Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تستطيع الفلسفة أن تشفي الإنسان من أمراضه الوجدانية؟

مدارس الشفاء في الفكر الغربي المعاصر تشهد حالاً من التنافس الغني بين الفلاسفة وعلماء النفس

التأمل الفلسفي هل يشفي نفسانياً؟ (معهد أوروفيدا)

نشأت الفلسفة في الأصل مقترنةً بمقاصد الشفاء الكياني الأشمل. كان الفيلسوف الإغريقي إبيقوروس يروم أن يشفي الإنسان من مخاوفه الأساسية المبثوثة في حقول ثلاثة: الخوف من الآلهة، والخوف من الفاقة والعوز، والخوف من الموت. الحقيقة أن الفلسفة تحدد الإنسان كائن العلاقات الكيانية التي يعقدها مع نفسه، ومع الآخرين، ومع العالم الخارجي. في الحقول العلائقية الثلاثة هذه، يختبر الإنسان ضروباً شتى من التحديات والاستثارات والاستنهاضات. في علاقته بنفسه، يدرك أن كيانه متعدد بتعدد الكتل التي تُنشئ له ماهيته: كتلة الجسد، أو ما يسميه الفلاسفة الفنومنولوجيون البدن (chair)، وكتلة الوعي واللا وعي، وكتلة الوجدان، وكتلة النفس، وكتلة الروح أو الفكر أو العقل. إنها الكتل الأساسية التي أكتفي بترصّدها في عمق الكيان الإنساني. لكل كتلة حقل معرفي يروم أن يتدبرها ويرعاها ويصونها ويعالج مشاكلها ويشفي أسقامها. في علاقة الإنسان بالآخرين، يعرف أنه يواجه ضروباً شتى من الغيرية: الآخر الجسدي جنسياً (الرجل والمرأة)، وعرقياً (الأبيض والأسود والأصفر والأحمر)، وثقافياً (تنوع الحضارات بتنوع اللغات الأصلية والبيئات الجغرافية والتصورات الكونية والخلفيات المعرفية والاختبارات الجماعية)، ودينياً (اليهودي والمسيحي والمسلم والهندوسي والبوذي)، واجتماعياً، واقتصادياً. في علاقته بالعالم الخارجي، يواجه ثلاث كتل أساسية: الطبيعة والحياة والزمان. وحدها الفلسفة تستطيع أن تحيط بجميع هذه العلاقات، وتنظر فيها نظراً معرفياً ووجدانياً، وتستخرج لها سياقاً انتظامياً وإطاراً توجيهياً ضابطاً.

مخاطر المزاحمة الضارة بين الفلسفة وعلوم النفس

علاوةً على ذلك، تستطيع الفلسفة أن تبين حدود الفرضيات المعرفية التي تقوم عليها علوم النفس والتحليل النفسي والطب النفسي، فتستجمع كل إمكانات الإنسان النفسية والوجدانية والإدراكية حتى تصوغ له تصوراً جامعاً مانعاً يتيح له أن يفوز بالمعنى الوجودي الأرحب، لذلك تنطوي الفلسفة على قدرات شفائية تصيب كينونة الإنسان في عمق جوهره، ولا تكتفي بحيز من شخصيته. في كتاب "الكينونة والعدم"، يبين سارتر أن الرغبة في الوجود سمة الكائن الإنساني الأساسية. الإنسان مشروع وجود تواجهه عوائق شتى تضطره إلى الوقوف موقف المواجهة العنيفة حتى يفرض كيانه على الآخرين. من الناس من يعانف ويقاتل ويتعدى ويقصي، ومنهم من يلجأ إلى التصعيد المتسامي في الفن والإبداع، ومنهم من يمارس فضائل الخدمة والرفق والود والمحبة لكي يجعل الآخرين ينعمون بحضوره الدافئ في حياتهم، فيثقون بغيريته ويتيحون لها أن تنبسط وتدوم وتنتعش وتزدهر.

يعتقد عالم الأعصاب والطبيب النفسي والفيلسوف النمسوي فيكتور فرانكل (1905-1997) أن المريض النفسي يعاني الخواء المعنوي، أي إنه يختبر في عمق ذاته فقدان المعنى الوجودي الذي يصاحبه شعور الخواء المطلق في الحياة. إنه الفراغ الوجودي الذي يحرم المكونات الذاتية في الإنسان من قوامها وقيمتها وفعلها وأثرها. فلا الذكاء الفائق، ولا الجمال الجسدي، ولا الاقتدار المادي، ولا النفوذ المعنوي السلطاني، يستطيع أن يملأ الفراغ الكياني الذي يستثيره اليأس الوجودي الأخطر.

في السياق الجدلي هذا، ينشط التباحث الفكري بين الفلاسفة وعلماء التحليل النفسي من أجل التحقق العلمي من قدرة الفلسفة على شفاء أسقام النفس على وجه التحديد. فإذا بهم يختلفون في شأن قدرة الفلسفة على معالجة أمراض الباطن الإنساني. يعتبر أستاذ الفلسفة والروائي والناقد السينمائي الفرنسي أوليفييه بوريول (1971-....) أن الفلسفة وسيلة ناجعة تفيدنا في معالجة اضطرابات النفس الإنسانية المنبثقة من أوهام المتافيزياء الخطيرة. أما أستاذ الفلسفة ومدير منشورات لاأشت الفلسفية شارل ببن (1973-....)، فيرى أن الفلسفة لا يجوز لها أن تدعي القدرة على العلاج النفسي، إذ إنها توشك أن تغلق على الإنسان المضطرب في حال جسيمة من العصاب. وحده التحليل النفسي يستطيع أن يضطلع بمسؤولية العلاجات الناجعة في الباطن الوجداني الأعمق.

من علاج الأعصاب الطبي إلى مكابدة البحث عن معنى الحياة

ومن ثم، فإن علماء النفس وأصحاب التحليل النفسي واختصاصيي الطب النفسي يصرون إصراراً شديداً على ضرورة اللجوء إلى التحليل النفسي من أجل فهم حقائق الباطن الإنساني الأعمق. وغالباً ما يستنجدون بما ساقه فرويد (1856-1939) في مسألة الاضطلاع بالحداد أو حزن الفراق. في مقالة "الحداد والكآبة"، يبين أن اختبار حزن الموت يقتضي أن يمتحن الواقع الإنسان المكلوم امتحاناً عسيراً حتى يضطره إلى أن يعترف بأن المحبوب، كائناً من الكائنات أو غرضاً من الأغراض، لم يعد موجوداً على الإطلاق. لا شك في أن مثل هذا الاعتراف يهيئ الإنسان الكليم المتألم لكي يعزل من نطاق الليبيدو كل الصلات الشغفية التي تربطه بالمحبوب المفقود.

وعليه، فإن خبراء علوم النفس يعتقدون أن الفلسفة لا تستطيع أن تداوي اعتلالاً نفسياً مرتبطاً بأحداث الطفولة وآلام المراهقة وخيبات البلوغ. غير أنهم يدركون أن معالجة التواءات النفس لا يمنح الإنسان السعادة، على ما يعلنه فرويد نفسه، ذلك أن التحليل النفسي لا يجعل الإنسان كائناً سعيداً، بل يساعده لكي ينتقل من طور الألم العصابي إلى طور البؤس العادي. إذا تحرر الإنسان من العصاب، استطاع أن يحيا في بؤس الحياة المألوفة. حينئذٍ لا بد من الفلسفة لكي توجه وجوده. الحقيقة أن الفلسفة تبدأ حين ينتهي العلاج النفسي. لا يجوز لنا أن نتكل على التحليل النفسي لكي ننعتق من مسؤولية الحياة أو من مسؤولية التفكير، ذلك أن الوضوح المنهجي والحقيقة المعرفية والوجودية لا يعتبرهما التحليل النفسي من أدوات العلاج، بخلاف الفلسفة التي تستخدمهما في استيضاح معنى الحياة، وتوجيه دفة الوجود، والفوز بالقسط الممكن من السعادة الواقعية.

على الرغم من اعتراضات علماء النفس، يصر الفلاسفة المعاصرون على مقام الفلسفة الشفائي، لذلك يعمدون إلى إنشاء العيادات والمختبرات والمشاغل والمنتديات والمكاتب الاستشارية الفلسفية، ويحثون الناس على استكشاف حقل التفكير الفلسفي لكي يفهموا أنفسهم فهماً أفضل، ويعالجوا مشاكلهم معالجة أنفع، ويتمكنوا من القرار الحياتي الأنسب في خضم التأزم الأخلاقي والقيمي والاجتماعي والاقتصادي. حين تتعارض الأولويات الحياتية، يحتاج الإنسان إلى إرشاد فلسفي يصيب جوهر الأمور. ليست الفلسفة شفائية في حال المرض النفسي الجسيم فحسب، بل أيضاً في حال التنازع الكياني الذي يشل الحياة الفردية ويعطل القرار الذاتي. لا عجب، والحال هذه، من أن تتكاثر مذاهب الشفاء الفلسفي، وتتنوع سبل الإرشاد الفلسفي، وتتعدد منهجيات العلاج بتعدد الفرضيات الفلسفية الأساسية في تعيين هوية الكائن الإنساني. من الفلاسفة من يعتقد أن العلاج ينبغي أن يصيب مصدر التفكير الأصلي، أي العقل بحد ذاته. ومنهم من يذهب إلى أن الوعي يختزن كل طاقات التقويم التي يحتاج إليها الإنسان لكي يضطلع بمسؤولية حياته. ومنهم أيضاً من يعتبر أن الإنسان تعبير، والإدراك لغة، والواقع كلمات، والحقيقة تصوير، لذلك لا بد من مداواة الطاقة التعبيرية التي تتيح للإنسان أن يدرك ذاته إدراكاً سليماً.

المذهب الفلسفي الشفائي الأول: النظر في بنية العقل وعملية التفكير

إليوت كوهن (1951-....) فيلسوف أميركي درس فلسفة القانون والأخلاق الطببية في جامعات فلوريدا ومعاهدها، وأدار معهد الفكر النقدي (Institute of Critical Thinking) في عام 1986، وشارك في تأسيس الجمعية الفلسفية الأميركية (جمعية الفلسفة والإرشاد الفلسفي والمعالجة النفسية). اعتنى كوهن بتطبيقات النظريات المجردة في معترك الحياة الواقعية وأوضاعها الوجودية المعقدة. فحث الصحافيين على دراسة الفلسفة حتى يدركوا معنى المشاكل الوجودية الخطيرة التي تعتري حياة الأفراد. وما لبث أن أنشأ دراسة مفصلة أظهر فيها منهجية التفكير السليم في كتابه الشهير "ماذا كان أرسطو سيفعل؟ التحكم الذاتي بواسطة قوة العقل" (What would Aristotle Do ? Self-Control through the Power of Reason). استعان بكتاب أرسطو "أخلاقيات نيقوماخوس" سبيلاً إلى تجويد القرارات الحياتية، وفي ظنه أن ردود الفعل الحادة القصوى الإقصائية من أخطر الأخطاء التي يرتكبها الأفراد المتنازعون في الحياة. فإذا به يتوسل بمنهجية الحد الوسطي التي يستخدمها أرسطو في تعريف الفضيلة حداً وسطياً بين طرفين متباعدين متنابذين، كالشجاعة التي تتوسط التهور والجبن. وحده العقل الوسطي المتزن الحصيف الرزين يستطيع أن يشفي الإنسان من أوضاعه الانفعالية التي تشل قدراته الفكرية والتحليلية.

ومن ثم، فإنه يصرح بأن اجتهادات عيادته الفلسفية تروم أن تهذب العقل فتدله على السبيل الاعتدالي الوسطي، وتقرن النظري بالعملي المنهجي حتى يستطيع الإنسان أن يتدبر مشاكل حياته اليومية بواسطة التعقل الفلسفي التطبيقي العملاني، لذلك يستنط كوهن بضعاً من القواعد التي تؤهل الإنسان للانتقال من التفكير اللاعقلاني الانفعالي العدائي إلى التفكير العقلاني النقدي الانفتاحي.

أما لو مارينوف، الفيلسوف الكندي ومؤسس جمعية المهنيين الفلاسفة الأميركية، فإنه في كتابه "علاج الأصحاء: كيف يمكن الفلسفة أن تغير حياتك؟" (Therapy for the Sane: How Philosophy Can Change your Life)، يبين أن الفلسفة تنطوي على حكمة إنسانية عريقة تمكن الناس من فهم حقيقة مشاكلهم وابتكار السبل السلمية الخليقة بتسويتها وتجاوزها. نصيحته الأولى أن يكف الإنسان عن التظلم السلبي والانحجاب في هيئة الضحية، وأن يغترف من صميم ذاتيته الطاقات الإيجابية المكتومة التي تساعده في إعادة اكتشاف هويته ودعوته في الحياة.

المذهب الشفائي الفلسفي الثاني: تحليل بنية الوعي في الفنومنولوجيا العيادية

تجتهد هذه الفنومنولوجيا في تحليل الوعي الإنساني على مستويات ثلاثة. أولاً، تجتهد في أن تنحت مثالاً جديداً للإنساني في الإنسان يتجاوز مستوى التحقق من القدرات والمهارات والمؤهلات، ذلك أن إنسانية الإنسان تتخطى هذا المستوى من الإنجازية التاريخية الفردية. بفضل هذا التجاوز، تستطيع الفنومنولوجيا العيادية أن تتناول تناولاً مختلفاً مسائل التقصير والعجز والإخفاق في الحياة الشخصية. ثانياً، تستكشف هذه الفنومنولوجيا منطقاً جديداً في الوجود الإنساني لا يختزل الحياة الفردية ويردها إما إلى ضبابيات اللا وعي، وإما إلى غموضية عضوية تنخر في بدن الإنسان، وقد جرد من كل وعي روحي عميق. ثالثاً، تلتزم الدخول في أعماق حياة الإنسان الباطنية حتى تستخرج منها طاقات التواصل والتشارك الدفينة، فتستثمرها في بناء تواصلية إنسانية صادقة واثقة منفتحة.

لا بد، في هذا الحقل، من ذكر أصحاب الإسهام الجليل في الفنومنولوجيا العيادية، ومنهم أرتور تاتوسيان (1929-1995) عالم النفس التحليلي الفرنسي الأرمني الأصل صاحب مدرسة التحليل النفسي المرضي الفنومنولوجي، وصاحب التناول الفلسفي الذي يستوحي أعمال هوسرل وهايدغر ومرلو - بونتي ولفيناس. ومنهم أيضاً لودفيغ بينسفانغر Binswanger (1881-1966) الطبيب النفسي السويسري الذي استثمر إمكانات الفنومنولوجيا في تطوير العلاجات النفسية الطبية، لا سيما في كتابه "أشكال الوجود الإنساني - الدازاين الأساسية وسبل معرفته" (Grundformen und Erkenntnis menschlichen Daseins). من المفيد أيضاً أن أذكر هوبرتس تلنباخ Tellenbach (1914-1994) الطبيب النفسي الألماني الذي اعتمد على أبحاث بريسفانغر وتأثر تأثراً عظيماً بفنومنولوجيا هايدغر وتحليلية الدازاين (Daseinsanalyse) وفسارة غادمر. أضيف إلى هذه اللائحة اسم فولفغانغ بلانكنبورغ Blankenburg (1928-2002) الطبيب النفسي الألماني الذي استخدم تحليلية الدازاين الفنومنولوجية في معالجة حال انفصام بارناوية اضطهادية، وأدار العيادة النفسية الطبية في جامعتي هايدلبرغ وماربورغ مستعيناً بمنهجية تحليل الوعي الذاتي في إعداد أطروحة الأستاذية الجامعية التي تناول فيها أسباب فقدان الإدراك البديهي الطبيعي (Der Verlust der natürlichen Selbstverständlichkeit). وينبغي أخيراً أن أذكر اسم مدار بوس (1903-1990) الطبيب النفسي الألماني الذي استثمر الفلسفة الوجودية الفنومنولوجية في تعزيز آليات التحليل النفسي والمعالجة النفسية، وصاحب هايدغر في حلقات دراسية شتى، لا سيما في تسوليكون (سويسرا).

المذهب الشفائي الفلسفي الثالث: مداواة اللغة في الحوار والتواصل في مشاغل التفكير الفلسفي

ينصحنا الفيلسوف النمساوي - البريطاني لودفيغ فيتغنشتاين (1889-1951) بإعادة تعريف الكلمات حتى نخرجها من نطاقها المتافيزيائي الضبابي، ونضعها في سياق الواقع الحياتي العملي الملموس. لا يضطرب الإنسان من جراء التناقض بينه وبين الواقع الخارجي، بل بسبب من الاغتراب التشويهي الذي يجعل كلماتنا تخون مقاصدنا وتعطل قدرتنا على فهم الواقع، ذلك بأننا لا نستطيع أن نبلغ الواقع الخارجي إلا بواسطة كلماتنا التي غالباً ما تصور لنا هذا الواقع تصويراً خاطئاً، لذلك كانت أغلب مشاكل الناس ناشئةً من الاختلاف في تعريف حقائق الحياة وتسمية وقائع الوجود. لا بد إذا من مداواة الاعتلال في اللغة عينها التي تمنح الإنسان القدرة على التعبير عن ذاته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في السياق اللغوي عينه، ابتكر الفيلسوف الفرنسي أوسكار برنيفييه Brenifier (1954-....) اصطلاح الممارسة الفلسفية المستندة إلى فن التوليد السوقراطي الذي يستخرج من أعماق الذات الإنسانية القدرات العلاجية والطاقات الشفائية في عملية مواجهة مشاكل الحياة والاضطلاع بتحديات الوجود. وعلاوةً على ذلك، فإنه يستخدم مقولة النقد الهيغلي، في وجهيه الداخلي والخارجي، من أجل مساعدة الإنسان في تقويم اعوجاج الأوضاع التي تكتنفه، وتجاوز الانسدادات الكيانية التي تمنعه من تحقيق ذاته. أما الغاية القصوى، فتتجلى في تأهيل الإنسان بكامل كيانه حتى يستطيع أن يفكر بذاته تفكيراً سليماً حراً مسوؤلاً، وأن يفكر بمعية الآخرين تفكيراً تعاونياً تضامنياً بنّاءً، وأن يعبر عن حقيقته وحقيقة العالم تعبيراً سليماً صائباً. ومن ثم، طفق برنيفييه ينظم مشاغل تفكيريةً فلسفيةً تساعد الناس من جميع الأعمار والفئات في استكشاف طاقاتهم الذهنية ومؤهلاتهم التحليلية وقدراتهم التواصلية من أجل استثمارها استثماراً فطناً في معالجة مشاكل الحياة.

تكامل المقاربات وتضامن المقاصد في التبصر الفلسفي والتحليل النفسي

من البديهي أن تنشأ مدارس فلسفية أخرى تجتهد في شفاء الكائن الإنساني من خلال معالجة الاضطرابات المنبثقة من مواضع ذاتية أخرى. فينشط بذلك الاعتناء بشفاء الإرادة، أو شفاء النفس، أو شفاء المخيلة أو الذاكرة أو الحدس أو الإحساس، إلخ. في جميع الأحوال، ينبغي الإصرار على أن الفلسفة لا تناقض البتة التحليل والعلاج النفسيين، بل يمكنها أن تسعفهما في وظيفتهما الأساسية. بين التحليل النفسي والتفكير الفلسفي مواضع تباين وتقارب، واختلاف وائتلاف. فلا يجوز، والحال هذه، أن تحل الفلسفة محل التحليل النفسي، أو أن يبطل التحليل النفسي النشاط الفلسفي. لا ريب في أن الفلسفة لا تستطيع أن تشفي الإنسان من الانهيار العصبي الحاد، وأن تنوب مناب الأدوية المهدئة. غير أنها تحفر في الوعي الإنساني حفراً يسبق الانهيار ويتجنبه. أما علاج الانهيار علاجاً نفسياً وطبياً، فلا يجعل الإنسان قادراً على التفكير السليم، والفوز بمعنى الحياة، والتمرس على نهج السعادة. لا يستطيع التحليل النفسي أن يزود الإنسان التصورات الفكرية الأساسية التي تجعله يدرك معنى الحياة، وشأنه في ذلك شأن أي علم وضعي آخر عاجز عن صوغ الإجوبة الحياتية التي تستثيرها أسئلة الإنسان المصيرية.

يبقى السؤال عن حقيقة السعادة الممكنة في حياة الإنسان. يُعزي شوبنهاور نفسه بما يسميه الفرح المأساوي الذي يستحصل عليه الإنسان حين يرفق بنظيره الإنسان، ويعامله معاملة رقيقة، ويحبه محبة صادقة، وحين يتأمل في جمال الطبيعة وبهاء الفنون الشعرية والموسيقية، وحين يمسك نفسه عن الملذات الجنسية، ويزهد في الإنجاب والنسل. غير أن لهذا المقام قولاً آخر يفضي بنا إلى تجاوز الفلسفة والاعتصام بالهدوئية الكونية التي تنهي الإنسانية إذا ما تعممت وانتشرت وطبقها جميع الناس في الأرض كلها.

المزيد من ثقافة