Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تحمي الدلافين ربع المخزون النووي الأميركي؟

برنامج واشنطن لعسكرة الثدييات البحرية بدأ في الستينيات وتبعتها موسكو

يمكن للدلافين التنبّه للألغام المدفونة بالطين والطمي في قاع البحر عن طريق استشعار فراغ الهواء داخل غلاف اللغم (أ ف ب)

بقدر ما قد يبدو الأمر غريباً، تستخدم البحرية الأميركية الدلافين منذ الستينيات في مجموعة متنوعة من المهمات العسكرية، لكنها طوّرت استخدامها لتصبح خطاً أول للدفاع عن الأمن القومي للولايات المتحدة. فمنذ أكثر من عشر سنوات، تحمي الدلافين أكبر قاعدة بحرية أميركية، تضم ما يزيد على ربع مخزون أميركا من الأسلحة النووية. لكن، كيف تؤدي الدلافين هذه المهمات الخطيرة؟ وما الذي يميزها عن غيرها؟ وهل كانت أميركا الدولة الوحيدة التي تستخدم الدلافين في مهمات عسكرية؟

أكبر موقع للأسلحة النووية

على بعد 20 ميلاً فقط من مدينة سياتل الأميركية بولاية واشنطن على ساحل المحيط الهادي، تقع قاعدة باغنور للغواصات في شبه جزيرة كيتساب البحرية، التي تُعدّ أكبر موقع فردي للأسلحة النووية في العالم، إذ تضم أكبر قوة ردع نووية بما يتراوح بين ربع وثلث المخزون النووي الأميركي، وفقاً لتقرير اتحاد العلماء الأميركيين الذي قدّر عدد الرؤوس النووية في القاعدة قبل أعوام بنحو 720 من إجمالي 1800 رأس نووي ناشط، إلا أنها تراجعت حالياً بعد سلسلة من اتفاقات خفض التسلح النووي وفقاً لـ"إيكونيميست"، غير أنها ما زالت تحتفظ بقوة الردع الرئيسة للولايات المتحدة المتمثلة في الغواصات المحملة بصواريخ "ترايدنت" النووية.

ونظراً إلى الأهمية الاستراتيجية لهذه القاعدة، واعتبارها خط الدفاع الأول للأمن القومي للولايات المتحدة، سعت القوات البحرية إلى حمايتها من كل الجوانب، فإضافة إلى نظم الحماية والرصد الإلكترونية بالأجهزة المتقدمة، اعتمدت البحرية نظام حماية يتمثل في الدلافين وأسود البحر، حسبما اعترف المتحدث السابق باسم البحرية كريس هالي لموقع "إنسايدر".

وعلاوة على أهمية القاعدة البحرية، فإن ولاية واشنطن كانت ولا تزال موطناً لمشاريع متعلقة بالأسلحة النووية على مدى عقود، بعضها معروف، والبعض الآخر تكتنفه السرية، إذ أسهمت هذه المشاريع في وجود نووي قوي في الجيش، وفي صناعة نووية مزدهرة. وهذا يفسر سبب وضع كثير من مخزون الولايات المتحدة في قاعدة بحرية على المحيط الهادي.

برنامج الثدييات البحرية

غير أن استخدام الدلافين وأسود البحر في مهمات عسكرية ليست جديدة، إذ تعود إلى عام 1967، فخلال حرب فيتنام، بدأت البحرية الأميركية برنامجاً يُعرف باسم برنامج الثدييات البحرية لتدريب الدلافين وأسود البحر، وربما كائنات بحرية أخرى بهدف استخدامها لأغراض عسكرية، مثل الكشف عن مواقع الألغام البحرية ومكافحة التسلل عبر التحذير من اقتراب مقاتلين معادين في البحر (ضفادع بشرية)، أو نشر قنابل موقوتة قرب السفن المعادية، ورصد الأشياء المشبوهة أو الأفراد بالقرب من الموانئ والسفن، وكذلك للكشف عن الغواصات تحت الماء، وإنقاذ السباحين المفقودين.

وقبل نحو 12 عاماً، اضطرت البحرية الأميركية إلى إطلاق العنان لقوة من الدلافين وأسود البحر المدربة، لاستعادة عدد من الغواصات الذاتية القيادة من طراز "روموس 100 سوردفيش"، بعدما توقفت عن الاستجابة للأوامر أثناء التمرين الأميركي الكندي المشترك "فرونتير سينتينال"، قبالة الساحل الشمالي الشرقي لأميركا.

لماذا الدلافين وأسود البحر؟

لكن التركيز على الدلافين وأسود البحر أتى بعد إجراء اختبارات مختلفة على أكثر من 19 نوعاً من الكائنات البحرية، بما في ذلك بعض أسماك القرش والطيور، لتحديد أيها سيكون أكثر ملاءمة للعمل المطلوب القيام به. وفي النهاية، كان السونار عالي التطور الذي تتميز به الدلافين ويجعلها قادرة على العثور على أدق الأشياء، هو الذي جعلها مفيدة في اكتشاف الألغام تحت الماء.

تطلق الدلافين موجات سونار من جباهها، ويمكنها أن تحدد بسرعة الأشياء التي لا يستطيع البشر تحديدها، كما يمكنها الغوص بشكل متكرر إلى مسافات أعمق من الغواصين البشريين، والوصول إلى أعماق تحت الماء لا يمكننا الوصول إليها إلا باستخدام الروبوتات، وترى الدلافين رجال الضفادع البشرية من الأعداء، عبر استشعار الموجات الصوتية التي ترتد من رواسب الكالسيوم الصلبة في عظام الإنسان، ويمكنها التنبّه للألغام المدفونة بالطين والطمي في قاع البحر عن طريق استشعار فراغ الهواء داخل غلاف اللغم، كما أن الرؤية التي لا تشوبها شائبة لأسود البحر تحت الماء، جعلها قادرة على اكتشاف السباحين الأعداء.

كيف يجري التدريب؟

تلتزم البحرية الأميركية إطعام الدلافين نظاماً غذائياً محدداً من بين أنواع عدة من الأسماك يومياً، ومن خلال التحفيز الإيجابي بالطعام والعاطفة، يتم تدريب كل دلفين على تحديد أنواع معينة من الأهداف، مثل الأشخاص أو الألغام الطافية أو ألغام القاع، وعندما يحين وقت العمل، يتواصل المدربون مع الدلفين من خلال مجموعة من الصفارات وإشارات اليد. ثم يستخدمون جهازاً يُسمّى بـ"محوّل الطاقة" الذي يشع نغمات صوتية معينة في الماء للإشارة إلى الدلفين بأن الوقت قد حان للبحث. أمّا بالنسبة إلى الضفادع البشرية المعادية، قد يعني ذلك إلقاء قنابل ارتجاج في الماء، وبالنسبة إلى الألغام، فيذهب غواصون من أجل التخلص من القنابل أو المركبات التي تعمل بطريقة التحكم عن بعد لتعطيلها أو تدميرها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا يزال حتى الآن برنامج تدريب الثدييات البحرية التابع لقيادة أنظمة الحرب البحرية في سان دييغو، بولاية كاليفورنيا يقوم بشكل منتظم بتدريب عشرات من الدلافين وأسود البحر كي يلتحقوا في خدمة البحرية الأميركية، وعند حماية الموانئ والسفن من الألغام، كما هي الحال في قاعدة باغنور البحرية، تستخدم الدلافين السونار تحت سطح الماء، سواء كانت الألغام في قاع البحر أو مدفونة تحت الرواسب، وفقاً لمتحدث آخر بالبحرية.

يقوم طاقم بدوام كامل من الأطباء البيطريين والفنيين البيطريين وعلماء الأحياء البحرية المدربين تدريباً عالياً برعاية الثدييات البحرية في البحرية الأميركية، مع الأطباء والموظفين على مدار الساعة، حال احتياج الحيوانات إلى الرعاية، بحيث يحرص الجميع على الاحتفاظ بالدلافين وأسود البحر بصحة جيدة وصالحة للخدمة من خلال الفحوص البدنية الروتينية، مع الإشراف على التغذية وجمع البيانات الشامل وإدارتها للحفاظ على لياقتها البدنية.

وموسكو أيضاً

لم تكُن الولايات المتحدة الدولة الوحيدة المعروفة بتدريب الحيوانات البحرية على هذه الأنواع من المهمات، فكان الاتحاد السوفياتي يلاحق أميركا بدافع المنافسة الشديدة بين الجانبين. ولأنها ذروة الحرب الباردة، لم تكُن البحرية السوفياتية مستعدة لأن تخاطر بالتخلف عن الركب، ففي النصف الثاني من الستينيات، افتتحت البحرية السوفياتية منشأة أبحاث في كازاشيا بوختا، بالقرب من سيفاستوبول، لاستكشاف الاستخدامات العسكرية للثدييات البحرية. وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي، تنازلت عنه موسكو إلى البحرية الأوكرانية، إيذاناً بنهاية برنامج الدلافين العسكري السوفياتي، غير أن البحرية الأوكرانية أعادت تأسيس المركز عام 2012، لكنه عاد إلى السيطرة الروسية بعدما ضمّت موسكو منطقة القرم في مارس (آذار) عام 2014.

وما يثير علامات استفهام حول البرنامج الروسي، ما جرى اكتشافه في النرويج عام 2019، حيث عثر صيادون على حوت بيلوغا يرتدي أحزمة ضيقة، ما أثار تكهنات بأن الحيوان ربما يكون قد هرب من منشأة عسكرية روسية. وقبل ذلك، تصدرت وزارة الدفاع الروسية بعض العناوين غير المعتادة عام 2016، حينما دفعت 18 ألف جنيه استرليني لشراء خمسة دلافين.

هل تتدرب على القتل؟

بسبب السرية المحيطة باستخدام الدلافين في الجيش، هناك أيضاً عدد من الإشاعات حول استخدامات مختلفة، إذ يُزعم أن الدلافين العسكرية قد جرى تدريبها على زرع ألغام تحت الماء، أو تحديد مواقع مقاتلي العدو، أو حتى البحث عن غواصات وتدميرها باستخدام أساليب انتحارية (كاميكازي)، لدرجة أنه جرى التكهن بأن الدلافين قد استُخدمت لحمل السهام السامة وأجهزة التشويش بالسونار، غير أن البحرية تنفي أنها درّبت ثديياتها البحرية لإصابة البشر أو حمل أسلحة قادرة على تدمير السفن، كما تقول صحيفة "نيويورك تايمز" إنه من السهل العثور على شائعات في جميع أنحاء الإنترنت، مثل ربط الدلافين برؤوس حربية نووية للقيام بمهمات انتحارية، لكن هذا لم يحدث أبداً.

المزيد من تقارير