Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"معركة المساجد" بين الفلسطينيين وإسرائيل

قالت بلدية القدس إن البناء في مسجد التقوى من دون تصريح ويشكل تهديداً على السلامة العامة

تقدمت بلدية القدس بطلب إلى المحكمة المحلية الإسرائيلية لهدم قبة مسجد الرحمن في بلدة بيت صفافا (اندبندنت عربية)

على قدم وساق ينهمك العمال والمهندسون القائمون على مسجد التقوى شرق القدس بإنجاز أكبر عدد ممكن من الأعمال الإنشائية، فالمسجد الجديد داخل بلدة العيسوية الذي تبلغ مساحته 260 متراً مربعاً، سيفتح أبوابه لاستقبال خمسة آلاف مصل من البلدة قُبيل رمضان في بداية أبريل (نيسان) المقبل.

لكن ما إن حضرت طواقم بلدية القدس وبدأت بالتقاط صور للمسجد قيد الإنشاء من كل زواياه حتى تجمد العمال والمهندسون في مكانهم، وانتابهم شعور مريع بأن أمراً ما سيحدث، وفور أن أخطرتهم طواقم البلدية بوقف أعمال البناء في المسجد حتى قطعوا الشك باليقين أن هناك قراراً إسرائيلياً بـ "هدمه" تحت ذريعة غياب الترخيص. وأُمهل سكان البلدة عدة أيام لهدم المسجد قبل أن تباشر طواقم بلدية القدس وآلياتها فعل ذلك.

سابقة خطرة

مسجد الرحمن في بلدة بيت صفافا الذي شُيد عام 1933 لم يسلم هو الآخر من أوامر الهدم، إذ تقدمت بلدية القدس قبل أيام بطلب إلى المحكمة المحلية الإسرائيلية لهدم قبة المسجد التي تشبه في تصميمها ولمعانها الذهبي اللافت "قبة الصخرة" داخل الحرم القدسي.

وأشارت وسائل إعلام إسرائيلية إلى تعرض البلدية لضغوط كبيرة من رؤساء المنظمات اليهودية في المعسكر القومي مثل "رجافيم" و"ريبونوت" و"نساء بالأخضر" و"ألاخ يروشلايم" وغيرها،  وذلك بهدف هدم المبنى الإسلامي بأكمله في بيت صفافا.

وفي بيان لوسائل إعلام إسرائيلية، قالت البلدية إن 700 متر مربع جرى بناؤها من دون تصريح أو موافقة من مهندسي البلدية، وبالتالي تشكل تهديداً على السلامة العامة، وإنه بين عامي 2017 و2018 قام المسؤولون على المسجد ببناء أرضية إضافية بجدران خرسانية ذات كسوة حجرية وفتحات للنوافذ والأبواب بارتفاع مترين من دون تصريح، وورد في ملف المحكمة أيضاً أنه "فوق الأرض بنوا خمسة أمتار إضافية ووضعوا عليها تشييداً من الحديد من دون ترخيص."

يقول إمام المسجد محمد عمر لـ "اندبندنت عربية" إن "هناك كادراً من المحامين موجود وجاهز للرد على أي قرار قد يصدر من المحكمة ويقضي بهدم التوسعة التي أضيفت إلى مسجد الرحمن، بما في ذلك القبة الذهبية التي تمكنت على ما يبدو من استفزاز المستوطنين الذين يصلون الليل بالنهار لاستصدار قرار الهدم بأسرع وقت ممكن".

ويضيف، "على الرغم من أن قرار كهذا يعتبر سابقة خطرة للغاية، فإنه خيار قائم وغير مستعبد، بخاصة أن السلطات الإسرائيلية تمارس انتهاكات يومية للمسجد الأقصى بحد ذاته، وما أشعل فتيل غضبهم أن مئات العمال العرب الذين يعملون في مستوطنة تل بيوت الصناعية الإسرائيلية ومستوطنة القطمون القريبتين جداً من بيت صفافا يلتزمون أداء صلاة الجمعة في مسجد الرحمن، بل وازداد عددهم بعد التوسعة."

تأجيج الصراع

مصادر موثوقة أكدت لعمر أن الشرطة الإسرائيلية وبشكل غير مباشر تضغط لرفض طلب الهدم، وذلك للحفاظ على الهدوء والأمن في بلدة بيت صفافا المجاورة لأربع مستوطنات إسرائيلية.

ويتابع، "المعاملات الرسمية لترخيص التوسعة الجديدة للمسجد وقبته تسير بشكلها القانوني ولن نتراجع عنها مهما كلفنا الأمر، كما أن هدم أجزاء من المسجد إرضاء للمستوطنين لن يحل المشكلة، بل سيفتح جبهة غير محسوبة من العرب الذين سيغضبون لهدم مسجدهم."

ودان المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية على المساجد الفلسطينية أخيراً، وقال في بيان "إن الاعتداءات على المساجد تتم في إطار سياسة مبرمجة تهدف إلى تأجيج الصراع وفرض أمر واقع على الأرض المحتلة، وتظهر مدى الاستهتار بالقيم الدينية والإنسانية للآخرين"، مؤكداً أن الأديان السماوية "تحرم الاعتداء على أماكن العبادة".

ودعا حسين المواطنين إلى "إعمار المساجد والدفاع عنها أمام إجرام المعتدين عليها من المستوطنين وغيرهم"، مطالباً الدول والمؤسسات المعنية بحرية الإنسان والأديان بالوقوف في وجه الاعتداءات الإسرائيلية الآثمة.

واستنكر ناشطون عبر وسم "لن تُهدم مساجدنا" القرار الإسرائيلي بحق مسجدي العيسوية والرحمن، وسط مطالبات بضرورة التصدي لسياسة الهدم التي تنتهجها السلطات الإسرائيلية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مكافحة الكراهية

منظمة "تاغ مئير" الإسرائيلية التي تعمل من أجل مكافحة الكراهية والعنصرية في صفوف الإسرائيليين، قالت إنه "منذ 2009 جرى تدنيس 60 مسجداً وكنيسة وديراً في إسرائيل وفي الضفة الغربية."

وفي عام 2020 أقدم مستوطنون على حرق مسجد "بدرية" في قرية بيت صفافا، وكتابة عبارات عنصرية على جدرانه تدعو "لقتل العرب"، وبعد يوم واحد فقط أحرقوا مسجداً في بلدة شعفاط شرق القدس.

وعلى خلفية تلك الاعتداءات قام نحو 200 يهودي من منظمة "تاغ مئير" بزيارة تضامنية إلى المسجد وتبرعوا بأموال لإصلاح الأضرار.

رئيس المنظمة غادي غفارياهو يقول "لقد أعربنا عن خجلنا وغضبنا من هذه الجرائم المروعة، وتمنينا معاً لأيام سلام وأخوة، ووعدنا بأن نبقى على اتصال مع سكان الحي."

وقال رئيس بلدية القدس موشيه ليون في وقت سابق إنه "يدين بقوة جريمة الكراهية التي ارتكبت في حي شعفاط، ومثل هذه الأمور غير مقبولة ولا يمكن التسامح معها."

تدفيع الثمن

وشهدت الأشهر الأخيرة بحسب منظمة "يش دين" الحقوقية ارتفاعاً مفاجئاً في الهجمات العنصرية ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم التي يرتكبها كما يشتبه "مستوطنون من اليمين المتطرف"، إذ جرى الاعتداء وإحراق وتدمير عشرات المساجد في المدن والقرى في الضفة الغربية، كان آخرها في يوليو (تموز) عام 2020، عندما أحرق مستوطنون مسجد البر والإحسان القريب من مدينة رام الله.

ودان عضو الكنيست عمير بيرتس الهجوم على المسجد آنذاك. وقال "لا بد من تقديم المجرمين وناشري الكراهية الذين حرقوا المسجد للعدالة". وفي تغريدة له عبر "تويتر" كتب بيرتس أن "فيروس الكراهية مثل فيروس كورونا، هو عدو مشترك لجميع الأديان والشعوب في العالم."

وأصبحت أعمال التخريب المعادية للعرب على أيدي المتطرفين اليهود ظاهرة شائعة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ويشار عادة إلى حوادث التخريب التي ترتكب ضد الفلسطينيين باسم هجمات "تدفيع الثمن"، إذ يزعم مرتكبوها، بحسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، أنها تأتي "انتقاماً على أعمال عنف فلسطينية أو رداً على سياسات حكومية يعتبرونها معادية للحركة الاستيطانية".

وتعتبر مجموعات حقوقية اعتقالات منفذي هذه الهجمات نادرة للغاية، وأن الإدانات في هذه الهجمات أكثر ندرة، إذ يجري إسقاط معظم التهم في مثل هذه القضايا.

منظمة "يشن دين" الحقوقية قالت في تقريرها إن واحداً من بين كل 10 تحقيقات في جرائم الكراهية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية ينتهي بلائحة اتهام، على الرغم من أن الأرقام تشير إلى زيادة طفيفة على مدى السنوات السابقة.

المنظمة غير الحكومية قالت إن نتائجها "لا تزال تظهر أن إسرائيل لا تقوم بواجبها في ضمان سلامة الجمهور الفلسطيني" في الضفة الغربية، وبأن الفلسطينيين امتنعوا بشكل متزايد من اللجوء إلى الشرطة الإسرائيلية بعد ارتكاب جرائم ضدهم.

وفي ختام تقريرها أشارت المنظمة إلى أن الافتقار إلى تطبيق القانون بشكل فعال "يعزز شعور الجناة بالإفلات من العقاب، ويُسهم في استمرار الجريمة بدافع أيديولوجية التجريد من الملكية في الضفة الغربية."

ورداً على التقرير أصدرت دائرة يهودا والسامرة (الضفة الغربية) التابعة للشرطة الإسرائيلية بياناً تصر فيه على أن القسم "يحقق في كل شكوى يتلقاها مهنياً من أجل التوصل إلى الحقيقة".

وأضاف البيان أن "لوائح الاتهام لا تقدم إلا بعد تأسيس الأدلة ضد المشتبه فيه، وهو الحد الأدنى المطلوب للمحاكمة الجنائية، وقسم شرطة الجريمة القومية إضافة إلى أقسام الشرطة الأخرى يعمل بشكل علني وبصورة سرية لمنع الجرائم القومية."

هدم وتدمير

خلال عام 2021 ووفقاً لأرقام وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية، منعت السلطات الإسرائيلية رفع الأذان داخل الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل 633 مرة، فيما نفذ المستوطنون قرابة 250 اقتحاماً للمسجد الأقصى وباحاته، وأحرقوا مسجداً وهدموا آخر في قرية دوما شمال الضفة الغربية بمساحة 60 متراً مربعاً، وقائم منذ عامين يصلي فيه سكان المنطقة بحجة "عدم وجود ترخيص".

وقال ناشطون في القرية إن الجيش تذرع بإقامة المسجد في منطقة "ج" التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية.

وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية وصفت هدم المساجد في الضفة الغربية بأنه اعتداء واضح على المقدسات والأماكن الدينية الخاصة بالمسلمين وتحد واضح لمشاعرهم، وطالبت المجتمع الدولي عبر بيان بضرورة "التدخل السريع لمنع الاحتلال من القيام بانتهاكات تدفع المنطقة بأسرها إلى حرب دينية."

بدوره، قال قاضي قضاة فلسطين محمود الهباش "إن استمرار إسرائيل بهدم دور العبادة والمساجد يشعل فتيل الحرب الدينية التي طالما حذرنا منها، وفي الوقت نفسه فإن كل جرائم الاحتلال تدفع باتجاه إشعال نارها التي لن يسلم منها أحد في العالم، فالمسلمون في العالم ومن قبلهم الشعب الفلسطيني لن يقبلوا بأن تهدم مساجدهم وتهان دور عبادتهم."

ووفق توثيق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، هدم الجيش الإسرائيلي خلال العام الماضي 698 مبنى، وهُجر 949 فلسطينياً في المنطقة المصنفة (ج) من الضفة الغربية وشرق القدس.

سيطرة إسرائيلية

المساجد في إسرائيل لم تكن أفضل حالاً من تلك الموجود في الضفة الغربية وشرق القدس، إذ أظهرت دراسة للجنة الحريات في لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية داخل إسرائيل أن 15 مسجداً داخل إسرائيل حُولت إلى كنس ومعابد لليهود، و40 مسجداً هدمت أو أغلقت أو باتت مهملة، إضافة إلى 17 مسجداً حولت إلى حظائر للأغنام والأبقار أو مطاعم وخمارات ومتاحف ومخازن.

وتفيد الدراسة بأن الجامع الأحمر في مدينة صفد حُول إلى ملتقى للفنانين وتقام فيه حفلات زفاف، في حين حُول المسجد الجديد في مدينة قيساريا ومسجد عين حوض في قضاء حيفا إلى مطاعم وخمارات، والطابق الأرضي من مسجد السكسك في يافا أصبح مصنع بلاستيك. أما الطابق العلوي فمقهى للعب القمار، فيما تحول مسجد مجدل عسقلان إلى متحف.

تقول الناشطة الفلسطينية في مجال البحث والتوثيق مقبولة نصار لـ "اندبندنت عربية" إنه "خلال عمليات توثيق القرى الفلسطينية المهجرة عام 1948 تبين أن هناك مساجد فلسطينية ذات قيمة تاريخية عالية أهملت واندثرت وتدمرت، بعد أن منعت السلطات الإسرائيلية العرب من ترميمها وإعادة استخدامها، كما في مسجد حطين قرب طبريا الذي أغلقت أبوابه بحديد مسلح، وبعض المساجد نهبت حجارتها العريقة بالكامل، فاللوحة الحجرية التي كانت تزين مسجد قرية عين الزيتون شمال مدينة صفد سرقت من قبل إسرائيليين، كما رصدنا عدداً من البيوت في مستوطنة روش بيناه (الجاعونة) التي أقيمت من حجارة عربية جرت سرقتها من المساجد المهجورة شمال إسرائيل".

مسجد الجزار في مدينة عكا الذي يعتبر من أهم مساجد المدينة وأضخمها يعاني شقوقاً فيه وفي مئذنته، إذ حذرت لجنة الأمناء في عكا من أن انهيار المئذنة قد يؤدي بحسب تقويم المتخصصين إلى انهيار برج المسجد الذي يشكل سقوطه خطراً على المصلين والمارة.

وكشف مهندسون عرب أن المئذنة تتعرض منذ سنوات لانحراف بمعدل سم واحد كل عام بسبب سياسة الإهمال الإسرائيلية وانعدام الترميم، كما بين الفحص الأخير أن المئذنة انحرفت بنحو 16 سنتيمتراً، مما يعني وجود خطر حقيقي بانهيارها.

تمويل ودعم

وزارة الخارجية الإسرائيلية نفت في وقت سابق تحويل مساجد إلى غير غاياتها، ووفقاً لمعطياتها يوجد نحو 400 مسجد في إسرائيل يعمل بها أكثر من 300 إمام، معظمهم يتلقون رواتب من وزارة الأديان، وتنامى عدد المساجد خلال السنوات الـ 25 الماضية بخمسة أضعاف.

وأضافت الوزارة، "ترصد الشؤون الدينية الإسرائيلية الملايين سنوياً لبناء مبان دينية للمسلمين في إسرائيل". وتابعت، "تمول إسرائيل أكثر من 100 مسجد وتشتري المصاحف المستخدمة في المساجد".

الحاخام الإسرائيلي بيني لاو وخلال أسبوع التسامح في معرض "إكسبو دبي 2020" قال إن "رسالتنا الرئيسة من المجتمع اليهودي هي أن الدين يمكن أن يكون نقطة الاتصال لا الانهيار لجميع الشعوب".

المزيد من تقارير