازحاً: "إني بالأحرى الحبر الأعظم!". 

دوني كوتيه

مع "هذا النوع من الصيف"، يعود كوتيه إلى المسابقة البرلينية التي سبق أن عرض فيها أربعة من أفلامه السابقة. الحكاية عن ثلاث نساء يقضين 26 يوماً في منزل هادئ يقع على بحيرة. هن ليوني وأوجيني وغاييل اللاتي يتميزن بطباع مختلفة بعضهن عن بعض. الأولى جادة والثانية مندفعة والثالثة تحب الغزل. أخصائي اجتماعي ومعالج نفسي يشرفان عليهن. شعار المرحلة: "فرط الجنس ليس مرضاً". الهدف من التجربة التي يخضعن لها ليس الشفاء، بل "الاستكشاف الصريح للتجارب المختلفة وأشكال الرغبة في أقصى تجلياتها"، هذا كله سيحدث والشخصيات إما نصف عارية أو بكامل ملابسها، عارية ومتسترة، سواء لفظياً أو جسدياً، أكان في الخيال أو في الواقع. أبطال المشروع لا ينفعلون إلا قليلاً، وهذا أمر غير مفاجئ لأنه يتوافق مع رد فعل المشاهد إزاء ما يراه.

يقول مبرمجو الفيلم في برلين أن دوني كوتيه نجح في إنشاء مساحات سينمائية ديناميكية، حيث التجارب النفسية والجسدية والفكرية عبارة عن لعبة، وبسببها تحديداً، يمكن تعقب الواقع. أحياناً، تدور الكاميرا حول الشخصيات في رقصة تروما وشهوة. تتفكك القواعد ليغدو الحاضر ملموساً والمستقبل قابل للتصور.

كوتيه سينمائي مستقل وجد هامشاً للتعبير في الحكايات التي تخرج من قائمة ما يمكن أن نتوقعه من سينمائي ولد وعاش في كيبيك. سار على هذا النهج منذ أول فيلم قصير له في عام 1997. عمل كوتيه ناقداً سينمائياً لمدة 12 سنة قبل أن يخوض غمار الإخراج. في طفولته، لم يشاهد إلا أفلام رعب إسبانية وإيطالية، تلك التي تصنع خارج هوليوود. داريو أرجنتو ولوتشيو فولتشي هما من الذين أثروا فيه كثيراً في تلك المرحلة من حياته، حين راحت تتبلور أيضاً لديه مشاعر سلبية تجاه هوليوود. ثم، انضم إلى حركة الـ"بانك"، فاختبر شعور أن يعيش من دون وصي على أفعاله وكتاباته. هو الذي لطالما كان من رواد "السينماتك"، وجد نفسه يخصص ثلاث صفحات لعباس كيارستمي وأربعة أسطر لـ"سبايدرمان" في المطبوعة التي كان ينشر فيها. ولما لم يجد أحداً يردعه، استمر في هذا النهج. يقول في مقابلة إن هذه التجربة أسهمت في بنائه الداخلي، وحصنته أمام كل ما هو تقليدي، لا بل استطاع بلورة حساسية لكل ما هو تقليدي.

آلان غيرودي

فيلم الفرنسي آلان غيرودي، "سآخذك معي"، الذي افتتح قسم "بانوراما"، كان منتظراً في برلين نظراً إلى أن هذا المخرج يقدم شيئاً مختلفاً مع كل جديد له. هذه المرة ينكب على شخصيات تدور أحوالها على هامش هجوم إرهابي يأخذ من مدينة كليرمون فيران مسرحاً له. نتعرف على ميديريك، الشاب الثلاثيني الذي يقع في حب عاهرة خمسينية متزوجة. سينتهي حبهما بشكل مفاجئ، حينما يحدث الهجوم اضطراباً في المدينة، فيلجأ سليم وهو شاب بلا مأوى من أصل عربي، إلى البناية التي يقطن فيها ميديريك الذي يساعده في البداية، قبل أن تداهمه الشكوك في شأن هذا الغريب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من شاهد الفيلمين السابقين لغيرودي، قد يعي بأن احتمال أن يتطرق إلى قضية الإرهاب (ولو بشكل غير مباشر) على نحو تقليدي ضعيف جداً. لذلك، فنحن أمام عمل "فيلم جاد وساخر في الحين نفسه، عن الحب المستحيل وجنون العظمة والتضامن"، وذلك بحسب تعريف المهرجان له. الفيلم يلامس أيضاً مواضيع إشكالية كصورة الجسد والعمر والدين والتوجه الجنسي. كلما ازداد عدد الذين في الفيلم، تصبح الحبكة غير متوقعة، لتنحرف في بعض الأحيان إلى العبثية، مع حرص دائم للتعامل مع شخصيات غير مألوفة بقدر هائل من الحب.

في آخر عمل له، "البقاء عمودياً"، قبل ست سنوات، قدم غيرودي عملاً يتعذر تصنيفه، وصفته ناقدة "لو موند" إيزابيل رينييه بأنه يقتفي خطى بازوليني. جنس واستفزاز وكوميديا، هي بعض مكونات هذا الفيلم الكاسر لكل أنماط السرد التقليدي، والذي يصعب حتى إن نجد منطقاً له من شدة إمعانه في الجنون غير العاقل. 

تربى غيرودي في الريف الفرنسي، حيث شاهد أولى أفلامه. عاش في بيئة صغيرة وهي "ملتقى للأشخاص ذاتهم" كما يقول. كان يشعر بالحرمان والكبت، فالثقافة كما نجدها في باريس ومدن أخرى لم تكن متاحة. عوض عن هذا النقص عبر الإمعان في مطالعة الأدب. لجأ إلى كل ما يتيح له التعرف إلى الآخر والغوص في خصوصياته. وهذا هو في نظره تعريف الثقافة. يروي أن السينما لطالما كانت عنده مرتبطة بالحلم. نما هذا الإحساس في داخله وهو يكتشف أفلام كبار السينمائيين مثل بونويل وفيلليني. إلا أن ثمة عملاً جعله يرغب في المرور إلى خلف الكاميرا: "الشيطان الأبيض والإله الأشقر" لغلاوبر روشا. ولأنه من الريف ويعاني هذه العقدة، كانت السينما بالنسبة إليه شيئاً مستحيلاً، سواء جغرافياً، لأن مدارس السينما كانت في باريس، أو اجتماعياً لأنها كانت محصورة في الطبقة البورجوازية والنخب. "ولكن هل البورجوازية هي النخبة؟"، يسأل غيرودي ضاحكاً. بعض الجواب في أفلامه.

المزيد من سينما