انتهاج سياسة "حافة الهاوية" في السودان... نداء عاجل ومشاورات سرية

حزب المهدي يحذر من ردة محتملة وضياع مكاسب الثورة وواشنطن لا تعترف بالمجلس العسكري حاكماً للبلاد

سودانيون مؤيدون للمجلس العسكري الانتقالي الحاكم يردون على المعارضة بتجمع حاشد في 31 مايو 2019 في الخرطوم (أ.ف.ب)

يبدو أن المجلس العسكري الانتقالي في السودان و"قوى الحرية والتغيير" ينتهجان سياسة "حافة الهاوية"، بعدما بلغت الاتهامات المتبادلة والتصعيد ذروتها، وباتت أزمة الثقة تشكل معضلة وتعرقل التواصل ومعاودة المفاوضات، لتسوية الخلافات بشأن تشكيل المجلس السيادي.

نداء عاجل

أطلق تجمع المهنيين، وهو من أبرز القوى الموقعة على "إعلان الحرية والتغيير"، نداء عاجلاً الأحد 2 يونيو (حزيران) 2019، دعا فيه المواطنين "لتسيير المواكب ودعم المعتصمين والمبيت في أرض الاعتصام، أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم، لتأكيد الالتزام بالثورة".

ووصف البيان الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة وأمام حاميات وفرق الجيش في الأقاليم بأنه "صمام أمان ثورتنا ورئتها التي تتنفس بها والضامن لاستبسالنا وتحقيق أهداف الثورة".

وكان تجمع المهنيين قال في وقت سابق إن "هناك مخططاً للمجلس العسكري، بغرض فض اعتصام القيادة العامة بالقوة"، معتبراً أن "استخدام الرصاص الحي يمهد لارتكاب مجزرة بغرض فض الاعتصام".

واتهم التجمع المجلس العسكري بممارسة "الإلهاء بالمفاوضات للتغطية على نيته فض الاعتصام"، وقال إن "إيقاف بث بعض القنوات ومنعها من دخول ميدان الاعتصام يمثل تهديداً للميدان".

لقاءات سرية

وعلمت "اندبندنت عربية" أن بعض فصائل "قوى الحرية والتغيير" عقدت مشاورات سرية مع نافذين في المجلس العسكري، لتذويب الخلافات في شأن تشكيل المجلس السيادي، وباتت قريبة من التفاهم مع العسكر، وأطلعت قيادات من التحالف باقتراب إعلان توافق بين الجانبين، بينما لا يزال تجمع المهنيين وتحالف "قوى الإجماع الوطني"، الذي يضم قوى اليسار، يتمسكان بعدم التنازل عن غالبية مدنية ورئاسة المجلس السيادي.

وقال القيادي في "قوى الحرية والتغيير" محمد سر الختم، إن "المجلس العسكري طلب من التحالف تسليم مذكرة بشأن ما اتُفق عليه، بما فيه مقترح يتضمن تشكيل المجلس السيادي مناصفة، بواقع خمسة لكل طرف، وأن تكون الرئاسة دورية".

وكان الطرفان علقا جولة التفاوض الحاسمة بعد تباعد المواقف بشأن تكوين المجلس العسكري الانتقالي، وطالب كلاهما بأن يحوز على الغالبية فيه.

توقعات باتفاق جزئي

ويرى حسين اسماعيل نابري، عضو "قوى الحرية والتغيير"، أن "تحالف قوى الإجماع الوطني هو الجهة التي تمثل قوة جذب لمفاوضي المعارضة، في اتجاه ما يمكن أن يُوصف بالموقف المبدئي للمعارضة السودانية، وهو الإصرار على قيام سلطة مدنية انتقالية لا تكون فيها الغلبة للعسكر"، ويشير إلى أن "هناك من يرى أن مواقف الحزب الشيوعي اتّسمت بالتّشدد، لكنها في محصلة الأمر مثّلت ترياقاً ضد أي تنازلات محتملة من وفد التفاوض مقابل تعنّت المجلس العسكري".

 ولم يستبعد نابري إبرام اتفاق بين تحالف "قوى نداء السودان" بزعامة الصادق المهدي والمجلس العسكري، ورأى أن "قوى الحرية والتغيير سترفض أي اتفاق جزئي، على الرغم من أن هذا التوجه سيمضي لتشكيل حكومة مظهرها مدني لإعادة رئاسة الوزارة إلى المهدي، مع الأخذ في الاعتبار شرعيته، التي خلعها انقلاب نظام الرئيس المعزول عمر البشير، إلى جانب تأثيره ودوره في الثورة، واعترافه بدور العسكر في الانحياز للثورة.

شروط العسكر لتسليم السلطة

رأى المجلس العسكري أن "تشكيل حكومة مدنية، في الأوضاع الحالية التي تشهد تصاعداً في المواجهات بين قوات الأمن والمعتصمين المناهضين للمجلس، سيكون نوعاً من الفوضى.

وقال نائب رئيس المجلس العسكري الفريق محمد حمدان دقلو "حميدتي"، خلال لقاء مع قيادات قبلية، "ليست لدينا مشكلة في تسليم الحكومة للمدنيين، لكن يجب أن تشمل جميع الشعب"، وأضاف "سنحسم أي فوضى في البلاد من أجل أن تكون الحكومة المدنية المقبلة وطنية وتحكم بهيبة القانون، لكن حكومة مدنية بالأوضاع الحالية ستؤدي حتماً إلى الفوضى".

وأضاف نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي، "هناك من يقول إن المجلس العسكري ضعيف، لكن هناك ضغط من الجماهير، سنحسم أي فوضى بالقانون، وأية خطوة الهدف منها وقف حياة الناس، سنحسمها بالقانون".

وأعاد حميدتي التأكيد محاكمة كل من يرتكب جرماً من شأنه أن يعطل حياة الناس، وقال "إن شاء الله سنحسم الفوضى الحاصلة الآن لنبني دولة مدنية حقيقية بهيبة القانون وسيادته"، وتابع "إن لم نحسم هذه الفوضى ستكون الدولة دولة فوضى وليست دولة مدنية"، وأكد عدم تمسك العسكر بالسلطة، وأقسم بتسليمها للمدنيين "اليوم قبل الغد إذا توافقوا على القوي الأمين".

المهدي مع العودة للتفاوض

من جهته، قال حزب الأمة برئاسة الصادق المهدي إن "البلاد تعيش احتقاناً سياسياً حاداً بلغ ذروته نتيجة الإضراب السياسي، وخطاب الإقصاء والتطرف، وما قابله من تصعيد من المجلس العسكري، بجملةٍ من قرارات تعسفيّة، وتصريحات متشددة، والتلويـح بفـض الاعتصام بالقوة، والتهاون في إصدار قرارات حاسمة في مواجهة الثورة المضادة، والدولة العميقة، هذا التوتر والاحتقان أدى مع الأسف، إلى أحداث عنف، سقط على إثره ضحايا في شارع النيل بجوار منطقة الاعتصام"، وطالب المهدي بخطوات سريعة "توقف تدحرج الوطن الوشيك نحو مصيرٍ مجهول".

ودعا حزب المهدي في بيان صدر الأحد 2 يونيو، إلى الالتزام الصارم بوحدة "قوى الحرية والتغيير"، معتبراً أنه السبيل الوحيد "لتفويت الفرصة على أعداء الثورة، والمتربّصين بها، وذلك باعتماد مرجعية قيادية، وأخرى تنفيذية متوافق عليهما لإدارة الفترة الانتقالية، والتصدي لتحديات التحول، ولإحداث اختراق مأمول في العملية السياسية التفاوضية المستمرة".

وطالب المجلس العسكري "بالنهوض بمسؤولياته، في التصدي للثورة المضادة، التي بدأت تطل بوجوهها من دون مواربة، واستئناف المفاوضات المتوقفة، لقطع الطريق على كل رُدةٍ محتملة"، وناشد المعارضة "بالعمل الحثيث كي لا تضيـع مكاسب الثورة، من خلال الإذعان للأجندات المغالية التي تغذّي الثورة المضادة، والمتربصة".

رسالة من واشنطن

شجبت وزارة الخارجية الأميركية "عمليات القتل التي حصلت في الفترة الأخيرة في العاصمة السودانية قرب محيط الاعتصام"، وأعلنت "عدم اعترافها بالمجلس العسكري حاكماً للبلاد".

وطالب مساعد وزير الخارجية تيبور ناغي، المجلس العسكري، بوقف "المحاولات الرامية لتكميم الأفواه، وضمان عدم حدوث المزيد من العنف ضد المدنيين العزل".

وقال المسؤول الأميركي في تغريدة على تويتر إن "قمع حرية التعبير ووسائل الإعلام، هما من السمات المميزة للنظام السابق"، داعياً المجلس العسكري إلى وقفها.

كما أوضح أن "بلاده لن تعترف بالمجلس العسكري كحاكم للبلاد، وإنما كمشارك في الفترة الانتقالية التي تقودها حكومة مدنية".

وأضاف "ندعو كل من المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير إلى العودة إلى المفاوضات والتوصل إلى اتفاق... لقد حان الوقت لكي يبدأ السودان فصلاً جديداً".

المزيد من العالم العربي