Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عندما تتحول الأعمال الفنية في السوق إلى ملفات وكودات

بورصة الفن العالمي من "الأشرار المشفرين" إلى نادي "القرد الضجر"

عمل للفنان الأميركي  مايك وينلكمان (الخدمة الإعلامية)

كتب أحد هواة جمع الأعمال الفنية الأميركيين البارزين على صفحته في "تويتر" أن حسابه قد تم اختراقه واستولى اللصوص على ما فيه من صور، بينها خمسة أعمال من مجموعة "نادي يخت القرد الضجر" المعروفة اختصاراً بـ"BAYC" ويقدر ثمنها بأكثر من مليونين من الدولارات. لم تمر أيام حتى ظهرت التدوينة نفسها معروضة للبيع على أحد منصات التداول الرقمي بعد أن تم تحويلها إلى ملف "NFT"، ما يتيح فرصة اقتنائها، مع بصمة رقمية خاصة بها تمكن مقتنيها من الاحتفاظ بها كملكية خاصة يمكن بيعها في ما بعد.

قد تكون هذه المقدمة مربكة، فالخبر الذي تناقلته مواقع وصحف دولية يسلط الضوء على عالم لا تزال ملامحه قيد التشكل. فكثير من منصات التداول الرقمي للملفات المشفرة غير القابلة للتداول والمعروفة اختصاراً بـ"NFT" هي منصات حديثة نسبياً، وظهر أغلبها إلى الوجود خلال الأعوام الأربعة الماضية فقط. مثل العام الماضي مرحلة محورية في تطور هذه المنصات، إذ شهدت الأشهر الأولى منه رواجاً غير مسبوق لها، ومع نهايته كانت سوق الرسوم المشفرة قد رسخت وجودها بالفعل كواقع جديد في طريقه للنمو بشكل متسارع. خلال هذا العام فقط، اخترقت هذه السوق الكثير من المجالات وجذبت إليها العديد من الوسائط والعناصر التي يمكن تحويلها إلى ملفات مشفرة، من الصور الرقمية إلى تدوينات المشاهير والقطع الموسيقية وغيرها.

لامست هذه السوق المتعاظمة في هذا العام بقوة طبيعة الممارسة الفنية حين بيعت لوحة الفنان والغرافيكي الأميركي مايك وينكلمان بمبلغ يقارب سبعين مليون دولار من العملات المشفرة من طريق إحدى صالات المزادات الشهيرة، كأول عمل فني مشفر يتم بيعه عبر صالة مزادات. وهذا ما طرح العديد من علامات الاستفهام حول ملامح الممارسة الفنية وطبيعة أسواق الفن المستقبلية، هذه الأسواق التي يمكن أن تتحول خلالها الأعمال الفنية إلى مجرد ملفات وأكواد أو رموز مشفرة.

تبدأ أطراف الحكاية تحديداً في منتصف عام 2017 حين ابتكرت إحدى شركات البرمجة الأميركية، وهي شركة لارفا لاب، مجموعة من الرسوم الرقمية المشفرة وعددها عشرة آلاف رسم مشفر. استلهمت فكرة هذه الرسوم من عالم العملات المشفرة، غير أنها تختلف عنها في كونها رموزاً فريدة وغير قابلة للبدل. وتميز كل واحد من هذه الوجوه بسمة مختلفة عن بسمة الآخر وبصمة خاصة تضمن حقوق ملكيتها لمن يشتريها. بيعت نصف هذه الرسوم التي تشبه شخصيات الألعاب الإلكترونية فور طرحها بمبلغ يتجاوز الألفي دولار بقليل، فيما وزعت بقيتها مجاناً أو أعطيت كهدايا لعملاء الشركة. وقد تم طرح الرسوم تحت اسم موحد وهو "كريبتو بانك" أو الأشرار المشفرون.

كان الأمر حينها مثيراً للدهشة والتساؤل، فكيف تباع مجموعة من الصور الرقمية المشفرة بمثل هذا المبلغ الكبير؟ غير أن سوق الصور المشفرة التي بدأت لتوها في النمو، كانت تحمل في جعبتها الكثير من أسباب الدهشة والعجب. فبعد أربع سنوات فقط وصل سعر هذه الرسوم إلى أرقام لا تصدق، فقد شهد عام 2021 أعلى الأرقام مبيعاً للصور المشفرة وأكثرها جنوناً، إذ تم بيع عدد قليل من رسوم "كريبتو بانك" مقابل مبلغ يتجاوز السبعة ملايين ونيف دولار خلال مارس (آذار) الماضي. وهو الشهر نفسه الذي بيعت فيه لوحة الفنان الأميركي مايك وينكلمان مقابل مبلغ يقارب سبعين مليون دولار.

نادي القرد الضجر

خلال هذه الأعوام الأربعة الماضية ظهرت العديد من المشاريع والأفكار المستلهمة من مشروع كريبتو بانك، غير أن أكثرها شهرة اليوم هو مجموعة "نادي يخت القرد الضجر" المعروفة اختصاراً في عالم الرسوم المشفرة بـ"BAYC" وهي مجموعة من الرسوم الرقمية عددها عشرة آلاف، ويمثل كل منها وجهاً لقرد، لكل واحد من هذه القرود سمة مميزة عن الآخر. تختلف قيمة كل قرد حسب فرادته، وهي تتمايز عن بعضها من طريق ألوان الخلفية والملابس والقبعة وشكل العينين ولون الفراء، وعادة ما يتم تداول السمات الأكثر ندرة بسعر أعلى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تختلف مجموعة رسوم القرد الضجر عن غيرها بأنها تتيح لمقتنيها فرصة الولوج إلى مزايا أخرى عديدة وخدمات حصرية على أعضاء النادي. يمكن لمالك أحد هذه القرود مثلاً أن يحصل على كود مجاني أشبه بمصل يستطيع من طريقه مالك القرد أن يغير من ملامح الرسم الأصلي تماماً، فيحصل على قرد جديد لا علاقة له بالأول. يمكنه أيضاً الحصول مجاناً على رمز لكلب مشفر، وهي مجموعة أخرى من الرسوم التابعة لنادي القرد الضجر. كما يمكن لمالكي القرود الاستمتاع بإحدى الألعاب الإلكترونية المصممة خصيصاً لأعضاء النادي، أو يتاح لهم الولوج إلى مرحاض النادي، وهي مساحة افتراضية حصرية على أصحاب هذه الصور المشفرة يمكنهم خلالها الكتابة أو الرسم على جدرانها. يبدو الأمر هنا كأننا أمام "غيتو" رقمي مليء بالأسرار والغموض صمم ليكون حكراً على من يمتلك مفاتيحه وأكواده فقط، والمتمثلة في هذه الصور المشفرة. وهكذا تمكن أصحاب المشروع من توسيع آفاق هذا النموذج في عالم الرموز المشفرة غير القابلة للبدل، ما أدى إلى استمرار الاهتمام بالرسوم، وارتفاع أسعارها إلى مستويات مذهلة حتى تخطى سعر بعضها عتبة العشرة ملايين دولار من العملات المشفرة.

ماذا يعني هذا الأمر وكيف ينعكس على سوق الفن العالمية؟ بدا هذا التساؤل ملحاً ومطروحاً بقوة اليوم، بخاصة بعد بيع لوحة وينكلمان التي أصبحت بين يوم وليلة حديث الناس والمهتمين بعالم الفن في كل مكان. "منذ هذه اللحظة التي بيعت فيها لوحة وينكلمان تغير كل شيء"، حسب تعليق القيمة الأميركية ونائب الرئيس التنفيذي في صالة مزادات كريستيز - شين لي كوهين، فمنذ هذا التاريخ، كما تقول كوهين، بدا الاهتمام بسوق الرسوم المشفرة في تزايد من قبل جامعي الأعمال الفنية من كل أنحاء العالم. يكفي أن نعلم فقط أن سوق الرسوم الرقمية قد تخطت عتبة الملياري دولار خلال النصف الثاني من العام المنصرم في زيادة على العام الذي سبقه بما يقارب عشرة أضعاف، ويبدو أنها مرشحة للنمو.

فهل سينعكس ذلك على طبيعة الممارسة والحراك الفني العالمي؟ لا شك أن السنوات القليلة المقبلة كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال، فالعالم يتغير على نحو متسارع، وتتغير معه طبيعة العلاقات والمفاهيم والأفكار، وتتبدل معها الذائقة الجماعية، كما أن أسواق الفن دائماً ما مثلت دافعاً وداعماً للتحولات الكبرى والانعطافات المهمة في تاريخ الفن. ويبدو أن عام 2021 كان أشبه بنافذة تطل على مستقبل مثير للممارسة الفنية وطبيعة التحولات التي يمكن أن تطرأ عليها، وهو مستقبل ربما يكون أقرب مما نتصور.

المزيد من ثقافة