Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

على الجبهة… في المدينة الأوكرانية على الحدود مع روسيا

لا تتجاوز المسافة الفاصلة بين خاركيف والحدود الروسية 25 ميلاً وفي المدينة كثير من المتعاطفين مع "إخوانهم" في البلد المجاور، تقرير محرر الشؤون الدولية كيم سنغوبتا من الحاضرة الأوكرانية الحدودية

عناصر الاحتياط في قوات الدفاع البرية الأوكرانية يستمعون إلى التوجيهات خلال التمارين العسكرية في ميدان التدريب خارج خاركيف (رويترز)

صرح كيريل سيمينوف بغضب "يستحيل أن أحمل أنا أو أصدقائي مسدساً ونبدأ بقتال الروس. لقد قضينا كل حياتنا معاً والآن يحاول بعض الأشخاص أن يحولونا إلى أعداء ويشعلوا معركة دموية".

أمام تلاشي الخيارات الدبلوماسية كما يبدو لمنع اندلاع حرب جديدة في أوروبا، بدأ الأوكرانيون يعدون العدة للأيام المقبلة التي يخشون أن تكون قاتمة وعنيفة. وسارع الآلاف بالانضمام إلى مجموعات المتطوعين الذين يقسمون على مقاومة والتصدي للغزو الذي أمر فلاديمير بوتين بشنه، وهم يعتقدون أنه وشيك.

ولكن أشخاصاً آخرين يرون أن سلوك حكومة كييف التي يحرضها الغرب يخلق صراعاً يستفز موسكو ويستدرجها إلى الدخول في حرب ستكون نتائجها كارثية على أوكرانيا.  

لكن هذا الرأي غير شائع [غير شعبي] في معظم مناطق البلد الذي احتشدت على حدوده قوات روسية قوامها أكثر من 100 ألف جندي، فيما يجري الكرملين محادثات شكلية مع الغرب قبل أن يشن هجومه.

ولكن الآراء التي عبر عنها السيد سيمينوف من ساحة الحرية في خاركيف، منتشرة بدرجة متفاوتة، في أوساط نسبة كبيرة من سكان هذه المدينة الناطقين بالروسية.

وقال مهندس الكهرباء، البالغ من العمر 48 عاماً، "إن الأميركيين والناتو هم من يشعلون فتيل الحرب عن طريق قولهم للناس في كييف ألا يساوموا، وهم يستخدمون أوكرانيا من جديد لتنفيذ مآربهم نيابة عنهم. إذا اندلع القتال بالفعل، هل سيأتي الناتو إلى هنا ليحارب الروس؟ كلا، بالطبع، لقد قال أساساً إنه لن يأتي".

لا تبعد خاركيف سوى 25 ميلاً عن الحدود الروسية و150 ميلاً عن دونيتسك ولوهانسك. وقد دار هنا كذلك جزء من الصراع الشرس الذي أدى إلى تحول تلك المدينتين إلى جمهوريتين انفصاليتين منذ ثمانية أعوام.

يتكلم نحو 74 في المئة من سكان خاركيف البالغ عددهم الإجمالي 1.4 مليون نسمة، اللغة الروسية. الأسبوع الماضي، زعم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن موسكو قد تحاول الاستيلاء على المدينة بحجة "حماية" هؤلاء الأشخاص- وهو عمل سوف "يشكل بداية حرب واسعة النطاق".  

وتعد خاركيف كذلك المقر الرئيس للنائب الأوكراني السابق يفين موراييف، الذي سمته الحكومة البريطانية باعتباره الزعيم الذي اختاره بوتين لترؤس نظام صوري بعد الاجتياح والاحتلال.

ولكن هذا الزعم قوبل بتشكيك واسع النطاق. وهدد السيد موراييف نفسه برفع دعوى قضائية على الحكومة البريطانية ودعاها لإبراز الدليل الذي يدعم مزاعمها.

غير أن صلات المدينة بروسيا تعود إلى زمن بعيد.

خطط فيكتور يانوكوفيتش، الرئيس [السابق] الموالي لموسكو الذي أدى خلعه من منصبه عن طريق احتجاجات ساحة "الميدان" إلى اندلاع النزاع في عام 2014، وتقسيم أوكرانيا، لفترة وجيزة أن يستقر في خاركيف بعد فراره من العاصمة. ولكنه سرعان ما غادر باتجاه شبه جزيرة القرم قبل أن يختفي في منفاه في جنوب روسيا.

ويضيف السيد سيمينوف "ربما تذكر وقوع مشاكل كثيرة هنا في عام 2014، على غرار ما حدث في مدن منطقة دونباس. هدأ الوضع قليلاً ولكن درجة التوتر مرتفعة جداً الآن بعد الحديث عن الحرب. وكل الوقت، تطالعك كل هذه الأمور التافهة المسببة للانقسام"، وأشار بيده إلى خيمة تجنيد وضعت فيها صور وأقوال ملهمة لوينستون تشرشل وشارل ديغول ورسوم كاريكاتير لبوتين وقادة روس من حقبة الاتحاد السوفياتي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فيما كان السيد سيمينوف يتكلم، توقفت سيدة كانت تشق طريقها عبر الثلوج لتدلي برأيها وقالت "يحاولون خلق الانطباع بأن خاركيف معادية للروس، ولكن ذلك غير صحيح. فالروس إخوتنا ولن يلحقوا بنا الأذى أبداً، ولا يهاجمونا طبعاً. هذه كلها دعايات من الولايات المتحدة والناتو. ستكون أوكرانيا محظوظة لو حظيت بزعيم مثل بوتين". ورفضت السيدة أن تقول اسمها.

ومن جهته، اعتبر ميخائيل بيتروفيتش غودونوف، مدير جمعية السلافيين الشرقيين في خاركيف، التي تجمع الناطقين بالروسية، أن "تصريحات زيلينسكي خلقت كثيراً من التوتر، وجعلت الناس يخافون من المستقبل".   

وأضاف "شهد الشهران الأخيران كثيراً من مظاهر كراهية الروس والأجانب. وهناك بعض الأمور مثل قوانين اللغة التي تفرض على البائع أن يتكلم مع الزبون بالأوكرانية أولاً وليس الروسية، ما الداعي لخلق هذه الانقسامات؟".

لا يعتقد السيد غودونوف، وهو محامٍ متقاعد، أن الحرب ستندلع.

"لا أعتقد أننا سنتعرض للغزو. بوتين رجل ذكي: لن يقدم على خطوة خطيرة كهذه. يتكلمون عن وجود 100 ألف جندي على الجانب الآخر من الحدود ولكنك ستحتاج إلى مليون جندي لغزو أوكرانيا".

وأضاف "لا يجري التعامل مع مشاكل المدنيين في شرق البلاد. لا يمكن لسكان المناطق الرمادية (الخطوط الأمامية) والجمهوريتين (دونيتسك ولوهانسك) أن يعيشوا حياة عادية، وحتى حركة التنقل عسيرة بسبب حواجز التفتيش، وهناك شعور بالنقمة لهذا السبب. ولكن بالنسبة لخاركيف، لن تحدث مشاكل هنا، ولا أي أعمال عنف".

ولكن نيكولاي، العامل في مجال البناء الذين يبلغ من العمر 26 عاماً ويتحدث الروسية، لم يشاركه هذه الثقة.

"كثير من الناس سئموا من طريقة معاملة الثقافة الروسية هنا. لا تنس أن هذه المدينة كانت عاصمة أوكرانيا في يوم من الأيام، ونحن مدركون لهويتنا".

وقال نيكولاي، الذي لم يرغب في الإعلان عن اسم عائلته، إنه شارك في المواجهات "ضد الفاشيين" في عام 2014 ولا يشعر بالندم لما فعله. وأضاف "أنا الآن أكبر سناً ولدي عائلة، ولا أريد التورط في أي مشاكل إنما لا أريد أن يحدث أي تحريض يهدف لإشعال فتيل الحرب مع روسيا".

ويؤكد عمدة المدينة، إيغور تيريخوف، من جهته أن كل الأمور تحت السيطرة.   

وصرح في رسالة علنية طالب فيها بـ"الهدوء"، "أريد أن أطمئن الجميع بأننا مستعدون لصد أي غازٍ محتمل، ولدينا كل القوات من أجل الدفاع عن خاركيف".

ولكن لا يمكن للجميع أن يلتزم الهدوء والصبر. فرت عائلة فيكتوريا بالمارتشوك من شبه جزيرة القرم بعد ضمها إلى روسيا عام 2014، وتقول إنها تعرف جيداً مشاعر الخوف التي تدفع الناس إلى النزوح.

وتابعت السيدة بالمارتشوك بقولها، "أعلم أن الوضع هنا لا يشبه وضع شبه جزيرة القرم. ولكنني أتذكر كذلك كم تغيرت ظروف حياتنا هناك بسرعة. أصبح الاستقطاب سيد الموقف فجأة، وتغيرت أحوال من لم يدينوا بالولاء لروسيا، وأذكر كم أصبح جيراننا روسيين أكثر فيما تحولنا نحن إلى دخلاء".

"نحن نفكر من باب الاحتياط فقط أن ننتقل إلى كييف أو حتى لفيف  إلى أن تحل هذه المسألة. أعمل وزوجي في مجال تكنولوجيا المعلومات، ولذلك يمكننا العمل من أي مكان وهذا عامل مساعد. إنما لا يسعنا التوقف عن القلق".

تعد خاركيف مدينة صناعية كانت تضم مصانع طائرات ودبابات وجرارات زراعية. ولكنها تحولت في السنوات الأخيرة إلى مركز للتكنولوجيا فيه أكثر من 50 ألف شخص يعملون في مجال تكنولوجيا المعلومات، ولديها طموح بأن تصبح النسخة الأوكرانية عن وادي السيليكون. 

واعتبر آندريه يورتشينكو "من الغريب أن نفكر في أننا نعمل في قطاع متطور ومتقدم، وعلينا في الوقت نفسه مواجهة أمر بدائي كالحرب".

وقال مهندس البرمجيات، البالغ من العمر 26 عاماً، وهو يجلس داخل حانة في وسط المدينة، إنه سيضطر إلى مراقبة كمية الكحول التي يحتسيها لأنه بدأ بحضور صفوف تدريب إضافية مع قوات المتطوعين الحكومية.  

وأضاف السيد يورتشينكو "لا أعتقد أن الحرب وسيلة منطقية لحل المشاكل. ولكن لدينا في موسكو رجل اسمه السيد بوتين، وهو ليس شخصاً منطقياً جداً وما يفعله يؤثر على حياتنا جميعاً. لا نعلم ما سيحدث لاحقاً، فهذه المدينة مختلطة كثيراً، فلنأمل ألا تحصل أي انقسامات".

عند الحاجز الحدودي المكسو بالثلج بين أوكرانيا وروسيا، كان صديقان قديمان يتمنيان ألا تنقسم المجتمعات المحلية. تعرف الروسي سيرغي غريتسوف والأوكراني سيرغي سفيتوتشيك، البالغان من العمر 62 عاماً، على بعضهما منذ أربعين عاماً في الجامعة.  

وقال السيد غريستوف "كنا نعبر الحدود لنجتمع مع عائلتينا وكل أصدقائنا، لكي نأكل ونشرب ونتبضع من دون أي مشاكل. نحب أن نفكر في أن هذا الوضع سيستمر مع أولادنا كذلك ولكننا قلقون من كل هذه الأحداث".

لا يشك السيد سفيتوتشك أبداً في أنه لو تُرك الأمر لسكان خاركيف، لما اختلفوا أبداً. ولكن كما يقول "يسعى بعض السياسيين لاستغلال الناس، وتحريضهم على بعض".

"وأنا على يقين بأن بعض الشركات الفاسدة متورطة بهذا الموضوع كذلك- وثنائي السياسيين والمؤسسات هذا يحقق الأرباح كلما وقعت مشاكل". 

© The Independent