Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بطلة هدى عمران المعزولة تتلصص على أسرار الآخرين

"حشيش سمك برتقال" رواية البحث عن عالم يليق بالحياة اليومية

لوحة للرسامة المصرية رباب نمر (صفحة الرسامة فيسبوك)

هدى عمران شاعرة مصرية مبدعة صدر لها من قبل ديوان "ساذج وسنتمنتالي"، وها هي تجربتها الأولى في الكتابة الروائية "حشيش سمك برتقال" (دار الساقي). ولا شك أن كونها شاعرة قد ترك أثره على لغتها الروائية التى اتسمت بالإيجاز والتكثيف والانتقالات المكانية السريعة المتتابعة، وكأنها تلهث خلف شيء لا تستطيع تحديده أو الوصول إليه. وهي حالة شعرية أكثر منها سردية. فهي تعتمد التجريد – بدرجة ما – في إهدائها الرواية: "إلى كل الأيام التي تمر". ثم تبدأ في الدخول المباشر إلى الحدث حين تقول: "مرَّ اللقاء سريعاً. بكلمات مقتضبة شرحت المرأة شكل المساحات وحدودها داخل البيت: "هذه مساحتي وهذه مساحتك وانتهينا"؛ من دون أن نعرف مَن هي هذه المرأة التي ظلت غريبة الأطوار، كثيرة الصمت على مدار الرواية. ومع تطور السرد نعلم أنها صاحبة السكن التي لجأت إليها الساردة لاستئجار إحدى غرفتي شقتها. هذه الساردة التي تعاني من العَوَز بعد طردها من العمل فى إحدى الصحف فلجأت إلى صديقتها التي طردتها تقريباً من بيتها. فكرت في أن تقيم في بيت للمغتربات، لكنها في النهاية استقرت في شقة هذه المرأة الغريبة داخل بيت مكون من ستة طوابق تصفه الساردة بقولها: "النزول على سلالم هذا البيت يشبه الدخول إلى متاهة. هناك ستة طوابق وهذه الشقة أعلى نقطة فيهم. كل شيء هنا مجهز ليصبح أسود ومظلماً كأنه ليل بلا انتهاء".

البحث عن الحب  

وإذا كان المكان مجازاً مرسلاً في علاقته بصاحبه، فإن هذا يتضح – تماماً – في الوصف السابق حيث يبدو المكان أقرب إلى المتاهة التى يلفها الظلام. وهو ما يتوازى مع طبيعة المرأة الغامضة التي اضطرت الساردة إلى التلصص عليها لكشف أسرارها. والحقيقة أن هذا الغموض سمة تشمل شخصيات الرواية جميعها وآية ذلك الإشارة إلى الشخصيات بالصفة لا بالاسم من قبيل: امرأة السكن، بائع التحف، البيضاء، السمراء، أبو شامة، الجارة البدينة... وسط هذه المتاهة التي تستشعرها الساردة، تظل في بحث دائم عن الحب، حتى أنها تربط بينه – بصورة هزلية – وبين السير جوار "السمك" الذي يذكرها بصورة القُبلة المتحركة على "فيسبوك" التي حوَّلها أصحابها إلى ثعابين بحر.

تقول لنفسها بصيغة المونولوغ الذي يعكس رغبتها في الحب: "ما الذي سيحدث إذا أكلتُ هذه الثعابين، هل سألمس هذا الحب؟ أم أنني سأقع في الغرام المستحيل طوال حياتي هذه؟". لكنها لا تعثر على الحب ويظل الفراغ ملازماً لها. هذا الفراغ الذي يدفعها نحو تهيؤات غريبة فترى المرأة "تتحرك بخطوات ثابتة نحو الفراغ الفسيح الذي يبتلعها ويحولها إلى سمكة طائرة". أو تراها – وسط الظلام الذي يغطي البيت – مثل "ثعلب أسود قاتم". هناك – إذن – إطلاق للخيال، وهو صفة شعرية في الأساس تؤكدها التعبيرات المجازية المكثفة وتقنية المونولوغ حين تقول مثلاً: "هل كانت تعرف المرأة ما كنتُ أفكر فيه تحديداً وأنا أنظر إلى وجهها الغريب؟".

لغة تداولية

هو مونولوغ يقترب من لغة الساردة التداولية فتأتي بالفعل "تعرف" بعد الفعل الناسخ "كانت". والمعتاد أن نقول: "هل كانت المرأة تعرف ما كنتُ أفكر فيه؟". لكن يبدو أن الساردة تكتب كما تفكر أو أن كتابتها ترجمة لتداعي المعاني داخلها؛ ليس هناك رقيب عقلي أو حتى اجتماعي ثقافي على الكتابة. ولا شك أن هذا أحد تفسيرات استخدامها لبعض العبارات الصادمة، وهو ما يمنح كتابة هدى عمران خصوصيتها وحيويتها وجمالها. إن الساردة تعتمد على الحدس والإحساس بما حولها ومَن حولها، وأحياناً كثيرة يتم هذا قبل الفهم المباشر. ومن ذلك إحساسها بإحدى الأغنيات الفرنسية قبل أن تدرك معاني كلماتها، بل تماهيها مع المغنية حين تتخيَّل أن "هذه الأغنية تحكي عن امرأة تعيش بمفردها وتحب الذهاب إلى السوق وأكل البرتقال". إلى هنا فإن الساردة تتخذ من المغنية مجرد قناع مباشر لذاتها ثم تبدأ الحكاية في التحول عبر الخيال فتضيف أن هذه المغنية "لديها كلبٌ يدعى نوني. ونوني يحب الخروج في الشمس وعندما تعلو الموسيقى أفهم أن هناك تحولاً درامياً حدث. لقد تاه كلبها في السوق وهي ظلت تبحث عنه حتى الليل. وعندما عادت حزينة إلى البيت وجدته هناك".

رمزية البرتقال

يمكننا القول إن القناع – هنا – يبدو غير مباشر وفي حاجة للتأويل. فالكلب الضائع رمز للوفاء وتظل المغنية والساردة في بحث عنه من دون أن يعثرا عليه إلا في البيت. هل هذا سبب مأساة الساردة التي ظلت مفتقدة لهذا البيت الذي تشعر فيه بالوفاء والذي ظلت في بحث دائم عنه؟ ويتكرر دال "البرتقال" كثيراً في الرواية. وربما رجع هذا – بغض النظر عن رؤية الكاتبة – إلى أنه يمثل – في بعض العقائد المصرية القديمة – تمثيلاً رمزياً للبراءة والتطهر من الذنب. واللافت أن الكاتبة – في بعض المواضع – تقوم بما يسمى لعبة "البازل"؛ حين ظلت لفترة تستعيد شكل المرأة صاحبة السكن وتركيبها في صوت المغنية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكنها تتراجع عن هذا؛ لأن المغنية – كما تقول – لا يمكن أن تكون بكل هذا البرود الذي تتصف به تلك المرأة. وإذا كانت الساردة قد خلقت قصة حول الأغنية فإنها تقوم – في موضع آخر – بتعديلها من خلال اللعب الحر للخيال، فيصبح "نوني" حبيبها الذي لا يشتري البرتقال لكنها تحبه. وهي تسرد هذا التعديل بأسلوب الحكي الشعبي البسيط الذي يعتمد على الجمل الخبرية البسيطة السريعة حين تقول: "هذه المرأة واقعة في الحب وهذا الحب يعذبها وهي خرجت إلى السوق لتشتري برتقالاً لحبيبها، وحبيبها يدعى نوني، وهذا النوني لا يفكر في شراء برتقال لها؛ لذلك فهي حزينة، لكنها لا تملك إلا أن تحبه".

تفعيل السمع والإبصار

وبقدر ما أن هناك توسيعاً للخيال نجد محاولات توسيع للمكان الذي تتحرك فيه الساردة والذي يشمل: "بيت المرأة، دكان بائع التحف وبيته الملحق به، بيت الشباب الذين تعرَّفت إليهم، بيت الجارة البدينة، السوق". وهي كلها أماكن مغلقة بل أحياناً ما تبدو أقرب إلى الأماكن السرية كما في بيت بائع التحف. كما نجد – في مقابل الخيال تفعيلاً دائماً لحاستي السمع والإبصار. تقول مثلاً: "أنسحب مع الحزن الذي يسيل من الصوت. أدقق فيه لأفهم لماذا المغنية حزينة بهذا القدر؟". كما تظهر حاسة الإبصار في ما يعرف بالوصف التقريري المحايد الذي لا تخلع الساردة مشاعرها عليه حين تقول: "في غرفتي سريران؛ واحد يقطع الآخر. هذا الآخر فوقه نافذة والنافذة تطل على باحة صغيرة والباحة فيها دكاكين قديمة". غير أن هذه الغرفة سرعان ما تأخذ صورة فانتازية كما يبدو في قولها: "شعرتُ بالغرابة من تفكيري ومن هواجسي عن موتها - صاحبة السكن - وشعرتُ بألم في معدتي. كان الموقف متوتراً والغرفة مظلمة وسقفها يمتد إلى أعلى. يمتد كأنه سينفصل عن البيت أو أنه سيأخذ البيت معه ويطير". ولا شك أن الوحدة التي تعاني منها هي التي تقف وراء هذه الهواجس؛ حتى وصل الأمر إلى شعورها بأن العالم الذي تبنيه سوف يتهدم فوقها.

وفي دكان بائع التحف ترى تمثالاً دالاً على العزلة التي تعانيها والتي تجعلها تعيش داخلها أكثر مما تعيش واقعها. لهذا جاء التمثال على صورة "واحد يضع يديه على عينيه وآخر يضع يديه على أذنيه وواحد يضع يديه على فمه".

الشعور بالعجز

والحق أنها قاومت هذه العزلة بمحاولة اكتشاف عوالم الآخرين وأسرارهم كما في اقتحامها غرفة صاحبة السكن وبيت بائع التحف وشقة الجارة البدينة التي ما إن رأت ثقباً صغيراً أسفل الزجاج حتى وضعت عينيها عليه لترى ما في الداخل. فهناك دائماً رغبة في الفعل من دون القدرة على القيام به، وهو ما أشعرها بالعجز. فهي مثلاً تتخيل مواجهة المرأة، بينما المرأة غير مدركة لوجودها في الأساس. تقول: "عندما سمعت صوت رجليها تبتعدان فتحت عيني لأجد نفسي في بقعتي المظلمة مثنية الظهر إلى الأمام... مددتُ رأسي لأراها. كانت تسير في اتجاهها غير مدركة لوجودي". وتعاودها التهيؤات حين لم تستطع إبعاد صورة الكلب وكانت تتخيله وهي تنقض عليه وتمتطيه وتمسك رقبته بين أسنانها حتى شعرت بأن بقع الدم سوف تغرقها. وتتمدد إلى الشارع والسوق حتى يكنس الدم كل شيء كأنها البشارة بثورة يناير (كانون الثاني) 2011 أو الإشارة إليها والتي لم يأت ذكرها فى الرواية إلا في جملة واحدة. فالساردة مهتمة بمسبباتها وتوابعها لا أحداثها المباشرة. وهناك أيضاً الإشارة إلى فن "الغرافيت" المعبر عن الثورة حيث تلمح عيوناً كثيرة مرسومة على الجدار مكوَّمة في سلة: "ويسيل منها اللون الأحمر. دم مجازي يسيل منها ويسقط على الأرض جوار قدم ضخمة مبتورة". ولعل فقدان الساردة لصوتها تعبير آخر عن هذا الوضع المأساوي الذي يشير إليه الاقتباس السابق. وهو ما يجعلها تحلم حلماً متكرراً بالطيران بوصفه رغبة في الانعتاق من الواقع بعجزه ويأسه ووحدته.

المزيد من ثقافة