علب متناهية الصغر وكعك منزلي... هكذا يستقبل المصريون عيد الفطر

ضعف القوة الشرائية أجبر المحال على "عبوة نصف كيلو"... والطبقة المتوسطة تصنعه في بيت العائلة استعادة للذكريات

بين ليلة رمضانية وضحاها، انسحب التمر والقراصيا والمشمشية والكركدية من مدخل السوبرماركت، وحلت محلها علب الكعك المغلفة بورق شفاف. وفي الليلة ذاتها، تراجعت أطباق البسبوسة والكنافة والبقلاوة والقطائف وظهرت جبال بيضاء مهيبة وإلى جوارها هضاب متدرجة أنيقة، إنه كعك العيد، وموسمه، وهرمه الطبقي المحدد لمكوناته، والمهيمن على مستلزماته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كعك العيد

مستلزمات العيد التي لا تخلو منها الغالبية المطلقة من البيوت المصرية هذه الأيام، قِوامها كعك، وهامشها "غُرِّيبة" وإطارها "بيتي فور"، وجميعها يتمتع بنكهة تداعب حاسة الشم، وبمذاقٍ يحرك مراكز الجوع، وبسعرٍ يحدث ثقباً عميقاً في كل جيب.

جيوب المصريين التي أحدث فيها رمضان ثقباً موجعاً تستعد هذه الأيام لجولة جديدة من جولات مواسم الاحتفال ومناسبات الاحتفاء حيث غزوة كعك العيد بالغة الشراسة. وسر الشراسة يكمن في ضرورة اقتناء كعك العيد بشكل أو بآخر، وبغض النظر عن القوة الشرائية أو بالأحرى ضعفها.

المثير أن هذا الوهن الظاهر لا يعني الانصراف عن الكعك، أو الاستغناء عن تلاله الهرمية المبهجة. لكن وراء كل بهجة هناك قصة.

 

الطبقة المتوسطة تقاوم

الطبقة المتوسطة الممسكة بتلابيب منتصف الهرم الطبقي خوفاً من السقوط نحو خط الفقر هي الأكثر إبداعاً في التعامل مع أسعار الكعك بعدما قفزت في المحال، التي كانت مصنفة في متناول يد المواطن العادي، قفزات عالية محققة 400 جنيه مصري (ما يقرب من 24 دولاراً) للكيلوغرام الواحد، وهو ما يعني جزءاً لا بأس به من دخل الأسرة الشهري في مقابل كيلو كعك.

الأسعار تعلن الهجوم

قائمة الأسعار المثبتة على باب محل الحلويات الشهير تشير إلى إقصاء فئات عريضة من المصريين. كيلو كعك فستق أو جوز 400 جنيه (ما يقرب من 24 دولاراً)، وكيلو كعك عجوة (تمر) 370 جنيها (22 دولاراً)، وكيلو كعك سادة 365 جنيهاً (21.85 دولار)، وتتوالى الأنواع والأشكال والحشو لترسخ طبقية كعك العيد، وتفرق بين من يملك ومن لا يملك اقتناء كعك الأغنياء.

الأغنياء يتضررون

لكن حتى كعك الأغنياء خرج هذا العام بـ"نيو لوك" يحقق المصلحة للجميع. يقول مسؤول مبيعات في أحد أكبر سلسلة محال الحلوى في مصر ياسر محمد: "من واقع خبرتنا العام الماضي، وجدنا أن أعداداً متزايدة تميل إلى شراء كميات أقل من الكعك. وبعدما كانت الأسرة الواحدة تشتري خمسة وعشرة، وأحياناً 15 كيلوغراما من الكعك لنفسها وللأقارب والجيران، تطورت الأوضاع الاقتصادية لتجبر الكثيرين، بمن فيهم الميسورون، على ترشيد شراء الكعك والاكتقاء بكميات قليلة جداً من أجل الإبقاء على العادة". 

يضيف محمد "عامل آخر من عوامل تقليل كميات الكعك المشترى، وهو المزيد من التوعية الصحية، وحرص متزايد من قبل كثيرين على تقليل تناول الحلويات. الملايين هذه الأيام تقول إنها عاملة ريجيم".

علبة متناهية الصغر

الظروف الاقتصادية أدت إلى ظهور علب متناهية الصغر تحمل بداخلها ما يزن نصف كيلو، وهي لا تثير السخرية أو النظر لها بعين تنقصها الاحترام أو تفتقد للشهوة، بل العكس هو الصحيح حيث تحولت إلى "ترند" فعال، وتُقدِمُها محال الحلويات الجديدة الأنيقة في الأحياء الراقية مثل مصر الجديدة والزمالك والتجمع، بل تشهد إقبالا من الشباب والمراهقين على شرائها، حيث الجمع المحبب بين أصالة الكعك ومعاصرة الأحجام الصغيرة.

وعلى النقيض تماماً، تقف أحجام بالغة الضخامة على الطرف الآخر من المدينة. أسعار تتراوح بين 40 و70 جنيها مصريا (ما يقرب من 3 دولارات و4.5 دولار) للكيلوغرام الواحد، وهو ما أدى إلى لجوء أبناء الطبقات المتوسطة، ممن تعذرعليهم شراء الكعك من محالهم المعتادة تحت وطأة التهابات الأسعار وضغوط الحياة، إلى محال البسطاء في الأحياء الشعبية بحثاً عن بضع كيلوغرامات من كعك العيد تحفظ ماء الوجه، وتحافظ على عادة اقتناء الكعك.

الكعك المنزلي

لكن الروائح التي تهيمن على هذه الأحياء ليست بالضرورة روائح كعك المخابز، لكنها روائح كعك مصنوع بالمنزل، وهي العادة المصرية التي لا يزال البعض يتمسك بها، بدافع صعوبة الوضع الاقتصادي حيث تكلفة الكعك الجاهز أضعاف المُصنَع في البيت، أو بحثاً عن الحنين إلى الماضي زمن الجدات.

يتجسد الماضي في بيت سماح، البالغة من العمر 40 عاماً،  يعمل زوجها في مصنع للمنسوجات، ولديهما ثلاثة أبناء. تتجمع نساء العائلة في منزلها الكائن بحي الدرب الأحمر بالقاهرة عقب الإفطار وحتى أذان الفجر في الأيام الأخيرة من شهر رمضان. وتدور موقعة عجن وتشكيل الكعك والبسكويت لهذا الجمع الحاشد.

تقول سماح "إن الكعك البيتي لا يُعلَى عليه. صحيح أن الخامات هذه الأيام ليست بجودة خامات زمان، إذ نضطر للاعتماد بشكل أساسي مثلاً على السمن الصناعي، إلا أن المذاق يختلف عن كعك المحال. ويكفي أن العائلة كلها تتجمع في مكان واحد لنظل نحمل ذكريات العيد وكعك العيد".

تضيف "الجانب الكوميدي الذي يبدو في البداية تراجيدياً هو تداخل صاجات (صواني الخبز) الكعك مع بعضها البعض في الفرن حيث يحملها أولاد العائلة من الذكور للفرن ليتم خبزها. ترسل صاج كعك بالملبن فيعود إليك محشواً بالتمر!، ويكون التداخل سعيداً ومحموداً في تلك الحالات النادرة التي يعود إليك كعكك محشو بالجوز، بينما الكعك الأصلي سادة، لكن عادة يرسل البيت صاحب الكعك المحشو بالجوز أو المكسرات معه حراسة عائلية لضمان عودته ".

 

كعك بيتي

أصحاب مبدأ تجهيز الكعك في البيت يشهدون توسعاً ونمواً في السنوات الأخيرة. فئات مختلفة من المصريين بدأت تتنبه إلى ضرورة الحفاظ على عادة جميلة كانت تجمع أهل البيت الواحد في طقس مبهج مفرح للجميع.

سهام الملا، 55 عاماً، مهندسة، تقول "إنها في العام الماضي قررت أن تجمع بناتها وأحفادها وشقيقاتها لعمل الكعك في البيت كما كانت جدتها تفعل قبل عقود، لم تكن الغاية عمل الكعك نفسه بقدر ما كانت تجميع الأسرة، لا سيما الصغار وإحياء طقس جميل كاد يندثر". تضحك وتقول "نتائج كعك العام الماضي جاءت كارثية، لكن هذا العام اتخذت عدتي، وتحصنت بنصائح الخبيرات وجمعت من على (غوغل) أفضل الإرشادات لكعك ناجح هذا العام".

ظاهرة جديدة شهدها العام الحالي تمثلت في تدشين صفحات على "فيسبوك" و"واتسآب" لتقديم خدمة تذوق الكعك وكتابة التقييم بناء على وجهات نظر المتذوقين، من حيث جودة الخامات لاسيما السمن والطحين ونعومة القوام وتناغم المكونات. الطريف أن أغلب هذه الصفحات لا يضع كل الكعك في سلة واحدة، بل يصنفه بحسب السعر، وفي ذلك عدالة وإنصافٌ.

وعلى الرغم من الأحوال الاقتصادية وشكوى الجميع من ارتفاع الأسعار وصعوبة المعيشة، فإنه لا تزال هناك فئة تستمسك بفكرة الكعك الـ"سينييه". فأن تشتري كعكاً يبلغ سعر الكيلوغرام 300 أو 400 جنيه (18 دولارا أو 24 دولارا)، بحثاً عن مذاق رائع فهذا يحقق المثل المصري "الغاوي ينقط بطاقيته". أما أن تشتري كعكاً بألف جنيه للكيلو فهذا ما لم يستسغه كثيرون من القادرين وغير القادرين. أيضا تكللت جهود التغريب ومحاولات التضليل التي حاولت أن تسمي الكعك "كوكيز" في المجتمع المصري بالفشل الذريع.

نجاح الكعك من منطلق الطعم والقوام يمكن قياسه من قبل المتذوقين، ونجاح الكعك من وجهة نظر اجتماعية وثقافية وقدرة على إحياء التراث وإسعاد للصغار يمكن تقييمه من خلال  النظر في عيون الصغار، واستشراف مدى عودة الطقس البيتي إلى المجتمع.

 وبحسب غرفة القاهرة التجارية "فإن المصريين يأكلون سنوياً نحو 70 ألف طن من الكعك والبسكويت في عيد الفطر المبارك بتكلفة تصل إلى نحو 2 مليار جنيه مصري (100 مليون دولار)".

هذه التكلفة وعائدها الذي يحمل الكثير من الخير، يبدو واضحاً لا تخطئه عين ترصد الإعلانات على الطرق السريعة، وأعلى الجسور في المدن، وبين المسلسلات، حيث لوحات إعلانية ضخمة ووعود بتقديم ("أحلى كحكاية في مصر"، أو "فرحة العيد في شكل جديد"، أو "كحك يشرف"، أو "120 سنة كحك ومكملين")، وفقا لتعبيرات العامية المصرية، وغيرها من الإعلانات التي تتسابق على جيوب آكلي الكعك ومستهلكي البسكويت.

ويبقى عيد الفطر ملقباً مصرياً باعتباره "عيد الكعك" رغم أنف صعوبات كل عام الاقتصادية، وتشدد المتطرفين بالتحريم، ومحاولات البعض الاستفزازية لتحويله من كعك إلى "كوكيز".

المزيد من مذاقات وأطباق