Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مجلس الأمن أكثر حزما حيال "الاستخفاف" اللبناني بقراراته

دول مشاركة في "يونيفيل" غاضبة من توالي الاعتداءات على قواتها في الجنوب

غضب في مجلس الأمن لاستمرار الحوادث التي تهدف لإعاقة عمل قوات "يونيفيل" بجنوب لبنان (رويترز)

لا يمر يوم من دون حصول تحرك جديد للأطراف الدولية التي تراقب الوضع اللبناني فتتوالى المواقف من الأحداث فيه وتتكثف زيارات الموفدين إليه، لمعاينة أوضاعه، فيما سفراء الدول الكبرى يتابعون أدق تفاصيل السياسة اليومية فيه.

بعد الورقة الكويتية التي تضمنت البنود الخليجية الـ 12 التي تناولت المأزق بما هو أبعد من معالجة الأزمة الخليجية اللبنانية ودور "حزب الله" وتدخلاته ضد هذه الدول، والتي حمل الجانب اللبناني جوابه عليها، زار أمين سر العلاقات مع الدول في الفاتيكان المطران بول ريتشارد غالاغر بيروت والتقى كبار المسؤولين والقادة الروحيين وبعض المجموعات الشبابية المنبثقة من احتجاجات 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 ضد الطبقة الحاكمة، جاء البيان الرئاسي لمجلس الأمن في 4 فبراير (شباط) ليعلن موقفاً بلهجة وصفت بأنها "حازمة"، وتناولت معظم القضايا الحساسة التي تشكل عناوين المعضلة اللبنانية.

الغضب من التعرض لـ"يونيفيل" 

فبيان مجلس الأمن كرر التطرق إلى عناوين الأزمة مع شيء من الغضب سببه استمرار الحوادث التي تهدف إلى إعاقة عمل قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام المرابطة في جنوب لبنان وفقاً للقرار الدولي الرقم 1701 من قبل مناصري "حزب الله". إذ إن دوريات "يونيفيل" تعرضت لأربعة اعتداءات خلال أقل من 33 يوماً بين أواخر ديسمبر (كانون الأول) وأواخر يناير (كانون الثاني) أدت إلى تكسير آليات جنود القبعات الزرق، وإلى جرح بعضهم جراء رشقهم بالحجارة وضربهم من قبل "الأهالي" (وهو التعبير الذي يستخدمه الإعلام الموالي للحزب) بحجة دخول دورياتهم أحياء آهلة بالسكان في سياق تحركاتها الروتينية، بحثاً عن مخالفات للقرار الدولي ومنها احتمال وجود أسلحة مخزنة في بعض القرى لمصلحة الحزب أو غيره يحظر القرار 1701 وجودها في جنوب نهر الليطاني.

وإذ شدد مجلس الأمن على حاجة لبنان إلى اعتماد موازنة مناسبة لعام 2022 بسرعة، وتنفيذ إصلاحات ملموسة، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة في موعدها، مؤكداً حاجة جميع الأطراف إلى ضمان سلامة وحرية حركة "يونيفيل"، فإن فقرات البيان خضعت لنقاش طويل بين الدول الأعضاء حول صياغته. وعلمت "اندبندنت عربية" أن المسودة الأصلية للبيان الذي يصدره رئيس المجلس ويحتاج لإجماع أعضائه الـ15 تضمنت عبارات قوية جرى تخفيفها نتيجة المشاورات بين هؤلاء الأعضاء، وبتدخل من المندوب الروسي في شأن بعضها وبسعي من الجانب الفرنسي في بعضها الآخر.

تحفظ فرنسي على "الإيجابية"

الفقرة الأولى من البيان نصت على أن أعضاء المجلس "أخذوا علماً بشكل إيجابي" باجتماع مجلس الوزراء اللبناني في 24 يناير، وشددوا على ضرورة الاستئناف السريع لاجتماعاته العادية"، في إشارة إلى عودة "الثنائي الشيعي" عن مقاطعة جلسات الحكومة منذ 12 أكتوبر الماضي نتيجة شروط "حزب الله" وحركة "أمل" بالحد من صلاحيات المحقق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار في ملاحقة الوزراء السابقين الذين يتهمهم بأن إهمالهم وجود نيترات الأمونيوم في المرفأ تسبب بحصول الانفجار. وأوضحت مصادر دبلوماسية أجنبية أن الجانب الفرنسي الذي يتبع عادة سياسة متساهلة حيال لبنان، تحفظ بداية على اعتماد كلمة "إيجابي" في وصف معاودة الحكومة اجتماعاتها، معتبراً، مع ممثلي دول أخرى، أن الحكومة لم تقم حتى الآن بأي إنجاز أو خطوة من الإجراءات المطلوبة منها من أجل تلبية مطالب المجتمع الدولي بالإصلاحات، بالتالي لا موجب للحديث عن الإيجابية في نشاطها. إلا أن المندوب الروسي نصح بتلقف عودة الحكومة إلى الاجتماع للتشجيع على مواصلة نشاطها بعد تعطيل وعرقلة، خصوصاً أن فقرات البيان الأخرى متشددة، وحتى لا تقتصر لهجة البيان على "الإملاء" على السلطات اللبنانية.

المطالبة بـ "السرعة" والشعور بالاستهزاء

أما الفقرة الثانية فقد اتفق أعضاء المجلس على صياغتها بطريقة حازمة نتيجة إصرار عدد من الدول الأعضاء على ضرورة تنبيه المسؤولين اللبنانيين إلى أنهم أخلّوا بواجباتهم، في مواجهة الأزمة الاقتصادية المالية التي يرزح تحتها البلد، وضرورة أن يأخذ حثهم على ذلك طابع العجلة. نصت الفقرة على أنه "بما أن اللبنانيين يواجهون احتياجات ماسة وقد عبّروا عن تطلعات مشروعة للإصلاح والانتخابات والعدالة يحث أعضاء المجلس الحكومة على اتخاذ قرارات سريعة وفعّالة للشروع بالإجراءات، بما في ذلك الاعتماد السريع لميزانية مناسبة لعام 2022 الذي من شأنه أن يمكن من الإسراع في إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي". والنص على السرعة ثلاث مرات في هذه الفقرة يعبر، بحسب قول المصدر الدبلوماسي الأجنبي عن حالة من "السأم" لدى المجتمع الدولي من تلكؤ النخبة الحاكمة في الإقدام على الإصلاحات التي مضت سنوات وهم يعدون بتنفيذها. ويلفت المصدر إلى أن هناك شعوراً لدى بعض الدول الأعضاء أن هناك استهزاء من قبل السلطات الحاكمة في لبنان حيال طلبات المجتمع الدولي الإصلاحية. وفي هذا السياق أكد البيان "إلحاح الحاجة إلى تنفيذ الإصلاحات المحددة مسبقاً وأن تكون ملموسة وضرورية لمساعدة الشعب اللبناني. كما شددوا على أهمية تنفيذ تلك الإصلاحات من أجل ضمان الدعم الدولي الفعّال". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

استباق التكهنات بتأجيل الانتخابات

وتزامن اجتماع مجلس الأمن مع تصاعد التكهنات والمخاوف من عودة نغمة تأجيل الانتخابات النيابية المقررة في 15 مايو (أيار) المقبل، بحجج مختلفة، بعد تلويح "التيار الوطني الحر" الذي يرأسه صهر رئيس الجمهورية النائب جبران باسيل بتقديم تعديل لقانون الانتخاب يقضي بتعيين 6 نواب جدد للاغتراب، كان سبق للبرلمان أن ألغاه، وبعد الحديث عن إمكان حصول مقاطعة من الطائفة السنية لهذه الانتخابات بفعل إعلان زعيم تيار "المستقبل" سعد الحريري عزوفه عن الترشح مع تياره فيها. وإضافة إلى أن أعضاء مجلس الأمن خصصوا فقرة في بيانهم شددت "على أهمية إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة وشاملة وفق موعدها المقرر، وضمان المشاركة الكاملة والمتساوية والهادفة للمرأة"، كان لافتاً أن يتناولوا أحد الإجراءات العملانية للعملية الانتخابية، التي يخشى من أن يؤدي التقصير في إنفاذه إلى الطعن بالانتخابات، فدعوا الحكومة إلى "تمكين لجنة الإشراف على الانتخابات من تنفيذ ولايتها، لا سيّما من خلال تزويدها بالموارد الكافية والبدء في عملية تسمية المرشحين". وكانت دول أعضاء والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة تبرعت بأموال لوزارة الداخلية لسد النقص في التمويل الذي شكت منه بسبب العجز المالي الكبير الذي تعاني منه الخزينة، بهدف تغطية جزء من نفقات العملية الانتخابية. وينتظر أن تتبرع جهات دولية بمزيد من الأموال لهذا الغرض.

وعكست تصريحات السفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا في 7 فبراير لـ"رويترز" بأن "لا مجال للمناورة في شأن إجراء الانتخابات في موعدها في 15 مايو"، مستشهدة ببيان مجلس الأمن. فالبعثات الدبلوماسية الغربية في بيروت تراهن على تغيير في تركيبة البرلمان المقبل، من خلال المجموعات التي حركت احتجاجات 17 أكتوبر 2019، لعل قيام تكتل تغييري يدفع باتجاه أكثرية جديدة تقلّص نفوذ "حزب الله" وتحد من قوة الطبقة السياسية التقليدية المتهم معظم رموزها بحماية الفساد. 

سخط على الاعتداءات ضد "يونيفيل"

لكن الفقرة الأهم التي أخذت حيزاً من المداولات في اتصالات أعضاء مجلس الأمن هي المتعلقة بالاعتداءات الأربعة التي تعرضت لها دوريات قوات "يونيفيل" على مدى شهر واحد تقريباً، والتي تعاملت معها أوساط قيادتها في لبنان على أنها متعمدة على الرغم من وصفها في وسائل الإعلام اللبنانية على أنها "احتجاج من الأهالي" على توغل دورياتها في أحياء بعض القرى، لتغطية محاولات إعاقة عملها في التفتيش عن مخازن أسلحة. وكانت اجتماعات مجلس الأمن في كل سنة من أجل تجديد ولاية القوات في جنوب لبنان، شهدت مواقف حادة من قبل بعض الدول ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، تطالب بأن تكون القوات الدولية فعالة أكثر في منع وصول أسلحة إلى "حزب الله" في منطقة عملياتها، تحت طائلة المطالبة بخفض قيمة تمويلها وعديدها. كما طالبت واشنطن بتضمين قرارات التجديد تغييراً في صلاحيات هذه القوات بحيث تكون قادرة على تفتيش المنازل والقرى، حيث تشتبه بوجود أسلحة. وحصلت تسوية في السنوات السابقة قضت بتضمين قرارات التجديد التأكيد على حرية حركة "يونيفيل" من دون أن يواكبها الجيش اللبناني إذا وجدت ضرورة لذلك وأن تكتفي بإبلاغه بتحرك دورياتها بدل انتظار مواكبته لهذه الدوريات. وسعت قيادة "يونيفيل" إلى اختبار مدى انسجام السلطات اللبنانية مع هذا التوجه على أرض الميدان، فجوبهت الدوريات باعتداءات شملت تكسير آليات واحتجاز كاميرات للجنود الدوليين. وحصل ذلك أخيراً مع جنود من الكتيبة الهندية والفنلندية والفرنسية والإيرلندية.

التحقيقات الموعودة تثير دولاً أعضاء

تضمنت مسودة بيان مجلس الأمن استنكاراً وإدانة للتعرض لدوريات القبعات الزرق والاعتداءات عليها، لكن توافقاً روسياً وفرنسياً سعى إلى التخفيف منها من أجل الاكتفاء في النص النهائي للبيان، بوصفها "حوادث" وإبداء "الأسف" لحصولها بعد تعداد تواريخها بهدف عدم استفزاز "الأهالي" الموالين لـ"حزب الله". لكن البيان انتهى إلى التأكيد على "ضرورة أن تضمن جميع الأطراف سلامة وأمن أفراد يونيفيل واحترام حريتهم في الحركة بشكل كامل ومن دون عوائق".

وكما دعا أعضاء مجلس الأمن "السلطات اللبنانية إلى التحقيق في جميع الهجمات على اليونيفيل وأفرادها، وتقديم مرتكبي تلك الحوادث للعدالة وفق القانون اللبناني وبما يتماشى مع قرار مجلس الأمن 2589". ومسألة التحقيق في الاعتداءات على "يونيفيل" سبق أن تسببت بموقف دولي سلبي من السلطات اللبنانية وحتى من قيادة الجيش اللبناني، لأن اعتداءات سابقة حصلت من دون التوصل إلى نتائج في التحقيقات التي وعد الجيش اللبناني القيام بها في الحوادث التي حصلت بين "الأهالي" والقوات الدولية. وتضمنت تقارير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الدورية لمجلس الأمن أكثر من مرة في السنوات السابقة، إشارة إلى أن قيادة القوات الدولية لم تحصل على نتائج التحقيقات الموعودة، وأنها ما زالت تنتظرها. كما أن الاعتداء الذي وقع على الكتيبة الإيرلندية في 22 ديسمبر الماضي وقع بعد ساعات قليلة من انتهاء زيارة "التضامن مع لبنان" التي قام بها غوتيريش في ذلك الحين. 

وانعكس تلكؤ السلطات اللبنانية على موقف بعض الدول المشاركة في "يونيفيل" التي تعرض بعض جنودها لاعتداءات، وهي في الوقت نفسه تتمتع بعضوية مجلس الأمن حالياً، مثل الهند وإيرلندا وكينيا وأستونيا والصين وفرنسا. وأبدت البرازيل التي تشارك كتيبة منها في يونيفيل تشدداً في التعاطي مع تساهل السلطات اللبنانية حيال الاعتداءات، على الرغم من أنها ليست عضواً في مجلس الأمن لهذه الدورة. ولذلك انتهى البيان إلى النص على "دعوة السلطات اللبنانية إلى التحقيق في جميع الهجمات على اليونيفيل وأفرادها، وتقديم مرتكبي تلك الحوادث للعدالة وفق القانون اللبناني وبما يتماشى مع قرار مجلس الأمن 2589".

وأوضح المصدر الدبلوماسي الأجنبي الذي تحدثت إليه "اندبندنت عربية" أن عدم وفاء السلطات اللبنانية بوعدها إجراء التحقيقات اللازمة ومحاسبة المعتدين "ستكون له مفاعيل على مواقف بعض الدول التي أخذ صبرها ينفد".

وتضمن بيان مجلس الأمن فقرتين أخيرتين ترددتا في تصريحات ومواقف تحركات موفدين دوليين وعرب في الآونة الأخيرة ولا سيما الورقة الكويتية- الخليجية، والبيان الفرنسي- السعودي الشهير في 4 ديسمبر الماضي... وهما دعم "استقلال لبنان استناداً إلى القرارات الدولية 1701، 1680، 1559 و2591 "، وضرورة تطبيق سياسة "النأي بالنفس عن أي نزاعات خارجية والتزام إعلان بعبدا الصادر عام 2012". وهو الأمر الذي عبر عنه الموفد الفاتيكاني غالاغر على طريقته، بضرورة أن يأخذ اللبنانيون أمورهم بيدهم "من دون تدخل خارجي". 

وفيما بات التشديد على "تحقيق مستقل وشفاف" في انفجار مرفأ بيروت لازمة في موقف الأمم المتحدة، يتوقع الدبلوماسي الأجنبي نفسه أن تشهد لغة مجلس الأمن تغييراً تدريجياً، مشيراً إلى أن للبيان الأخير بلهجته الحازمة، دلالة لأن روسيا والصين وافقتا عليه.

المزيد من تقارير