مايو 2019... تاريخ جديد لحروب أميركا التجارية والسياسية

أسوأ شهر للتجارة الحرة العالمية... وترمب ينهيه بجبهة أخرى مع المكسيك

الرئيس الأميركي ترمب شن عددا من الحروب التجارية والسياسية على أكثر من جبهة خلال مايو 2019 (أ.ف.ب)

لم تكد الحرب التجارية التي بدأتها الإدارة الأميركية بداية شهر مايو مع الصين تهدأ، حتى فتح الرئيس دونالد ترمب جبهة جديدة عندما أعلن على حسابه أمس أن رسوما جمركية بنسبة 5% ستفرض على البضائع الآتية من المكسيك اعتبارا من 10 يونيو (حزيران).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

القرار الجديد أحدث صدمة في الأسواق الأميركية والعالمية، إذ يشير إلى أن الحرب التجارية ستطال شركاء تجاريين كثراً لأميركا، وما بدأ في الصين وامتد اليوم إلى المكسيك سيصل غدا إلى كندا، وربما أوروبا في تغيير لاتفاقيات التعريفات الجمركية والتجارة العالمية المعروفة باتفاقيات "الغات"، التي اتخذت نحو 50 عاما من الإجراءات لتحرير التجارة بين الدول وتخفيف التعريفات الجمركية.

أسوأ شهر

وأصبح شهر مايو (أيار) من هذه السنة، هو الشهر الذي بدأت فيه مرحلة جديدة من الحمائية أو انغلاق الأسواق والاقتصادات وحتى السياسة، فمن الحرب الأميركية التجارية والتكنولوجية مع الصين، مرورا بتصاعد التوترات السياسية واستقالة رئيسة الوزراء في بريطانيا على خلفية ملف الانفصال عن الاتحاد الأوروبي المعروف بـ"البريكست"، وصولا إلى انتخابات البرلمان الأوروبي التي عززت وجود أحزاب اليمين المتطرف.

وأنهت الأسواق العالمية شهر مايو على تراجعات حادة لتعكس حالة الفوضى الاقتصادية والسياسية في العالم، التي تشير إلى اتجاه سلبي للاقتصادات العالمية في المرحلة المقبلة.

مؤشرات سلبية

فبينما شهدت مؤشرات الأسواق الأميركية الثلاثة (داو جونز) و(ناسداك) و(ستاندرد آند بورز 500) يوما داميا آخر بهبوط بنحو 1.5% مع إغلاق الأسواق أمس الجمعة، هبط (داو جونز) لسادس أسبوع على التوالي، وهي أطول سلسلة خسائر أسبوعية في ثمانية أعوام بحسب بيانات (رويترز)، بينما سجل المؤشران ستاندرد آند بورز 500 وناسداك رابع أسبوع على التوالي من الخسائر.

وتنهي المؤشرات الثلاثة الشهر على خسائر حادة مع هبوط ناسداك 7.93% وداو جونز 6.69% وستاندرد آند بورز 6.58%، وهي أول خسائر شهرية للمؤشرات الثلاثة في 2019.

من حرب تجارية إلى سياسية

وبينما كان العنوان العريض للحرب مع الصين اقتصاديا بعدما اتهمت واشنطن بكين بسرقة الملكية الفكرية للشركات الأميركية وخرق قوانين المنافسة العادلة، وتمتع الشركات الصينية بميزة اليوان الرخيص التي تجعل أسعار السلع الصينية أرخص من أميركا، اتخذت الحرب التجارية الجديدة مع المكسيك عنوانا سياسيا بامتياز متعلقا بالمهاجرين غير الشرعيين، حيث قال الرئيس الأميركي "إن الولايات المتّحدة ستفرض الرسوم الجمركيّة بنسبة 5% على كُلّ السّلع الواردة من المكسيك طالما استمر تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى بلاده عبر الحدود المكسيكية".

وتقع المكسيك على الحدود الجنوبية لأميركا، وتمتد على مسافات شاسعة تقارب 3,141 كم، وتشمل الوسط الأميركي من ولاية تكساس مرورا بنيومكسيسكو، ثم أيرزونا، وصولا إلى كاليفورنيا، حيث تفتح هذه المسافات بابا لعبور المهاجرين غير الشرعيين إلى الولايات المتحدة، ثم طلبهم اللجوء أو العمل بصورة غير شرعية. ويأتي المهاجرون غالبا من الدول التي تشهد صراعات سياسية وأزمات اقتصادية واجتماعية مثل تلك الدول التي تقع على حدود المكسيك الجنوبية مثل غواتيمالا وبيليز أو الملاصقة لهاتين الدولتين مثل هندوراس والسلفادور ثم نيكاراغوا وكوستاريكا.

 ويقطع المهاجرون المسافات من دولهم شمالا نحو المكسيك، وما إنْ يصلوا إلى الحدود الأميركية حتى يطلبوا اللجوء، حيث تعتبر الأراضي الأميركية تاريخيا ملاذا آمنا لطالبي اللجوء والساعين إلى فرصة جديدة للحياة أو ما يُعرف بـ"الحلم الأميركي".

أزمة الجمهوريين

يقول طارق الرفاعي، الرئيس التنفيذي لمركز "كروم" للدراسات الاستراتيجية لـ"إندبندنت عربية"، أن "هذه الحرب التجارية الجديدة التي فتحتها الولايات المتحدة الأميركية لم تكن متوقعة، لأن أميركا اتفقت في العام الماضي مع المكسيك وكندا على تجديد نظام التبادل التجاري بينها". ويضيف "أن السبب يعود إلى الضغوط التي تواجهها إدارة ترمب لعدم حل أزمة اللجوء على الحدود مع المكسيك، حيث يريد الرئيس الأميركي الضغط على الحكومة المكسيكية لوقف تدفق اللاجئين عبر حدودها".

ويرفع ترمب من مستوى العداء تجاه الأجانب منذ حملته الانتخابية الرئاسية في العام 2016، حيث كانت هذه اللهجة التصعيدية أحد أسباب نجاحه في الولايات ذات الغالبية المحافظة من الحزب الجمهوري والمؤيدين للطروحات المحافظة مثل تقنين تدفق العمالة الأجنبية وإجراءات اللجوء. وتعرف هذه الولايات باسم الولايات الجنوبية أو Southern States وكانت شعبية ترمب وحزبه الجمهوري بدأت بالتراجع، وهو ما ظهر في الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي التي تفوق فيها الديموقراطيون على الجمهوريين.

ركود عالمي قادم

لكن الرفاعي يرى أن هناك أسبابا أخرى خلف هذه الحروب التجارية، وامتداداتها السياسية في أوروبا وأميركا، فبرأيه "أن الضعف في النمو الاقتصادي العالمي هو السبب الرئيسي الذي يؤدي إلى هذه الحروب. فالاقتصاد الصيني على سبيل المثال بدأ في التباطؤ منذ العام 2010، والنمو الاقتصادي في أوروبا متباطئ منذ 10 سنوات، وهو ما يؤدي إلى المشاكل السياسية التي نراها اليوم، حيث يزداد الاتجاه القومي في أوروبا لأن هناك مشاكل اقتصادية".

وقد يكون ذلك مبررا في أوروبا، وربما الصين، لكن ليس في الولايات المتحدة التي يعيش اقتصادها واحدة من أطول فترات الانتعاش في 50 عاما، غير "أن الحرب التجارية مع المكسيك ستضر الطرفين" برأي الرفاعي، و"ستؤدي إلى ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة بينما ستزيد البطالة في المكسيك وتضعف نمو اقتصادها". وللرفاعي وجهة نظر أخرى إذ يقول "إن هذه الحروب ستؤدي إلى ركود اقتصادي عالمي، من الصين إلى أوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية".

 وكانت البورصات الأوروبية انهارت أمس على وقع هذه الحرب الجديدة، خصوصا قطاع السيارات وبعض البنوك الإسبانية التي لديها أعمال في المكسيك.

قطاع السيارات متأثر

وفي أميركا تأثرت أيضا أسهم شركات السيارات حيث تعتبر المكسيك هي المكان الذي تتخذه هذه الشركات للتصنيع والتجميع. وتراجعت أسهم (فورد) 2.36%، بينما هوت أسهم (جنرال موتورز) بنسبة 4.25%، وبحسب بيانات مجموعة "دوتشيه بنك" نقلته "ياهو فاينس" فإن 35% من صادرات أميركا من السيارات يتم تصنيعها في المكسيك، وكانت هذه النسبة نمت منذ أن تمت الموافقة على اتفاقية التجارة الحرة لشمال أميركا المعروفة بـ"نافتا" في تسعينيات القرن الماضي.

وهناك تحليلات رجحت أن تكون كندا المستفيد من الحرب الدائرة حاليا، إذ ستحول كثير من القطاعات أعمالها إلى الشمال الأميركي. لكن الرفاعي لا يعتقد ذلك، ويرى أنه "قد تكون كندا الدولة التالية التي سترفع عليها إدارة ترمب رسوماً جمركية".

تصريحات ترمب

وكان ترمب قال في تغريدة على تويتر "الرسوم الجمركية ستزداد تدريجياً، طالما لم يتم حل مشكلة الهجرة غير الشرعية"، وقد ترتفع الرسوم الجمركيّة إلى 10% بحلول 1 يوليو (تموز) وتزداد بمقدار 5 نقاط مئوية شهرياً لتصل إلى حد 25% في أكتوبر (تشرين الأول) إذا لم توقف المكسيك "إلى حد كبير تدفق الأجانب غير الشرعيين عبر أراضيها"، حسبما أوضح ترمب في بيان صادر عن البيت الأبيض.

وأضاف أن الولايات المتحدة تحتفظ بحق سَحب هذه الرسوم "وفقاً لتقديرها الخاص"، وكرر ترمب القول "على مدى سنوات، لم تُعاملنا المكسيك بشكلٍ منصف، لكننا نؤكد الآن على حقوقنا بصفتنا دولة ذات سيادة".

المكسيك ترد

من جهتها، وصفت المكسيك إعلان ترمب بـ"الكارثي"، حيث قال خيسوس سياذي، المسؤول في وزارة الخارجيّة المكسيكية للصحافيين، "إنه أمر كارثي. هذا التهديد إذا نُفذ سيكون في منتهى الخطورة إذا حصل ذلك، يجب أن نرد بقوة".

ولاحقاً، بعث الرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيز أوبرادور رسالةً إلى نظيره الأميركي يدعوه فيها إلى الحوار بعد إعلان ترمب نيته فرض رسوم.

وكتب لوبيز أوبرادور في الرسالة "أبلغكم بأنّني لا أريد المواجهة أقترح تعميق الحوار والبحث عن بدائل لمشكلة الهجرة"، معلناً في الوقت نفسه "أن وفداً مكسيكياً سيتوجه الجمعة إلى واشنطن".

وكانت إدارة ترمب أمرت غير مرة بتعزيز وجود القوات الأمنية على الحدود مع المكسيك كما طلبت بناء جدار لوقف الهجرة غير الشرعيّة من دول أميركا اللاتينية.

وعلى الرغم من إعلانه أن مكسيكو ستُسدد كلفة بناء الجدار، فإنه طلب من الكونغرس أموالاً لتنفيذ المشروع. وقد سبب الخلاف في شأن التمويل إغلاقاً للحكومة الفيدرالية استمر 35 يوماً، في مطلع 22 ديسمبر (كانون الأول) 2018.

المزيد من اقتصاد