Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خيار استقالة عون لانتخاب باسيل لا يلقى تجاوبا من "حزب الله"

الفريق الرئاسي سعى لدى دمشق لتسويق الفكرة و"التيار الوطني الحر" يصعّد ليأخذ التزاماً من الحليف 

رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل (أ ف ب)

يلغط الوسط السياسي اللبناني عند كل مفترق لمعالجة التعقيدات المتراكمة في الوضع السياسي الملبد بالغيوم، التي تعيق الحلول للتأزم السياسي والاقتصادي والمالي، بأحاديث عن أن في خلفيات عناوين هذا التأزم هاجساً رئيساً لدى الفريق الرئاسي الحاكم، هو محاولة تحديد معالم التسوية التي يفترض أن تأتي برئيس الجمهورية المقبل مع انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون في 39 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الحالي.

وبات معروفاً أن هوية الرئيس المقبل للجمهورية تشغل حيزاً كبيراً في عقل الرئيس عون، انطلاقاً من رغبته التي لم تعد خافية على الوسط السياسي اللبناني، وحتى لدى دوائر القرار الخارجي المعنية بلبنان، التي تلعب تاريخياً دوراً تقليدياً في اختيار الرئيس اللبناني، بانتخاب وريثه السياسي، صهره، رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل، رئيساً. 

الاحتجاجات استهدفته وباسيل ينفي 

وعلى الرغم من أن باسيل ينفي هذا الطموح كلياً، إلى درجة قال أكثر من مرة إنه لا يفكر في الأمر، لأنه "إهانة" للرئيس، فإن سلوكه لتبوُّء الزعامة المسيحية تحت شعارات من نوع "استرداد حقوق الطائفة" والإصرار على أن يكون رئيس الجمهورية "الأقوى" في الطائفة، لا يتركان مجالاً للشك بأنه يسعى إلى المنصب بالاعتماد على أن المعادلة التي جاءت بعون للرئاسة ستنطبق عليه. 

إلا أن اندلاع الأزمة الاقتصادية والمالية التي انعكست سلباً على معيشة اللبنانيين وما أثارته من احتجاجات شعبية في 17 أكتوبر 2019، وضعت باسيل في خانة الاتهام، فتصدر اسمه الحملات ضد رموز الطبقة السياسية، وجعلت اسمه كمرشح للرئاسة مرفوضاً في كثير من الأوساط، ولا سيما في الوسط المسيحي، الذي خسر فيه "التيار الوطني الحر" جزءاً مهماً من شعبيته. فمعظم الشعارات تركزت على باسيل كرمز لسياسات العهد الرئاسي لعون، التي أسهمت مساهمة أساسية بنظر الناشطين في انهيار الاقتصاد وإفلاس البلد. وهو ما دفع مريدي باسيل للرئاسة إلى التفتيش عن وسائل استعادة قوته ووزن تياره المسيحي، وعن طرق لإبقائه مرشحاً قوياً للرئاسة، خصوصاً بعد وضعه على لائحة العقوبات الأميركية من قبل مكتب مراقبة الأصول الخارجية في وزارة الخزانة الأميركية. وبدا واضحاً أن التعبئة المتواصلة من قبل "التيار الوطني الحر" حول مواقف تدغدغ العصبية في الوسط المسيحي تأتي في هذا السياق.

رفض الكنيسة استقالة عون

وفي وقت طالب بعض معارضي الرئيس عون باستقالته، رفض الأخير الدعوة بقوة، مؤكداً أنه لن يقدم على خطوة كهذه. ورد في تصريحات عدة بأنه سيستمر في تحمل مسؤولياته حتى آخر يوم من ولايته، كذلك فعل حليفه الأول، الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله، الذي دعا المطالبين باستقالة رئيس الجمهورية وبانتخابات نيابية مبكرة، إلى عدم التفكير بهاتين الخطوتين، مؤكداً أنهما غير واردتين. كما أن خياراً كهذا لم يلقَ صدى إيجابياً لدى البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي، جرياً على تقليد اتبعته الكنيسة بعدم جواز تحميل المسؤول الماروني الأول في الدولة مسؤولية الأزمات التي تعصف بالبلد والاعتراض على إسقاط رئيس الجمهورية في الشارع كسابقة ينبغي تجنب تكريسها من أجل المستقبل، هذا على الرغم من أن رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع انضم إلى المطالبين برحيل عون حين قال قبل ثلاثة أشهر "لو كنت مكان عون لاستقلت"، معرباً عن ندمه لأنه أسهم في انتخابه للرئاسة.

تجربة إلياس سركيس وعون باقٍ لآخر يوم

واستعاد بعض معارضي عون الذين يرون أن لا أمل في تغيير المسار الانحداري لأوضاع البلد إلا بإنهاء مبكر للعهد الرئاسي العوني، تجربة انتخاب رئيس للجمهورية قبل انتهاء ولاية الرئيس الموجود في سدة الحكم، يوم جرى تعديل الدستور في عام 1976، في السنة الثانية من الحرب الأهلية اللبنانية، لانتخاب الرئيس إلياس سركيس قبل ستة أشهر على انتهاء ولاية الرئيس الراحل سليمان فرنجية (الدستور ينص على التئام البرلمان لانتخاب الخلف قبل شهرين في الأكثر وشهر في الأقل)، لعل ذلك يفتح الباب أمام إيجاد حلول لوقف الاقتتال الداخلي، بحيث تبدأ المرحلة الانتقالية من ولاية إلى أخرى قبل انتهاء الأولى بستة أشهر، فيتغير المناخ السياسي المسدود الأفق، بدلاً من انتظار تبدل الوضع السياسي المقفل بعد انتهاء العهد العوني. 

وانطلق هذا المخرج من سؤال تداوله في الكواليس بعض القادة المسيحيين المعارضين للعهد، ومفاده: لماذا لا نكرر التجربة طالما اعتُمدت سابقاً؟ لتفادي اعتراض الكنيسة على تنحي رئيس الجمهورية قبل نهاية مدته. إلا أن ذلك اصطدم برفض محيط عون الاقتراح. وهو ما عبّر عنه الأخير بتكراره أكثر من مرة أنه سيستمر في تحمل مسؤولياته حتى آخر يوم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

انتخاب باسيل المبكر لقطع الطريق على غيره؟

إلا أن مسألة توريث الرئاسة لباسيل لم تفارق الفريق الرئاسي ضمناً. ويشير أكثر من مصدر سياسي لبناني سواء من الذين غادروا "التيار الوطني الحر" احتجاجاً على سياسات العهد وإمعانه في إخضاع البلد لـ"حزب الله"، أو من معارضي تفرد عون وباسيل بالحكم، إلى أنه على الرغم من التكتم حول المداولات التي جرت وتجري في أوساط الفريق العوني، فإن لدى الحلقة الضيقة التي تحيط بالرجلين خشية من أن تأتي الانتخابات النيابية في 15 مايو (أيار) المقبل، ببرلمان الأكثرية فيه من كتل نيابية لا "مونة" عليها من قبل الحليف الرئيس "حزب الله"، ما يصعّب ترجيح كفة باسيل للرئاسة. 

وتشمل هذه الخشية في الحد الأدنى، أن يحول التغيير في الأكثرية، دون إحباط انتخاب مرشح من خصوم عون وصهره، مثل رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية، الحليف أيضاً لـ"حزب الله" وسبق أن رشحه زعيم تيار "المستقبل" الرئيس سعد الحريري في عام 2015 للرئاسة، لكن الحزب فضّل عون عليه آنذاك. كما أن "التيار الوطني الحر" يريد أن يحتاط باكراً من أن يؤدي التحول في خريطة المجلس النيابي إلى تزكية شخصية لا تتمتع بالولاء لتيار رئيس الجمهورية وباسيل، مثل قائد الجيش العماد جوزيف، الذي يتردد اسمه بفعل الدعم الذي يتمتع به الجيش دولياً وعربياً خصوصاً من الولايات المتحدة وفرنسا، مع أنه يدعو إلى إبعاد اسمه عن التكهنات في شأن الرئاسة ويفضّل حصر ذكره بالنشاطات المتعلقة بقيادة الجيش ومهماته. 

تنحي عون للتعويض لباسيل عن تضحياته 

استقالة عون قبل نهاية ولايته طُرحت مجدداً بعد تراجع شعبيته وباسيل، بسبب تردي الوضع الاقتصادي المالي، من داخل الفريق العوني هذه المرة، قبل بضعة أشهر. فالمخاوف من إفلات الرئاسة من الفريق العوني دفعته إلى التداول باقتراحات، من بينها تحضير الأرضية لانتخاب باسيل للرئاسة الأولى عبر تنحي عون بحجة أسباب صحية، بحيث يجري انتخاب صهره ليحل مكانه، كاستمرارية للولاية التي لم يكملها، على أن يتم ذلك بتسوية مسبقة تضمن تبوُّء باسيل المنصب. 

ويقول بعض المطلعين على هموم وهواجس المقربين من الفريق الرئاسي، إن هناك اعتقاداً لديه، بأن التضحيات التي قدمها باسيل بالتحالف مع الحزب، والتي شملت نسفه التفاهم مع جعجع، ثم تعرضه للعقوبات الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 تحت قانون "ماغنتسكي" للفساد، بسبب تعاونه مع "حزب الله"، تسوغ له أن يحصل على دعم الأخير للرئاسة مقابل الكلفة التي تكبدها وأدت إلى التصويب الخارجي والداخلي عليه. كما أن السعي إلى إقناع الحزب بخيار من هذا النوع يشمل إغراءه بأن الانتخاب المبكر لرئيس حليف له مثل باسيل، يعوّض له ما سيخسره في الانتخابات النيابية المقبلة في البرلمان، سواء بسبب تناقص الكتلة النيابية لـ"التيار الوطني الحر"، أو بسبب تصاعد الحملة عليه في سائر الطوائف اللبنانية، فيضمن رئيساً حليفاً له لست سنوات جديدة، مهما تغير ميزان القوى النيابي. 

إلا أن الأوساط الوثيقة الصلة بـ"حزب الله" تشير إلى أن قيادة الأخير، مع تقديرها للثمن الذي يدفعه باسيل مقابل التحالف معه، لا تعتقد أن الوقت حان لاتخاذ القرار بشأن الاستحقاق الرئاسي، الذي يعرف القاصي والداني في لبنان أنه يأتي نتيجة تسوية إقليمية دولية. فالرئيس عون نفسه تولى الرئاسة بفعل قبول أميركي ضمني لخياره في عام 2016، (تولى التسويق له مساعد وزير الخارجية السابق للشؤون السياسية والسفير السابق في لبنان ديفيد هيل الذي مرّر الرسالة إلى مَن كانوا يعارضون هذا الخيار). وعليه فإن أجواء الحزب ليست في وارد الالتزام بخيار دعم باسيل للرئاسة منذ الآن، في ظل تطورات متلاحقة في المنطقة ما زال مآلها غير واضح.

المحاولة مع دمشق ونهج "الحزب"

مع ذلك لم يستسلم بعض المحيطين بعون وصهره وواصلوا الترويج لفكرة الانتخاب المبكر في الغرف المغلقة. وآخر المعطيات في هذا الصدد، بحسب أوساط متصلة بحلفاء "حزب الله" وبأصدقاء للنظام السوري، أن الموفدين الدائمين من قبل عون إلى دمشق الذين يتحركون بعيداً من الأضواء في شكل أسبوعي بين بيروت ودمشق لإبقاء التواصل مستمراً، اقترحوا على القيادة السورية أن تلعب دوراً لدى "حزب الله" من أجل ترجيح هذا الخيار، وإقناع رئيس البرلمان نبيه بري المعارض بشدة للعهد ولباسيل، الذي يتبادل محيطه الحملات بشكل يومي مع قادة "التيار الوطني الحر"، لعل دمشق تستعيد بعض النفوذ الذي خسرته عبر ترجيح كفة باسيل من خلال علاقتها الخاصة بالحزب وبري. وعلق مصدر سياسي بلغته المعطيات في هذا الشأن، بالقول إن من "السذاجة الاعتقاد بأنه يمكن للفريق العوني أن يضغط على حزب الله عن طريق الرئيس السوري بشار الأسد، لأن هذا الطموح يتجاهل مدى عمق العلاقة بينهما".

إلا أن الفريق العوني لم ييأس من السعي إلى تحقيق هذا الهدف، إلى درجة الاعتقاد بأن الانتقادات العلنية التي يوجهها باسيل ونواب "التيار" لـ"حزب الله" بحجة تعطيل الحكومة (قبل إعلان الثنائي الشيعي وقف مقاطعتهما لاجتماعها في بيانه في 15 يناير) بالتضامن مع بري، مشترطاً الحد من صلاحيات المحقق العدلي في جريمة انفجار المرفأ، القاضي طارق بيطار، قد يدفع الحزب إلى البحث مع عون في خيار باسيل. فتركيز الرئاسة، وقيادة "التيار" حملتهما الإعلامية ضد تلكؤ البرلمان في إقرار قوانين إصلاحية وضد مواقف بري، وانتقاد انحياز الحزب لتحالفه مع رئيس البرلمان، على حساب تحالفه مع الفريق الرئاسي، وصولاً إلى اعتراض عون وباسيل العلني على تدخلات الحزب خارج لبنان، وطرح رئيس الجمهورية بندَ الاستراتيجية الدفاعية في اقتراحه عقد طاولة للحوار الوطني، كلها ضغوط من هذا الفريق، تتوخى الحصول من أمينه العام حسن نصر الله على إشارة ما تتعلق بالاستحقاق الرئاسي المقبل. 

ويكرر متصلون بـ"حزب الله" أنه على الرغم من الحملة الأخيرة ضده، التي أزعجته ووسعت الخلاف في شكل جدي بين الحليفين، فإنه ليس في وارد إلزام نفسه بموقف من الرئاسة قبل تسعة أشهر من الاستحقاق الرئاسي، فضلاً عن وجود شكوك لديه حول الخطوط التي يسعى باسيل إلى فتحها مع الجانب الأميركي من أجل رفع العقوبات عنه. 

وفي رأي هؤلاء أن النهج الذي يتبعه "حزب الله" حيال الخلافات مع "التيار الوطني الحر" هو إبقاء الصلة التحالفية قائمة بحدود عدم إفادة الخصم اللدود للحزب وعون على الساحة المسيحية، رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، من انفجار خلافه مع عون.

المزيد من تقارير