Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جولة داخل مرافق الاختبار السريّة في آبل حيث تتشكّل دفاعات آيفون على حرارة 40 تحت الصفر

في نظرةٍ هي الأولى من نوعها على عمل الخصوصية والأمن في الشركة برزت الانتقادات بأنّ مقاربتها تحدّ من الميزات وتجعلها متوفّرة للأغنياء وحسب

السيليكون الذي سيشغّل هواتف آيفون وغيرها من منتجات آبل في المستقبل- تخضع لأكثر عملٍ مضنٍ ومكثّف في حياتها الشابة والسرية (أ.ف.ب)

في غرفةٍ ضخمة في مكانٍ ما قرب الحرم الجديد المتلالىء لشركة آبل، تقوم الآلات بتسخين الرقاقات وتبريدها ودفعها وصدمها، بعبارةٍ أخرى تسيء معاملتها. فهذه الرقاقات - أي السيليكون الذي سيشغّل هواتف آيفون وغيرها من منتجات آبل في المستقبل- تخضع لأكثر عملٍ مضنٍ ومكثّف في حياتها الشابة والسرية. عبر الغرفة، تجدون مئات اللوحات الكهربائية التي وُصلت بها هذه الرقاقات -مئات اللوحات هذه موضوعة بدورها في مئات العلب حيث تجري تلك العمليات المضنية.

تُختبر هذه الرقاقات هنا لمعرفة إن كان بوسعها الصمود أمام أيّ اعتداءٍ قد يجرّبه أحد عليها أثناء خروجها إلى العالم. في حال نجاحها هنا، فهي قادرة على النجاح في أيّ مكانٍ آخر. وهذا أمر مهمّ لأنّها إن فشلت في العالم الخارجي فستفشل آبل معها. وتشكّل هذه الرقاقات خطّ الدفاع العظيم في المعركة التي لا تتوقّف آبل أبداً عن خوضها في محاولتها إبقاء بيانات المستخدمين سريّة.

إنّها معركة تُخاض على جبهاتٍ متعددة: ضدّ الحكومات التي تريد قراءة البيانات الشخصية للمستخدمين وضدّ المقرصنين الذين يحاولون الولوج إلى الأجهزة بالنيابة عن المستخدمين ويقتحمونها وضدّ الشركات الأخرى التي حاجمت سياسات الخصوصية الصارمة التي تتبعها آبل. كان يعني هذا محاسبةً سواء على امتناعها عن توفير معلومات تقول الحكومة الأميركية إنها قد تكون أسهمت في محاربة الإرهاب- أو على إصرارها على الاستمرار  في العمل بالصين على الرغم من القوانين التي تجبرها على تخزين بيانات الزبائن على أنظمة تمنح حكومة البلاد حقّ الولوج غير المحدود تقريباً.

ورأى المنتقدون أنّ المقاربة دلّت على أنّ آبل شديدة الانشغال بالخصوصية على نحو يحدّ من وظائفها. ويقولون إن اختبارات الخصوصية لم تكن في المتناول لولا ثروتها الهائلة -أي المال الذي تجنيه من العلاوة التي تتقاضاها عن منتجاتها، حارمة من فوائدها -في الواقع- أولئك غير القادرين على الدفع.

لكن الشركة تقول إنّ معركة من هذا القبيل ضرورية، وتتحجج بكون الخصوصية حقّا إنسانيا يتوجّب التمسّك به حتّى في وجه التقريع والصعوبات.

حرمة الخصوصية، عند الشركة، مشكلة تقنية ذات صلة بنهج داخلي. وتتعلل آبل بأنّ حماية خصوصيّة البيانات هي من بين العناصر المركزيّة في ما تعمل وبأنها تُنشئ منتجاتها بحيث تجسّد هذه المبادىء.

يبدأ هذا من أول عملية التصنيع. وغالباً ما يتحدّث موظّفو آبل عن مبدأ "الخصوصية بالتصميم" ويعني أنّ إبقاء البيانات بأمان هو أمر يجب التفكير فيه في كلّ خطوة من عملية التصميم الهندسي ويتوجّب تشفيره في كلّ جزء منها.  وبمثل الأهمية فكرة "الخصوصية بالافتراض" بمعنى أنّ آبل تفترض دائماً أن البيانات لا ينبغي أن تجمع إلا إذا مست الحاجة إلى ذلك.

في هذا الإطار، يقول كريغ فيديرجي، نائب رئيس شركة آبل للهندسة البرمجية: "بوسعي أن أقول لكم أنّ اعتبارات الخصوصية تكمن في بداية العملية وليس في نهايتها. عندما نتحدّث عن بناء المنتج، فإنّ أوّل سؤال يتبادر إلى أذهاننا هو: كيف سنتولّى بيانات هذا الزبون؟" ويتحدّث فيديرجي - بينما يجلس في حرم آبل بارك Apple Park الجديد المذهل- إلى الاندبندنت بشأن التزام شركته بالخصوصية ويشرح مكانتها في صلب قيم الشركة حتّى عندما ينظر إليها العديد من الزبناء بلامبالاة أو حتّى بازدراءٍ تام.

مبادىء آبل للخصوصية بسيطة: الشركة لا تريد أن تعرف أيّ شيء لا تحتاجه عنكم. فهي لا ترغب، حسبما يقول فيديرجي، في جمع البيانات لإنتاج ملفّ شخصي ترويجي لمستخدميها.

ويضيف قائلاً: "ليس لدينا أيّ مصلحة كشركة في معرفة كلّ شيء يتعلّق بكم، لا نودّ معرفة كلّ ما يتعلّق بكم، نعتقد أنّ على جهازكم أن يتماهى لكم. يقع هذا ضمن سيطرتكم، ولا يتعلّق بمعرفة آبل معلومات عنكم، فليس لدينا أيّ دافع لعمل ذلك. وأخلاقياً، لا رغبة لدينا لعمله. وهذا موقف مختلف جوهريّا عمّا تفكّر فيه العديد من الشركات الأخرى."

وليست الرقاقات التي تعصف داخل هذه العلب الغريبة سوى جزء من هذه المهمّة. ففي داخلها يتربع أحد أكبر إنجازات آبل وأكثرها فخراً: "المعقل الآمن" Secure Enclave.

هذا المعقل يعمل عمل ما قد يشبه قدس الاقداس الداخلي، إنه قسم من الهاتف يخزّن أكثر المعلومات حساسيّة وهو مزوّد بكلّ المزايا المأمونة المطلوبة لإنجاز ذلك.

جاء هذا المعقل الآمن مع جهاز آيفون 5أس iPhone 5s وخضع لعدّة تحسينات كلّ عام، وهو عملياً جزء منفصل من الهاتف، بقيودٍ محددة  عما يستطيع ولوجه ومتى. إنه يحتوي معلومات خطيرة من قبيل المفاتيح التي تغلق البيانات البيومترية التي يستخدمها الهاتف للتحقّق من بصمة إصبعكم لدى تثبيته على المستشعر Sensor، وتلك التي تقفل الرسائل حتى لا يقرؤها سوى المتراسلين.

ينبغي الحفاظ على هذه المفاتيح في مأمن إذا ما أُريدَ للهاتف أن يظل مأمونا: فالبيانات البيومترية تضمن ألا يطّلع على ما في داخل الهاتف سوى مالكه. وفي حين انتابت آبل مخاوف من تعرض طرفي هذه العملية لخطرٍ – من قبيل افتراض، فُنِّد، أن يُموَّه على وظيفة التعرّف على الوجه Face ID بالدمى- قال خبراء الأمن الإلكتروني أنّ مقاربتها نجحت.

ويقول كريس بويد مُحلل البرمجيات الخبيثة في شركة مالويربايتس  Malwarebytes: "البيانات البيومترية ليست مثالية بشهادة أولئك الذين ينشرون حلولاً ذكية على الانترنت لتأمين تسجيلات الدخول المفترضة. ولكن، لم ينشأ ما قد يُثير مخاوف عظمى منذ إدخال آبل الـ’معقل الآمن‘ ولقد كان إصدار مفتاح فك تشفير البرامج الثابتة للمعقل الآمن في جهاز آيفون 5أس عام 2015 أمراً مبالغاً فيه على نحو كبير."

لاجدال في هذا المبدأ النبيل. فمن ذا يُريد مشاطرة معلوماته سهوا؟ لكن، كما قال ستيف جوبز، التصميم هو كيف يعمل هذا التصميم؛ والجهاز مأمون بقدر ما هو مأمون في التطبيق العملي.

لذا فهدف اختبار التحمل لدى الرقاقات  هو معرفة ما إذا كانت تسيء التصرّف وقت الشدة -  وإذا ما فعلت، ضمانُ أن يحدث ذلك داخل هذا المختبر وليس داخل هواتف المستخدمين. فأي ضرب من سوء التصرّف قد يكون مهلكا للجهاز.

قد يبدو من غير المحتمل أن تخضع الهواتف لمثل هذه الوطأة، أخذا بالاعتبار احتمال وجود مالكيه في ظروف تبرّدها إلى -40 درجة مئوية أو تُحمِّيها حتى 110 درجة مئوية. ولكن الخوف هنا ليس عادياً على الإطلاق. فإذا تبيّن أن الرقائق غير آمنة تحت هذا النوع من الضغط، فإن عملاء السوء سيباشرون على الفور وضعها في مثل تلك الظروف لاستصفاء ما تخزنه من بيانات.

 وإذا ما وُجد خطأ كهذا بعد وصول الهواتف إلى الزبائن، فلن يكون ثمة ما تستطيع آبل  عمله. إذ ليس بالإمكان تبديل الرقاقات بعد أن تكون الهواتف بين أيادي الناس، عكس البرمجيات التي يمكن تحديثها. ولهذا تبحث الشركة عن أيّ مخاطر محتملة داخل هذه الغرفة، بتغيير الرقاقات وتعديلها لضمان قدرتها على التصدي  لكل ما تُقذف به.

تصل الرقاقات إلى هنا قبل سنواتٍ من دخولها هذه الغرفة، فقد يستغرق السيليكون داخل العلب سنواتٍ أخرى ما بين إنتاجه ووصوله إلى أيدي المستخدمين. (ثمة تدوينات عن أي نوع من الرقاقات هذه ولكن هنالك ملصقاتٍ صغيرة وُضعت في فوقها لمنعنا من قراءتها.)

في نهاية المطاف، ستجد طريقها إلى أجهزة آيفون وحواسيب ماك Mac وساعات آبل وأجهزة حوسبية مترفة أخرى قد تطرحها الشركة في الأسواق في المستقبل. وقد استثار ارتفاع كلفة هذه المنتجات بعض اللوم لدى منافسي آبل الذين قالوا إنّها ثمن الخصوصية؛ وإنّ آبل مرتاحة إلى الحديث عن الكمية المحدودة من البيانات التي تجمعها، ولكنّها لاتستطيع ذلك إلا بفضل الأقساط الضخمة التي تستحوذها. كانت تلك الحجّة التي استخدمها مؤخراً المدير التنفيذي في غوغل ساندر بيتشاي في مناوشاتٍ بين شركات التكنولوجيا بشأن الخصوصية.

"لا ينبغي للخصوصية أن تكون سلعة ترف تُعرض على من يستطيع شراء المنتجات والخدمات الممتازة،" وفق ما كتب بيتشاي في مقال رأيٍ في صحيفة نيويورك تايمز. لم يذكر بيتشاي آبل بالاسم، لكنّه لم يكن  في حاجة إلى ذلك.

وتحجج بيتشاي بأنّ جمع البيانات يساعد في جعل التكنولوجيا في المتناول. ومن شأن تبنّي مقاربة متساهلة بشأن الخصوصية أن يساهم في جعل المنتجات التي تصنعها جل الشركات التكنولوجية الكبرى - من غوغل إلى انستغرام- مجانية، على الأقل حين الاستخدام.

"أنا غير مقتنع بالتلميح إلى السلع الفارهة،" صرح فيديرجي الذي بدا عليه أنّه بوغت حقا بالهجوم العلني.

 "فمن جهة، إنّه أمر مفرح أن تحدث شركات أخرى في هذا المجال، خلال الأشهر القليلة الماضية، كثيرا من الضجة الإيجابية فيما يبدو حول العناية بحرمة الخصوصية. أعتقد أنّ المسألة أعمق ممّا تستطيعه بضعة أشهر وبيانات صحافية. أعتقد أنّ عليكم البحث بشكلٍ أساسي في ثقافات الشركة وقيمها ونموذج أعمالها. وهذه الأمور لا تتغيّر بين عشية وضحاها.

"غير أننا نسعى بالتأكيد في إرساء مثالٍ يُحتذى به أمام العالم لإظهار ما هو ممكن ولزيادة توقّعات الناس بشأن ما عليهم توقّعه من المنتج سواء حصلوا عليه من شركتنا أو من شركاتٍ أخرى. بالطبع، إننا في النهاية نحبّ أن نبيع منتجات آبل لكلّ من نستطيع-  بالتأكيد ليس كسلعةٍ فاخرة فقط.

"نعتقد أنّ تجربة منتج رائعة هي أمر ينبغي توفيره للجميع. ولهذا نحن نطمح بتطوير تلك المنتجات."

قبل ذلك بشهر أو نحوه، كال جيران آخرون في سيليكون فالي لآبل شتيمة أخرى. فقد أعلنت شركة فيسبوك، المتخبطة في فضائحها المرتبطة بالخصوصية، أنّها لن تقدم على تخزين بيانات في "بلدانٍ تملك سجلاً حافلاً في انتهاك حقوق الإنسان كالخصوصية أو حرية التعبير" - وفيما لم تذكر أحدا بالاسم، كان واضحاً أنّ القرار استهدف آبل التي كانت تخزّن بيانات المستخدمين في الصين.

وحينها قال مارك زوكربرغ رئيس فيسبوك أنّ البقاء خارج البلاد للحفاظ على أمن البيانات وسريّتها هو "مقايضة نحن مستعدّون للقيام بها". "أعتقد أنّه من المهمّ لمستقبل الانترنت والخصوصية أن تستمرّ صناعتنا في التصدّي لتخزين بيانات الأشخاص في أمكنة لن تكون آمنة فيها."

على غرار العديد من الشركات الأميركية، حظرت فيسبوك في الصين حيث يتطلّب القانون تخزين البيانات محلياً وحيث تسري قيود قليلة تمنع الدولة من الاطّلاع على المعلومات الشخصية للأشخاص. غير أنّ آبل آثرت المحاولة والنموّ في البلاد في خطوةٍ جعلتها تفتح مركز بياناتٍ هناك تشغّله شركة صينية.

ووصف أليكس ستاموس رئيس أمن المعلومات السابق في فيسبوك بيان زوكربرغ "بالتسديدة المباشرة باتجاه تيم كوك". وقد قال حينها: "توقّعوا سماع الكثير بشأن آي كلاود iCloud والصين في كلّ مرّة يستخدم فيها كوك النفاق."

ولقي قرار تخزين البيانات في الصين والذي اتُّخذ في مارس (آذار) من العام الماضي، انتقادات واسعة من قبل المدافعين عن الخصوصية بمن فيهم منظمة العفو الدولية التي وصفت القرار بـ"خيانة للخصوصية". واشارت إلى أنّ القرار سيتيح للدولة الصينية الولوج إلى الأجزاء الأكثر خصوصية من حياة الأشخاص الرقمية.

في ذلك الوقت، قال نيكولاس بيكلين المتحدّث باسم منظمة العفو الدولية في شرق آسيا: "لم يكن تيم كوك صريحاً مع مستخدمي آبل في الصين عندما أخبرهم أنّ بياناتهم الخاصة ستكون بأمان. لقد ترك سعي آبل في مراكمة المكاسب مستخدمي نظام آي كلاود الصيني في مواجهة مخاطر هائلة تتعلق بالخصوصية. إنّ إعلان آبل المؤثّر "1984" كان مساءلة لمستقبل بئيس. ولكن الآن في العام 2018 تساهم الشركة في إنشاء مستقبل مشابه. يعظ تيم كوك بشأن أهمية الخصوصية ولكن بالنسبة لمستخدمي آبل الصينيين، ليس لهذه الالتزامات أيّ معنى. إنّها معايير مزدوجة."

ويقول فيديرجي أنّ بيانات الموقع تخزّن بشكلٍ أقلّ عندما يكون حجم المعلومات التي يتمّ جمعها محدوداً، وأنّ أيّ معلوماتٍ كهذه هي مخزّنة بطرقٍ تمنع الاشخاص من التطفّل عليها. تكمن الخطوة الأولى بالطبع في أن جميع تقنياتنا لتقليل البيانات وحفظ البيانات الخاصة بنا على الأجهزة وحماية الأجهزة من الولوج إليها من الخارج - كل هذه الأشياء تعني أن هذه البيانات ليست موجودة في أي سحابة (كلاود) في المقام الأول ليتمكّن أيّ أحد من الوصول إليها."

 من خلال عدم جمع البيانات، لن تتوفّر ايّ بياناتٍ للمسؤولين في الصين أو خارجها لقرائتها أو استغلالها كما تزعم آبل.

ويضيف فيديرجي أنّه بسبب تشفير البيانات، فحتّى لو اعترضت -حتّى لو أنّ أحدهم يحمل القرص الذي يخزّن البيانات- فإنّه لن يتمكّن من قرائتها. المستخدمان اللذان يرسلان ويتلقّيان الرسائل الالكترونية هما وحدهما المخوّلين لقراءتها. وبهذا، فإنّ إرسالها إلى خادم صيني سيكون بالتالي بدون أهمية إن كان النظام الامني يعمل فعلاً. فكلّ ما سيتمكّنون من رؤيته سيكون عبارة عن رسائل مشوّهة تحتاج إلى مفتاحٍ خاص لفكّها.

في وطنها الأمّ، أدّى التزام آبل بالخصوصية إلى دخولها في نزاعاتٍ مع الحكومة الاميركية تماماً كما حصل مع منافسيها التقليديين. ولعلّ أبرز هذه التداعيات برزت بعد الهجوم الارهابي في سان برناردينو في كاليفورنيا. إذ طلب مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي اي) في بحثه عن منفّذ الهجوم من آبل صنع نسخة من برمجيّاتها بوسعها أن تضعف الحماية وتتيح لها ولوج هاتفه؛ فردّت آبل أنّه ليس بالإمكان إضعاف هذا النظام الأمني في حالةٍ واحدة فقط، ورفضت الأمر.

حل مكتب التحقيقات الفدرالي في النهاية المسألة وقيل أنّه فتح الهاتف باستخدام برمجيّة من شركة اسرائيلية أتاحت له الولوج إلى الهاتف. غير أنّ الجدال استمرّ منذ ذلك الوقت. لم تبدّل آبل رأيها وأصرّت أنّه على الرغم من طلبات الحكومة المساعدة على الولوج إلى الهواتف، فإنّ عمل ذلك بهذه الطريقة من شأنه أن يكون تهديداً للأمن القومي.

وأشار فيديرجي إلى أنّ كافة البيانات الحساسة الموجودة على الهواتف ليست بالضرورة شخصية. فقد تكون بعضها عامّة بشكلٍ كبير. واضاف قائلاً: "إن كنت عاملاً في محطّة توليد طاقة، قد أملك حقّ الولوج إلى نظام ذي أهمية كبرى. إنّ حماية وأمن هذه الأجهزة هو أمر حساس للغاية للسلامة العامة. نحن نعلم أنّ هنالك الكثير من المعتدين الذي يملكون دوافع كبيرة ويودّون القيام بذلك بهدف تحقيق مكسب أو يريدون اقتحام منصّات المعلومات القيّمة في هواتفنا."

وكان سبق لآبل أن أعلنت مراراً أنّ إنشاء مفتاح رئيسي أو ثغرة أمنية (باب خلفي) للسماح للحكومة وحسب الدخول إلى الأجهزة الآمنة هو أمر غير ممكن - فمن شأن أيّ دخولٍ يتيح إنفاذ القانون أن يُستغلّ من قبل المجرمين الذين يحاربونهم. بالتالي، فإنّ حماية مالك الهاتف قدر الإمكان يُبقي البيانات سريّة ويضمن بأن تبقى الأجهزة في مأمن على حدّ قوله.

ويعبّر عن تفاؤله بأن يُسوى هذا الخلاف إذ يقول: "أعتقد في نهاية المطاف أن تتبنى الحكومة فكرة أنّ حصول الجميع على أنظمة آمنة يصبّ في المصلحة العامة".

بالإضافة إلى ذلك، تحتّم على آبل أن تحارب فكرة أنّ الأشخاص لا يكترثون للخصوصية. فقد أظهروا مراراً أنّهم يفضّلون الحصول على المزايا مجاناً إن كان المقابل تخلّيهم عن ملكيّة بياناتهم الخاصة. علماً أنّ أربعة تطبيقات من أصل العشرة الأبرز في آبل ستور هي من صنع فيسبوك، الأمر الذي جعل من هذه المقايضة تتمركز في صلب أعمالها.

كان من السهل الاستنتاج أننا نعيش في عالم ما بعد الخصوصية. مع تطوّر الانترنت، أصبحت المعلومات أكثر انتشاراً وليس العكس، وعلى ما يبدو  فإنّ كلّ منتج تكنولوجي جديد يزدهر من خلال منح المستخدمين طرقا جديدة لمشاركة المزيد عن أنفسهم.

غير أنّه خلال الأشهر القليلة الماضية، بدا أنّ كلّ ذلك يتغيّر. وأصبح واضحاً أكثر فأكثر بالنسبة للأشخاص أنّ خصوصية المعلومات تقع في صلب مجتمع سليم على حدّ قول فيديرجي الذي أضاف قائلاً: "أعتقد أنّ الناس استسلموا لفكرة أنّ الخصوصية ماتت. أنا لا أؤمن بذلك: أعتقد أننا كأفراد ندرك بأنّ الخصوصية مهمّة لسير المجتمعات الجيدة. سنبذل المزيد والمزيد من الطاقة كمجتمع بشأن هذه المسألة. ونحن فخورون بعملنا عليها."

ما زال على آبل أن تحارب واقع أنّ المستخدمين استُدرجوا إلى منح البيانات إلى درجة أنّ الأمر أصبح غير ملحوظ تماماً. فبين المراقبة الحكومية وتتبّع الإعلانات الخاصة، أصبح المستخدمون يعتقدون أن كل ما يفعلونه ربما يتَتبع من قبل شخص ما. وكان ردهم في غالبية الأحيان من خلال اللامبالاة وليس الإرهاب.

يطرح هذا الأمر مشكلة بالنسبة إلى آبل التي تنفق الكثير من الوقت والمال في العمل على حماية الخصوصية. ويعتقد فيديرجي أنّ ساحة الشركة ستبرأ إذ تحوّل التساهل إلى قلق. ويقول: "يهتمّ بعض الأشخاص بهذا الأمر كثيراً في حين لا يفكر البعض الآخر فيه مطلقاً."

وأضاف أنّه إذا استمرّت آبل في صنع منتجات لا تتطفّل على خصوصية الأشخاص، فهي ترفع السقف عالياً. فالقيام بذلك يدحض فكرة أنّ الحصول على ميزاتٍ جديدة يعني التنازل عن المعلومات.

"أعتقد أنّه إلى الحدّ الذي يمكننا فيه تقديم مثال إيجابي لما هو ممكن، سنرفع من مستوى توقعات الأشخاص الذين يتساءلون لماذا يفعل هذا التطبيق ذلك ببياناتي؟ لا يبدو أنّ آبل بحاجة إلى القيام بذلك. فلماذا يفعل هذا التطبيق ذلك؟  أعتقد أننا نشهد المزيد من ذلك. بالتالي، إنّ تشكيل مثالٍ يحتذى به هو أحد العناصر التي نحاول القيام بها. نعلم أنه طريق طويل ولكننا نعتقد أننا سننتصر في نهاية المطاف ونظنّ أنّ ذلك مفيد في أيّ حال."

في الأشهر الأخيرة - وبعد الفضائح الأخيرة - تحركت كل شركة تكنولوجيا تقريباً باتجاه إبراز  مسألة الخصوصية. فلا تصدر غوغل أي منتجات جديدة دون توضيح كيفية حمايتها للبيانات التي يتم إنشاؤها بواسطتها؛ حتى فيسبوك، التي تهدف إلى تبادل المعلومات، أعلنت أنها تتجه نحو اتّباع نهج "الخصوصية أولاً" في محاولة واضحة للحد من الأضرار الناجمة عن الفضائح المتكررة في إساءة استخدام البيانات.

تواجه الخصوصية خطر أن تصبح مصطلح تسويق. تماماً كالذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي من قبله، الاحتمال كبير بأن تصبح الخصوصية مجرد كلمة أخرى تستغلها شركات التكنولوجيا لوعد المستخدمين بأنها تفكر فيهم - حتى لو كانت كيفية استخدامها فعلياً غير معروفة إلى حد كبير.

قد يكون من الصعب أخذ عملية إعادة تموضع بعض الشركات مؤخراً على محمل الجد في حين لا زال عدد من الشروط الأساسية غير مستوفٍ حسبما يقول كريستوفر ويذرهيد، رئيس التكنولوجيا في بريفاسي انترناشيونال Privacy International التي دعت آبل ومنافسيها مراراً إلى فعل المزيد بشأن الخصوصية. وقال ويذرهيد: "يقوم عدد من شركات سيليكون فالي حالياً بموضعة نفسها على أنها تقدّم مستقبلاً يركّز بشكلٍ أكبر على الخصوصية، ولكن إلى حين معالجة الأسس الرئيسية، يبدو ذلك حتّى الآن لعبة تسويقية."

يعبّر فيديرجي عن ثقته بأن تواصل آبل العمل على الخصوصية سواء كان الناس يولون ذلك أهمية أم لا، ومع القليل من الاهتمام بكيفية استخدام الكلمة واستغلالها. لكنه يقرّ بأنه قلق على ما قد يعنيه ذلك في المستقبل.

" سواء حصلنا على تقدير أم لا ، أو لاحظ الناس الفرق، فسنفعل ذلك لأننا نصنع هذه المنتجات، أي المنتجات التي نعتقد أنها يجب أن تكون موجودة في العالم. أعتقد أنّه سيكون من المؤسف أن يتمّ تضليل المستخدمين ودفعهم إلى التفكير ’اعتقدت أنني أستخدم منتجاً يحترم خصوصيّتي‘. وبهذا تصبح الخصوصية مجرّد كلماتٍ تافهة. لهذا أشعر بالقلق على العالم بهذا الإطار. ولكن ذلك لن يؤثّر حتماً في ما نقوم به."

ويقول منتقدو آبل أنّه إن لم تكن الخصوصية ترفاً، فهي أقلّه تسوية؛ أي صنع المنتجات مع معرفة القليل قدر الإمكان بشأن الاشخاص الذين يبتاعونها هو عبارة عن عملية مقايضة تتضمّن التخلّي عن أفضل المزايا على حدّ قول المنكرين.

يقوم عدد من منتجات غوغل مثلاً بجمع البيانات ليس لاستخدامها في الإعلانات فقط، بل لتشخيص التطبيق بذاته؛ بالتالي بوسع خرائط غوغل Google Maps أن تعرف أيّ نوعٍ من المطاعم قد ترغبون في زيارتها على سبيل المثال. وتقوم نيتفليكس netflix بجمع معلوماتٍ عن مستخدميها -ويبدو أنّ النجاح الباهر الذي حققته حلقة Bandersnatch من مسلسل بلاك ميرور Black Mirror يعود في الواقع إلى كونها جزءاً من عملية جمع بيانات- ثمّ قامت باستخدام ذلك لاتخاذ قرار بشأن أيّ عرضٍ تقدّم وما الذي تنصح المشاهدين به.

واعتمد المثل الذي غالباً ما استُخدم لإثبات طرقٍ مفادها أنّ حماية الخصوصية تعني التخلّي عن بعض المزايا أو الأداء على برمجيات الذكاء الاصطناعي. في ما يتعلّق بنسخة غوغل، فهي تستخدم معلومات من حول الانترنت لتحسين نفسها وهي تتيح لها معرفة كيفية الاستماع إلى الناس بشكل أفضل والإجابة على أسئلتهم بشكل أكثر فائدة عندما يحدث ذلك؛ أمّا مقاربة آبل فتعني أنّ تطبيق سيري Siri لا يملك الكثير من البيانات لتشغيلها. ويقول النقّاد أنّ هذا الأمر يكبح أدائها ويجعل من سيري أقلّ جودة في الإصغاء والتحدّث.

علماً أنّ آبل تصرّ على أنّ نقص البيانات لا يعيق منتجاتها من التقدّم.

وفي هذا الإطار يقول فيديرجي: "أعتقد أننا فخورون للغاية أنّ بوسعنا تقديم أفضل التجارب ونحن نفكّر في الصناعة من دون خلق هذه المقايضة المزيّفة أنّه للحصول على تجربة مستهلكين جيّدة عليكم التخلّي عن خصوصيّتكم. إننا نتحدّى أنفسنا للقيام بذلك وأحياناً يرتّب علينا عملاً إضافياً. ولكن الأمر يستحقّ العناء. إنّها مشكلة ممتعة للحلّ."

وتقول الشركة أنّه عوضاً عن جمع البيانات بطريقةٍ عرضيّة نسبياً- ووضعها ضمن مجموعة بيانات تتيح بيع الإعلانات وتحسين المنتجات- بوسعها استخدام تكنولوجيات بديلة لإبقاء منتجاتها ذكيّة. لعلّ أكثر الأمور غرابةً من بين كلّ ذلك هو اعتمادها على "الخصوصية التفاضليّة" وهي عبارة عن تقنية في علم الحوسبة تتيح لها جمع مجموعة واسعة من البيانات من دون معرفة من هو الشخص المعني بهذه المعلومات.

لنأخذ مثلاً المسألة الصعبة المتمثلة في إضافة كلمات جديدة على وظيفة التصحيح التلقائي على لوحة المفاتيح، وبهذا تصبح أساليب التحدّث الجديدة - ككلمة "belfie" (التي تعني التقاط صورة سلفي من الخلف)- موجودة ضمن القاموس الداخلي للهاتف. إنّ القيام بذلك أثناء جمع كميات كبيرة من البيانات هو أمر سهل نسبياً: يعتمد على جمع كلّ ما يقوله الأشخاص وعندما تبلغ كلمة ما حدّاً أدنى من الاستخدام يمكن اعتبارها كلمة أصليّة أو صحيحة عوضاً عن اعتبارها خطأ. غير أنّ آبل لا تودّ أن تقرأ ما يقوله الناس. بل إنّها تستعيض عن ذلك من خلال الاعتماد على الخصوصية التفاضلية. وتقوم تلك على أخذ الكلمات التي تضيفها آبل إلى القاموس وتصنع ضوضاء منها فتجعل البيانات أكثر خطأ. وبالتالي تُضاف مجموعة من الكلمات التلقائية غير الدقيقة إلى الكلمات الجديدة. وبهذا إذا كان الاتجاه دقيقاً، سيُحفظ في البيانات- غير أنّ أيّ كلمة فردية قد تشكّل جزءاً من الضوضاء وتحمي خصوصية الأشخاص الذي يشكّلون جزءاً من مجموعة البيانات. إنّها عمليّة معقّدة ومربكة. غير أنّها باختصار تسمح لآبل بمعرفة المزيد عن مستخدميها ككلّ من دون معرفة يّ شيء بشأن كلّ فشخصٍ بمفرده.

وفي حالاتٍ أخرى، فضّلت آبل الاستعانة بالمعلومات العامة المتوفرة عوض الاعتماد على جمع بياناتٍ شخصية من الأشخاص الذين يستخدمون خدماتها.

قد تحسّن غوغل أدوات التعرف على الصور الخاصة بها عن اقتناص صور الأشخاص الذين يستخدمون خدمتها، وإدخالها في أجهزة الكمبيوتر حتى تتحسن في التعرف على محتوياتها. أمّا آبل فتشتري فهرساً بالصور العامة بدل استخدام صور الأشخاص الخاصة. ويقول فيديرجي أنّ الأمر نفسه حصل مع خدمة التعرّف على الصوت - بوسع الشركة أن تستمع إلى تسجيل صوتي منتشر في العالم كالمدوّنة الصوتية- وهذا ما دفع الأشخاص إلى استكشاف وشرح مجموعات البيانات لكي تبقى بيانات الأشخاص خاصة وغير مرميّة في مجموعات التدريب لخدمات الذكاء الاصطناعي المجهولة.

وتعمل آبل أيضاً على ضمان حماية مستخدميها وأجهزتهم من الأشخاص الآخرين أيضاً. فقد كانت الشركة تواظب على التكنولوجيات التي يُطلق عليها اسم "منع التتبّع الذكي" Intelligent Tracking Prevention، الذي بُنى في سافاري Safari، محرّك البحث الخاص بها. خلال السنوات الأخيرة، عملت شركات الإعلانات وغيرها من منظمات "التجسّس" على إيجاد طرق جديدة لتتبّع الأشخاص عبر الانترنت ؛ تحاول آبل البقاء في الطليعة، إذ تحاول إخفاء مستخدميها عن الظهور أثناء تصفحهم الإنترنت.

لكن الأمر الكامن في كل هذه التفاصيل هو اختلاف في المقاربة الفلسفية. ففي كثير من الحالات، لا يستلزم الأمر إرسال أي من هذه المعلومات إلى آبل في المقام الأول.

يتأتّى كلّ ذلك من واقع أنّ آبل ببساطة لا تريد أن تعرف. فيمكن لأيّ شيء تعرفه أن يصبح معروفاً من قبل شخص آخر بسهولة؛ وعدم الحصول على بيانات هو بالتالي الضمانة الأكثر فعالية لمواجهة سوء استخدامها.

ويقول فيديرجي: "ننظر بشكلٍ أساسي إلى مركزيّة المعلومات الشخصيّة على أنّها تهديد، سواء كانت في أيدي آبل أو في أيادٍ أخرى. لا نعتقد أنّ الأمن وحده في عالم الخوادم الحوسبيّة يشكّل حماية ملائمة للخصوصية على المدى الطويل. بالتالي، تكمن طريقة تولّي الأمور للدفاع بشكلٍ أساسي عن خصوصية المستخدم في التأكّد من أنّكم لم تجمعوا مطلقاً البيانات أو تجعلوها مركزية في المقام الأول. وبهذا يمكننا في كلّ مكانٍ أن نبني ذلك ضمن تصاميمنا منذ البداية."

عوضاً عن ذلك، يتم العمل باستخدام أنظمة الكمبيوتر القوية في هاتفكم. وبدلاً من تحميل مجموعات كبيرة من البيانات عبر مواقع الخوادم والسماح للموظفين بفحصها، تقول آبل إنها تفضل جعل الهواتف أكثر ذكاءً وترك جميع البيانات عليها - وهذا يعني أنه ليس بوسع آبل أو أي شخص آخر الاطلاع على تلك البيانات، حتى لو أرادت ذلك.

وأضاف كريغ فيديرجي: "خلال الخريف الماضي، تحدّثنا عن حاجز في رقاقاتنا نضعه في هواتف آيفون وأحدث أجهزة آيباد ويُطلق عليه إسم "محرّك آبل العصبي" Apple Neural Engine- وهو قويّ بشكلٍ لا يصدّق في استنباط الذكاء الاصطناعي. وبهذا بوسعنا إتمام المهام التي كان يتحتّم القيام بها في السابق على خوادم كبيرة وأصبحنا نقوم بها من خلال جهازنا. وغالباً عندما يتعلّق الأمر بالاستدلال بعيدا عن المعلومات الشخصية، يشكّل جهازكم مكانا مثاليا للقيام بذلك: لديكم الكثير من المحتوى المحلي الذي لا يتوجّب أن يخرج من جهازكم باتجاه شركة أخرى".

في نهاية المطاف، يمكن أن يُنظر إلى هذا على أنّه ميزة بحد ذاته. يتمتع هذا النهج بمزايا خاصة به - وبهذا يمكنه تحسين الأداء سواء كان الناس يفكرون أو لا في ما يعنيه ذلك بالنسبة للخصوصية.

"أعتقد أن الاتجاه في النهاية سيكون الانتقال رويداً رويداً إلى الجهاز لأنكم تريدون من الذكاء أن يحترم خصوصيّتكم، ولكنكم تريدون أيضاً أن يكون متاحاً طوال الوقت، سواء كان لديكم اتصال جيد بالشبكة أم لا، تريدون أن يكون الأداء عالٍ جداً ووقت الاستجابة قصيرا."

إن لم تكن آبل ستجمع بيانات مستخدميها، فعليها الحصول عليها من مكانٍ آخر إذاً - ويعني ذلك أحياناً الحصول على المعلومات من موظّفيها.

هذا ما يحصل في مختبرها للصحّة واللياقة. فهو يقع بشكلٍ سري في مبنى يصعب وصفه في كاليفورنيا: فالجدران عبارة عن نوع من المساحات المكتبية الموجودة في مقرّ شركة أبل، ولكن الاختباء خلفها هو المفتاح لبعض منتجاتها الحديثة الأكثر شعبية.

يتجسّد التزام آبل بالرفاهية بوضوح من خلال ساعة آبل Apple Watch، غير أنّ هذا الالتزام نجح في الانتشار عبر كافة منتجات الشركة. وسبق لتيم كوك أن قال أنّها ستكون "إسهام الشركة الأعظم للبشرية". وكان جمع هذه البيانات قد ساهم في إنقاذ حياة الناس وتشعر الشركة بتفاؤل وحماسة بشأن البيانات الجديدة التي ستجمعها والطريقة الجديدة التي ستفعل ذلك من خلالها فضلاً عن الحلول الجديدة التي بوسعها تقديمها.

ولكن البيانات الصحية هي من بين المعلومات الأكثر أهمية وحساسية التي يمكن معرفتها عن أي شخص. من المحتمل أن يعرف هاتفكم بشأن حالتكم أكثر ممّا يعرف طبيبكم- لكن طبيبكم ملتزم باحترام الأخلاقيات المهنية والأنظمة والقواعد التي تحتّم عليه عدم تسريب هذه المعلومات عن طريق الخطأ إلى العالم.

هذه الحماية ليست مجرد متطلبات أخلاقية، بل ضرورات عمليّة. فلا يمكن أن يحدث تدفق المعلومات بين الأشخاص وأطبائهم إلا إذا كانت العلاقة محمية من خلال الالتزام بالخصوصية. ما ينطبق على الأخصائيين الطبيين والمرضى يسري بنفس الطريقة على الأشخاص وهواتفهم.

بهدف الإجابة على ذلك، أنشأت آبل مختبرها للِّياقة. وهو كناية عن مكانٍ مخصّص لجمع البيانات - ولكنه أيضاً معلم أساسي للطرق المختلفة التي تعمل بها آبل للحفاظ على أمن هذه البيانات.

تتدفق البيانات من خلال الأقنعة الملفوفة حول وجوه الأشخاص المشاركين في الدراسة، ويتم جمع البيانات من قبل الموظفين الذين يُدخلون النتائج التي توصلوا إليها على أجهزة آيباد التي تعمل ألواحا حافظة عالية التطوّر، وتتدفق تلك المعلومات عبر ساعات آبل الموضوعة على معاصمهم.

في إحدى الغرف، يتواجد حوض سباحة ضخم يسمح للناس بالسباحة فيه وحيث يحلل قناع على وجوههم كيفية قيامهم بذلك. في الغرفة المجاورة، يقوم الناس بممارسة رياضة اليوغا وهم يرتدون الأقنعة نفسها. يتضمن قسم آخر غرفا ضخمة تقع في مكان ما بين زنزانة السجن وثلاجة، حيث يتم تبريد أو تسخين الأشخاص لمعرفة كيفية تغيير البيانات التي يتم جمعها.

سيتم استخدام كل هذه البيانات لجمع وفهم المزيد من البيانات على أذرع الأشخاص العاديين. وتقوم وظيفة الغرفة على ضبط الخوارزميات التي تجعل ساعة آبل تعمل، وبذلك تجعل المعلومات التي تجمعها أكثر فائدة: قد تعرف آبل على سبيل المثال أن هناك طريقة أكثر فاعلية لاستكشاف عدد السعرات الحرارية التي يحرقها الناس عندما يتم تشغيلها، وقد يؤدي ذلك إلى تحسينات في البرامجيات والأجهزة التي من شأنها أن تدرك سبيلها إلى معصمكم في المستقبل.

ولكن حتى عندما يتم جمع تلك الكومات الهائلة من البيانات، فإنه يتم إخفاء هويتها وتقليصها. يقوم موظفو آبل الذين يتطوعون للمشاركة في الدراسات بمسح أنفسهم في المبنى- ثم يتم فصلهم فوراً عن بطاقة الهوية تلك، حيث يتم منحهم محدّد هويّة مجهول لا يمكن ربطه بهذا الموظف.

من خلال تصميمها، لا تعرف آبل من هو الشخص من بين موظّفيها الذي يتمّ جمع بيانات عنه. ولا يعرف الموظّفون بدورهم عن سبب جمع بياناتهم، بعرفون فقط أنّ هذا العمل سيؤدّي يوماً ما إلى منتجاتٍ مستقبلية غير معروفة حتّى الساعة.

قد يعتبر المنتقدون أنّ كلّ ذلك غير ضروري بقولهم أنّ الشركة ليست بحاجة إلى صنع رقاقاتها الخاصة وجمع بياناتها الخاصة وإخضاع كلّ من الموظّفين والسيليكون لبيئاتٍ غريبة بهدف الحفاظ على خصوصية المعلومات. غير أنّ آبل تردّ أنّها لا ترغب في شراء تلك البيانات أو الرقاقات وأنّ القيام بكلّ ذلك هو محاولة لبناء ميزاتٍ جديدة مع حماية سلامة المستخدمين.

إن كان التصميم يتعلّق بكيفية عمل الجهاز، فسريّة البيانات متعلّقة بذلك أيضاً. تشتهر آبل باعتمادها السريّة في ما يخصّ منتجاتها المستقبليّة كما تهدف إلى أن تكون بشأن معلومات مستخدميها، ولكن سيتمّ فيها إخضاع كلّ هذا العمل وكافة المبادىء للاختبار- وهو اختبار بوسعه أن يقرّر مستقبل الشركة والانترنت على حدّ سواء.

 

© The Independent

المزيد من تكنولوجيا