Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأسرار والهواتف في فيلم "أصحاب… ولا أعز" لا تنسينا أصله الإيطالي

اول انتاج سينمائي عربي لنتفليكس اشبه ب"وصفة تجارية" ناجحة

اللقاء الجماعي في فيلم "أصحاب... ولا أعز" (نتفليكس)

قبل نحو خمس سنوات، أنجز مخرج إيطالي يدعى باولو جينوفيزي فيلماً كوميدياً في عنوان "غرباء نموذجيون". كان هذا المخرج حتى ذلك الحين صاحب كوميديات شعبية، خفيفة ومغمورة. لكن مع هذا العمل الذي ينم عن حرفة سينمائية معينة، عرف نجاحاً استثنائياً تتردد أصداؤه إلى اليوم. لم يفز فقط بأفضل فيلم في جوائز “دافيد دي دوناتيللو” (“أوسكارات” السينما الإيطالية)، بل تحول نصه في الأعوام التالية لعرضه في الصالات، إلى ظاهرة كونية، حد ان ١٨ نسخة (“ريمايك”) في المحصلة كانت ستنجز منه بناءً على النص الأصلي، الأمر الذي أدخله إلى كتاب “غينيس” لأكثر فيلم تم نسخه ونقله إلى لغات مختلفة. أشهر النسخ في طبيعة الحال هي الأميركية والفرنسية والإسبانية، ولكن الظاهرة تجاوزت اللغات الأكثر انتشاراً، فامتدت إلى اللغات الكورية والتركية والعبرية، مسجلةً أكثر من نصف مليار دولار إيرادات في شباك التذاكر. واليوم، ها ان النسخة العربية من هذا الفيلم التي جاءت تحت عنوان “أصحاب… ولا أعز”، تهبط علينا عبر “نتفليكس” التي تولت انتاجه. الفيلم الذي كان تأجل تصويره مرات عدة بسبب إنتفاضة ١٧ تشرين في لبنان ثم تفشي وباء كورونا، هو أول إنتاج عربي تقدم عليه منصة العرض التدفقي الشهيرة.

لبنانيون ومصرية وأردني

كلف بإخراج النسخة العربية اللبناني وسام سميرة الذي كان تخصص بصناعة الأغاني المصورة على مدار عقدين من الزمن. هذا أول فيلم روائي طويل له. أما الممثلون، فهم سبعة من الوجوه المعروفة، لا نرى تقريباً سواهم طوال الفيلم: المصرية منى زكي والأردني إياد ناصر (يلعبان دور الزوجين المصريين المقيمين في لبنان)، واللبنانيون عادل كرم وديامان أبو عبود (يضطلعان بدور زوجين حديثين يحاولان الإنجاب) وجورج خباز ونادين لبكي (هما الزوجان اللذان يستقبلان كل هؤلاء في بيتهم). يبقى اللبناني فؤاد يمين (العازب الذي تعرف على فتاة مؤخراً). اذاً، معظم الممثلين من لبنان والفيلم إنتاج لبناني في شقه الأكبر (اشترك فيه المنتج المصري محمد حفظي) وتدور أحداثه في لبنان، ومن هنا صبغته اللبنانية. علماً اننا لا نرى شيئاً من البلد، لكون التصوير محصورا في منزل ولا نخرج من الجدران الأربعة الا إلى الحديقة. هكذا هي القصة الأصلية؛ تشترط وحدة الزمان والمكان.

"أصحاب… ولا أعز" ينقل أحداث الفيلم الإيطالي بحذافيرها: بالتزامن مع خسوف القمر الذي ينوون مشاهدته من باحة منزلهم الأنيق الواقع في احدى المناطق اللبنانية، يستقبل الزوجان ماي ووليد أصدقاءهما المقربين على العشاء. أصدقاء يبدو واضحاً منذ البداية ومن خلال طريقة الحديث بينهم ان حكايات تعود إلى سنوات خلت تجمعهم. ضيوف العشاء هم ثنائيان وصديق عازب كان وعد بأن يأتي برفقة صديقته الجديدة ليتعرف عليها أصحابه، لكنها اعتذرت عن المجيء في اللحظة الأخيرة بسبب وعكة صحية. كل شيء يبدأ عندما يذكر أحد هؤلاء حكاية زوجين كانا من الأصدقاء المقربين لهذه الشلة. فالرجل يبدو انه تخلى عن زوجته لمصلحة شابة تصغرها سناً. يرد أحدهم ان الحق على الزوج الذي لم يعرف ان يتستر على الموضوع كما يجب، حتى انكشف أمره بسبب رسالة في هاتفه المحمول. بالنسبة للقائل، المشكلة انه لم ينجح في اخفاء السر لا أكثر! لحظات وتقترح صاحبة الدعوة على العشاء، لعبة مفادها ان يضع كل من الأشخاص السبعة هواتفهم على الطاولة ويردوا على الرسائل والمكالمات أمام الجميع شرط ان يستمع كلهم على كل شيء. 

ماذا لو نطقت هواتفنا فجأةً؟ ماذا ستقول عنا؟ هل سنبقى الأشخاص نفسهم في نظر الآخرين؟

بيوت رمل

وهذا ما سيحصل طوال الفيلم. اتصال بعد اتصال، ستسقط بيوت الرمل أمام موجات متتالية. الأمر الذي كان بدأ كلعبة الهدف منها الترفيه، سيتحول لحظة بعد لحظة إلى كابوس يلتهم الجميع ولن يرحم أحداً. الهواتف المحشوة بالأسرار ستفضح الجميع ما ان تصبح على الطاولة، مخربطة العلاقة السوية والهادئة التي كانت قائمة، سواء بين الأصدقاء أو بين الزوجين. فنحن في زمن انتقلت فيها الأسرار الدفينة التي كانت معششة في داخل الإنسان إلى جهاز يحمله في يده. 

يقول الفيلم لنا من خلال رنة الهاتف المتكررة ان المظاهر خادعة وكاذبة ولا ينبغي الركون اليها. فهذا الجهاز الذي في الأصل ابتكر لخلق تواصل بين البشر، يخلق في الآن نفسه انقطاعاً عنهم. هذه واحدة من الأفكار الجانبية التي يمكن التقاطها من قراءة متسرعة لهذا الفيلم غير المدعي الذي لا يهدف إلى أكثر من صناعة ترفيه من خلال الهواية المفضلة التي عند السينما، وهي الفضح وكشف المستور. الا ان الفكرة الأكبر التي يستند اليها الفيلم هي اظهار الجانب الهش لمؤسسة الزواج التي تقوم في جزء كبير منها على الاخفاء والخداع والحياة السرية. وعندما نقول انه يتناول مؤسسة الزواج، دعونا نتفق أولاً انه يفعله بامكانات فكرية وسينمائية محدودة. فنحن هنا لسنا لا في عالم إنغمار برغمان ولا عند وودي آلن، بل داخل عمل ترفيهي يحاول مناقشة بعض المسائل بلغة شعبية يفهمها هؤلاء الذين لم يدخلوا إلى صالة سينما في حياتهم. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الفيلم يسائل أيضاً الحدود غير الظاهرة والمتداخلة بين الأشياء في زمن الهواتف الذكية التي في جيب كل إنسان، لكن لا تصل به الجرأة لادانة استخدامها وابتكار خطاب جدي حول هذا كله. فنحن داخل كوميديا وسنبقى داخلها حتى الآخر، رغم محاولات الموسيقى اليائسة في زجنا في مزاج آخر. سواء أعجبنا أم لا، من الصعب تجاهل حقيقة ان الفيلم برمته قائم على فكرة ("كونسيبت")، أو حتى “وصفة تجارية”، ومن هنا يمكن فهم النجاح الدولي الذي أحرزته النسخة الأصلية باللغة الإيطالية، والسهولة التي يمكن اسقاطها بها على أي مجتمع. فلجميعنا هواتف وأسرار، الأمر الذي يسهل عملية التوحد مع الشخصيات التي ستجد نفسها في شباك الخوف والقلق والحيرة والخشية من الفضيحة، لكن دونما بلوغ مستوى من الخطورة.

يكفي ان يكون هناك اشخاص وفي حوزتهم هواتف لتصبح امكانية إنجاز فيلم عنهم ممكنة وسهلة تماماً شرط إيجاد النص. فلا خلفية إجتماعية هنا سوى في نطاق ما يكشفه الهاتف، ولا ثقافة خاصة ببيئة معينة خارج اطار ما تتيحه الكاميرا. كل هذا غير مطلوب وغير ضروري أمام سطوة التكنولوجيا التي تكتم أسرارنا إلى حين فضحها. وأهمية الفكرة انها تصمد جيداً أمام كل التحديات السيناريستية التي تعبر بها. بالتأكيد هناك حكاية تشوبها المبالغات من هنا وتفصيل غير مقنع من هناك، ولكن جودة أداء الممثلين، وفي مقدمهم منى زكي، تداوي هذا كله. في النهاية، "أصحاب… ولا أعز" عمل لطيف، لا ينسينا حقيقة انه شيء مستعار غير أصيل، ولكنه يشاهد بلا أي إحساس بالملل.  

المزيد من ثقافة