Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قيم الأسرة المصرية في مهب أثير "أصحاب ولا أعز"

محاكمة شعبية ومعركة حامية لجمهور لم يرَ الفيلم وسيناريو النسخة الإيطالية حصل على جائزة نجيب محفوظ عام 2016

فيلم "أصحاب ولا أعز" أثار جدلا واسعا بين المصريين (سينما دوت كوم)

على الرغم من غياب أحد أضلع المثلث ألا وهو السياسة، فإن احتقان والتهاب وتقيح ضلعي الدين والجنس عوضا الغياب وفاضا. أهمية قراءة ومتابعة بالونات السجال وقنابل النقاش وبراكين الخلاف والاختلاف التي تدور رحاها حول ما يتصور البعض أنها صغائر الأمور تكمن في أن الخروج برؤية عنها والوصول إلى تحليل لها يجعل منها كبائر الأمور وعظائم الشؤون.

أمور المصريين وشؤونهم هذه الأيام يطغى عليها ويهيمن فيها فيلم "أصحاب ولا أعز". وكالعادة، فإن الطغيان والهيمنة لا يتعلقان بجوانب الفيلم الفنية أو زواياه الإنتاجية، لكنهما يصبان في صميم نسيج المجتمع المصري، الذي يمر بمرحلة بالغة الحساسية من مراحل التحول والتغير التي لم تتشكل ملامحها بعد.

غرباء كلية

ملامح الفيلم الزوبعة "أصحاب ولا أعز" المأخوذ عن نظيره الإيطالي المعروف "غرباء كلية" أو Perfect Strangers تشير إلى نسخة عربية منه تم تقديمها في 18 نسخة بثقافات مختلفة منذ صدور النسخة الأصلية في عام 2016. النسخة العربية ليست بالعربية فقط، لكنها تخاطب الثقافة العربية، وهو ما نجم عنه في مصر قنابل عنقودية وانشطارات ومفرقعات وهوجة نقاشية وغضبة استنفارية، وصلت إلى حد مطالبات بالمنع والحجب والمصادرة والممانعة لتطبيقات مشاهدة عنكبوتية أبرزها "نتفليكس" منصة العرض الرئيسة، ومعاقبة لكل مصري ومصرية ضلع في هذا الفيلم "الذي يهدد ويدمر قيم الأسرة المصرية"، وفي أقوال أخرى "يفتت ويخرب مبادئ المجتمع المصري وأخلاقياته وسلوكياته المحترمة السليمة المحافظة القويمة".

قام المجتمع المصري عن بكرة أبيه، باستثناءات قليلة، ذات صباح صاباً غضبه وموجهاً انتفاضته على الفيلم المذكور، الذي تتلخص المعلومات الشعبوية الخاصة به في ثلاث نقاط لا رابع لها هي: منى زكي تمثل في الفيلم، وهناك مشهد لها تخلع ملابسها الداخلية قبل الخروج من البيت، والفيلم سيهدم الأسرة المصرية على رؤوس أفرادها.

غضب شعبي عارم

أفراد عاديون في الشارع لا يعرفون عن "نتفليكس" سوى اسمها، وآخرون لا يعرفون اسم الفيلم بالتحديد، وفريق آخر لم ولن يشاهد الفيلم حفاظاً على الأخلاق ومراعاة للقيم، ورابع يطالب بقطع الإنترنت عن البيوت وفصل الشاشات عن الكهرباء وحجب الإعلانات عن المتصفحين ورفع القضايا على المشاركين وصب الغضب على الجميع، وخامس وهب وقته وجهده للتنقيب في أغوار الشبكة العنكبوتية وقص تعليق هنا ولصق رؤية هناك وإلحاق دعاء بجلب اللعنات على الزنادقة هنا وتأطير نتاج القص واللصق في تدوينة نارية تحمل عنوان "انتفضوا لحماية قيم الأسرة المصرية".

الغرض هو الهدم

قيم الأسرة المصرية وجدت نفسها ذات صباح تقف في مواجهة فيلم أنتجه تطبيق مشاهدة "نتفليكس" الشهير. القصة التي باتت معروفة للجميع بفعل العنعنة، حيث فلان أخبر صديقاً أن قريباً قال لجار إن أحدهم شاهد الفيلم وقال إنه يعرض لهدم الأسرة المصرية وتدمير المجتمع المصري والقضاء على الحضارة المصرية وهدم الثقافة المصرية، وبالطبع معاداة الدين ومحاربة المتدينين.

وصل الأمر لدرجة الخروج بنظريات نارية مفادها أن تطبيقات مشاهدة غربية تم تدشينها خصيصاً لنشر الشذوذ (المثلية) وتوغل التطبيع وهدم مصر على رؤوس سكانها، أو أن الشرق الأوسط الجديد يمر بـ"أصحاب ولا أعز"، أو أن "الفوضى الخلاقة يجري إعادة محاولة نشرها عبر الفيلم"، والقائمة طويلة جداً ومستمرة ومتجددة.

لا تجديد الخطاب الديني أو تعديل المسار الثقافي أو تحديث التفكير النقدي أو تأكيد الإعمال العقلي أمور واردة في المعركة حامية الوطيس الدائرة رحاها. فقد تعدى الأمر مجرد فقاعة جدلية أو معركة سجالية معتادة، حيث فريق يؤيد وآخر يعارض وقاعدة عريضة ترفع راية "الهبدولوجي" (كلمة ساخرة حولت الهبد، أي السفسطة والنقاش غير ذي جدوى ومن دون علم أو معرفة إلى علم) بضعة أيام على منصات التواصل الاجتماعي، ثم تهدأ وتخفت لتظهر غيرها وهلم جرا.

ما يجري من غضبة عظمى وانتفاضة قصوى في مصر على فيلم "أصحاب ولا أعز" تنطلق مبدئياً من غالبية مطلقة لم تشاهد الفيلم أصلاً، ولكنها الغالبية التي اعتنقت مذهب "لا تجادل ولا تناقش يا أخ علي وإلا وقعت في المحظور"، (جملة مأخوذة من فيلم "الإرهابي" تلخص منهجاً فكرياً ساد في المجتمع المصري في العقود الخمسة الماضية، حيث انتشار لفكر ديني مظهري متشدد استمد قوته من تكفير التفكير).

لم ولن أشاهد الفيلم

أحمد عامل المخبز الثلاثيني يردد أدعية دينية تتمنى إلحاق الغضب الإلهي والسخط السماوي على كل من شارك في هذا الفيلم. لكنه لم يشاهده، لكنه رأى المقاطع "المهمة" التي أرسلها له صديقه الذي لم يشاهد الفيلم أيضاً. أحمد الذي يشاهد المقاطع مراراً ويرسلها إلى معارفه تكراراً لا يعرف قصة الفيلم ولا يريد أن يعرفها. ويكفيه، حسب قوله، ما فيه من دعوة إلى الشذوذ (المثلية) وترويج لخيانة الزوجات وتجميل للعلاقات المشبوهة، "وهذا يناقض ديننا ويخرب بيوتنا ويفسد أخلاق نسائنا".

تقييم أحمد الفني والنقدي والثقافي والديني والجنسي للفيلم الذي لم ولن يشاهده لا يختلف كثيراً عن تقييم كثيرين في المجتمع المصري، مع اختلاف الألفاظ وتراوح المسميات. جميعها يصب في خانة "قيم الأسرة المصرية" وهي القيم التي صارت عنواناً لمبادرات دفاعية، وشعاراً لحملات هجومية، ونبراساً تسير عليه الملايين ويعتمد عليه سن قوانين ويرد ذكره في دعوى قضائية وبلاغات شرطية وتحركات برلمانية.

تحرك برلماني

البرلماني المصري والكاتب الصحافي مصطفى بكري تحرك برلمانياً قبل أيام قليلة متقدماً ببيان عاجل لمعرفة الإجراءات التي اتخذتها وزارة الثقافة المصرية لـ"مواجهة" هذه النوعية من الأفلام. وقال إنه "تم الإعلان عن إنتاج فيلم اسمه (أصحاب ولا أعز) يدعو إلى المثلية الجنسية بشكل واضح وصريح. ونظراً إلى خطورة الفيلم الذي تم إنتاجه من قبل منصة (نتفليكس) أرجو معرفة الإجراءات التي اتخذتها وزارة الثقافة لمواجهة هذا النوع من الأفلام".

هذا النوع من الأفلام والمسلسلات والأحداث والحوادث بات يستنفر المجتمع المصري في العقود القليلة الأخيرة، عقود المد الديني المتشدد وتغيير دفة الثقافة والميل إلى المحافظة وانغلاق طرح الأفكار على حساب إعمال العقل وفتح الأفق أمام النقاش.

هذا النوع من الأفلام، حسبما يقول بكري، له رسالة "وهي ضرب كل الثوابت لتكون هناك حالة من التردي تحت مسمى حرية الإبداع. والقيم الخاصة بنا وبديننا ترفض المثلية الجنسية. الفيلم ما هو إلا مخطط يريد استباحة كل قيم المجتمع".

النزاع على قيم الأسرة

قيم المجتمع والأسرة المصرية وجدت نفسها مثار نزاع شديد مسلطاً الضوء على عوار رهيب وتباين عتيد وتناقض غير مسبوق، حيث ما يضرب القيم ويصيبها في المقتل هنا يمر مرور الكرام هناك. ومن دون اتفاق مسبق أو تخطيط مدبر، خرجت قلة من المصريين تضرب أخماساً في أسداس على ما سمته بـ"التناقض المريع" فيما يختص بالقيم الأسرية.

المحامية والإعلامية نهاد أبو القمصان وقفت على الضفة المقابلة لبكري الذي يقول إنه "شعر بالقرف عندما شاهد الفيلم الذي يروج لقيم تريد استباحة قيم الأسرة المصرية". بلهجة ساخرة كتبت، "ألف سلامة على قيم الأسرة المصرية. لكن لماذا تُخدش قيم الأسرة المصرية بهذه السرعة؟ هل لدينا أصلاً قيم أسرية واضحة ومحددة نستطيع القياس عليها؟".

أسئلة أبو القمصان الاستنكارية أعقبها سرد لمجموعة من الحوادث والأحداث التي تجري في مصر من دون أن يشعر برلمانيون بقرف، أو يُستنفر المجتمع لحماية قيمه والعائلات، أو ينزعج أحد، إلا من رحم ربي. فمن ابن عم أسهم مع آخرين في فضح ابنة عمه عبر صور عارية على الإنترنت حتى انتحرت، إلى شاب استأجر رجلاً لينتهك عرض شقيقته ليضغط عليها لتتنازل عن ميراثها، لآخر أشعل النيران في شقيقته ليستولي على ميراثها، إلى الزوج الذي أرسل صديقاً ليغتصب زوجته حتى يطلقها بفضيحة، إلى الكم الكبير من بلاغات ابتزاز تتعرض لها الفتيات على الإنترنت، إلى معدلات العنف الأسري المرتفعة، إلى التحرش بالإناث.

وتضيف أبو القمصان أن "التحرش لم ينخفض من 86 إلى 12 في المئة إلا بعدما تم تمكين الفتيات والنساء للإبلاغ والمقاومة ورفض اعتبار التحرش بهن مسألة عادية، وذلك بعد عقود من التكتيم على التحرش واعتباره ظاهرة من ظواهر الطبيعة".

وأضافت أن "المجتمع سيتطهر حين يتمكن الفن من وضع يده على العفن المعشش وفتح الجراح وتنظيفها. الفيلم فيه ألف رسالة لمن يود الغطس في بالوعة المجتمع ومعرفة ما يدور فيه بغرض التطهير. فيا حبذا لو يتوقف القلقون على قيم الأسرة المصرية عن التوجه إلى نتفليكس ومشاهدة الفيلم وتأجيل غضبكم لحين عرض الفيلم على شاشات تلفزيون الدولة".

الصحف طرف

المثير أن صحف الدولة سارعت إلى زمرة من اعتبروا عرض فيلم يحوي دوراً لشخص مثلي وآخرين يرتكبون خيانات زوجية هو ترويجاً للمثلية ودعماً للعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج. بادرت صحف حكومية إلى طلب العون الإفتائي من علماء الدين لبيان حكم الإسلام في "من ينادي بالمثلية ويروج للزنى". وبالطبع جاءت الإفتاءات متطابقة في أن الزنى من الكبائر، واللواط والشذوذ حرام، والفحشاء والمنكر منهي عنهما، وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال حرام، وأن مخالفة ما سبق من شأنه أن يُدمر الاجتماع البشري، ويُؤْذِن بسوء العاقبة في الدنيا والآخرة.

وتساءل البعض عن سبب عدم توجيه أسئلة مشابهة لرجال الدين في شأن الدراما التي تقدم قصصاً عن نصابين ومحتالين ومغتصبين ومرتشين وكاذبين، لبيان إن كان النصب والاحتيال والإفك والاغتصاب والرشوة والكذب حلالاً أم حراماً، وذلك في تساؤل ساخر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سخرية القدر، كما يرى البعض في ضوء الحرب الضارية الدائرة حول الفيلم هي أن تغمض ملايين أعينهم وتقسو قلوبهم وتجمد عقولهم لدى تعرية سيدة مسيحية مسنة في مايو (أيار) عام 2016 في قرية الكرم في المنيا (صعيد مصر) وضربها في الشارع، إذ قام متشددون بحرق والتعدي على بيوت أقباط في القرية على خلفية علاقة عاطفية بين مسلمة ومسيحي. وظلت المحكمة تحكم ببراءة المتهمين ثم إدانة ثم تبرئة بعضهم، وتظلمات من السيدة إلى أن تم الحكم بالسجن على عشرة متهمين قبل أشهر قليلة، وذلك أمام تمسك السيدة بحقها.

حق السيدة السبعينية التي تعرت تماماً في الشارع وتعرضت لضرب مبرح لم يشكل تهديداً لقيم الأسرة المصرية في حينها. كذلك التحرش الجماعي بفتاة في فندق شهير. ومحاولات المراهق ابن رجل الأعمال الذي دهس ثلاثة مراهقين آخرين قبل أسابيع للحصول على البراءة على الرغم من السرعة الفائقة وتأثير الخمر فيه. والاستيلاء على ميراث النساء في العديد من القرى والمحافظات لا سيما في صعيد مصر، وتحميل المتحرَّش بها ذنب التحرش وغيرها يسردها كثيرون هذه الآونة على سبيل فضح ازدواجية المعايير في مسألة ما من شأنه الإضرار بقيم الأسرة المصرية وهدم قواعد المجتمع.

رفض الفيلم "من بابه"

محاولة البعض فضح ازدواجية المجتمع فيما يتعلق بماهية قيم الأسرة المصرية وما يهددها وما لا يؤثر فيها تقابله حالة جماعية من رفض الفيلم "من بابه". أستاذ اللغة العربية في مدرسة ثانوية حلمي سعيد (52 سنة) يقول، "الفيلم مرفوض من بابه (مجرد مناقشة ما ورد فيه). لا مجتمعنا ولا أخلاقنا ولا ديننا ولا ثقافتنا تسمح بمجرد التفكير في مثل هذه القضايا المقززة".

وعن وجود مثل هذه "القضايا المقززة" (مثلية وخيانة وزنى) في المجتمع فعلياً حتى لو اعتبرها المجتمع غير موجودة، قال بغضب "الموضوع مرفوض ومغلق من بابه".

باب مغاير يشير إليه الناقد الفني طارق الشناوي في مقال عنوانه "منى زكي وأشياء أخرى" وهو الباب محكم الإغلاق الذي يتصور البعض أنه موجود في عالمنا على الرغم من أنه غير موجود.

 يقول إن "الفيلم معروض بتنويه فوق 16 عاماً، مع الإشارة إلى أنه يحتوي على ألفاظ نابية، أي إنه يلقي الكرة في ملعب الجمهور. ولا تنسَ أن المنصة مشفرة، أي أمامك ثلاثة حواجز قبل الوصول للفيلم. بعدها تصبح المشاهدة مسؤوليتك". ويشير الشناوي إلى أنه قد حان الوقت منذ زمن لنتنفس إيقاع الدنيا، قائلاً "نحن لا نعيش في عالم محكم الأبواب. تحطمت كل الممنوعات السابقة. لسنا صدى للآخرين، لكن أفكارنا ومعتقداتنا لا تنفي أن للآخر مساحته وقواعده وأفكاره المغايرة".

أبواب التطبيقات

أبواب التطبيقات العنكبوتية ومنصاتها إذن غير قابلة للإغلاق. ويكفي أن "نتفليكس" التي يتعامل معها البعض حالياً باعتبارها "مشاركة في جريمة الفيلم" تعرض أفلاماً تحوي أضعاف ما هو موجود في "أصحاب ولا أعز" منذ سنوات طويلة ومستمرة وتشاهدها الأسر المصرية من دون أن يلتفت أحد لكونها تهدد قيم الأسرة المصرية.

اقتراح يتبناه حالياً البعض في فريق الأقلية الذي لا يشعر بدنو أجل الأسرة المصرية بسبب الفيلم، وهو اللجوء لهذا الاختراع المسمى بـ"الريموت" والقادر على فتح أو إغلاق ما يعرض على الشاشة من دون اشتراط تهشيم الشاشة لتوقف العرض.

عرض آخر طرحه أحدهم لـ"مجابهة" الفيلم والقضاء عليه بضربة قاضية مماثلة ولكن في اتجاه يوائم قيم الأسرة المصرية. المقترح الذي قدمه ميخائيل عماد هو أن يبادر الممتعضون إلى إنتاج فيلم من شأنه أن يحمي قيم الأسرة المصرية وليكن اسمه "ولاد البلد". ولتدُر قصة الفيلم عن إفطار مجموعة من الأصدقاء وزوجاتهم في شهر رمضان. وأثناء الإفطار وتناول الخشاف والكنافة باللوتس تتعرف المجموعة إلى حقيقة دكتور رفعت الذي يكشف على المرضى بالمجان، وزوجته إيمان المدرسة في مدرسة حكومية، التي تقاطع الدروس الخصوصية تماماً، وكذلك المهندس رامز المتفاني في بناء الطرق والجسور، وزوجته مدام ألفت الممرضة المتفانية في تقديم العلاج ورعاية المرضى بابتسامة الممرضات المعروفة. وكذلك أستاذ جرجس ومدام تريز ومهمتهما في الفيلم أنهما مسيحيان يقدمان حلويات شرقية من "العبد" (محل حلويات). وتتفاقم الـ"بلوت" حين تقترح مدام ألفت أن يتركوا هواتفهم المحمولة مفتوحة فيكتشف كل منهم أسراراً خطيرة عن الآخرين. فصاحب البيت يطعم المساكين سراً من دون أن تعلم زوجته، وأستاذ جرجس يصوم رمضان تضامناً مع المسلمين، ومدام إيمان تبرعت بمصوغاتها الذهبية لبناء الوطن وحماية قيم الأسرة المصرية.

مصر المستنيرة

قيم الأسرة المصرية في "مصر المستنيرة" وجدت صدى ورد فعل حاز إعجاب الأقلية وغضب الأغلبية، كل حسب موقفه من حجم الضرر الذي يمكن أن يلحق بقيم الأسرة المصرية جراء الفيلم.

 نقابة المهن التمثيلية أصدرت بياناً أمس، أشارت فيه إلى عدد من "الثوابت الأساسية"، أولها الحفاظ على حرية الإبداع في دولة مدنية تؤمن بالحرية، وهي جزء أساس من وجدان الفنانين المصريين تحميه النقابة وتدافع عنه. وثانيها أن النقابة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي اعتداء لفظي أو محاولة ترهيب معنوية لأي فنان مصري أو النيل منه بسبب عمل فني أسهم فيه، مع التأكيد أن النقابة ستدعم الفنانة منى زكي حال محاولة البعض اتخاذ إجراءات ضدها. وثالثها أن النقابة وهي تحرص على القيم الأصيلة للمجتمع المصري تؤكد أن دور الفنون والقوى الناعمة معالجة القضايا الشائكة ودق ناقوس الخطر على ظواهر كثيرة قد تتسرب للمجتمع. وهذا هو دور الفن في عمومه ودور التمثيل خصوصاً.

لكن المتابع لحال المجتمع المصري يرى عبر أحداث وحوادث أحدثها "أصحاب ولا أعز" أن المزاج العام يعتقد أن في إمكانه المضي قدماً في اعتناق مذهب الازدواجية في القيم، وإغلاق الأبواب وعصب العيون وصم الآذان إذا خرج على السطح ما يُفضل أن يبقى مخفياً. وطالما الممنوع (التابو) يجري في الخفاء فلا حرج في ذلك. أما إذا طُرِح في العلن، فإن دونه الرقاب.

الرقابة على المصنفات الفنية، التي انتهى عمرها الافتراضي بحكم طبيعة العصر العنكبوتي حيث الحديث عن الرقابة أشبه بالتطرق إلى الغول والعنقاء والخل الوفي، بادرت إلى تبرئة ساحتها، حيث الفيلم إنتاج لبناني "ولا شأن لنا به".

الطريف والمثير واللطيف أن فيلم "غرباء كلية" الإيطالي – المأخوذ منه "أصحاب ولا أعز"، حصل على جائزة نجيب محفوظ لأحسن سيناريو في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في عام 2016!