Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 بلال خبيز يستخلص أبعاد الكارثة في صور بيروت وناسها

كتاب عن الحداثة الباهظة والهوية المفروضة واللغة التي هي اختيار فردي وجماعي

بيروت الكارثة وما بعدها بريشة الرسام البريطاني توم يونغ (صفحة الرسام على فيسبوك) 

يقول جاك أومون في كتابه "الصورة" بأنّ للصورة تأويلاً ذا أبعاد ثلاثة: البعد شبه الكوني، البعد الطبيعي الممكن اعتباره اجتماعياً والبعد المتّصل بالسياق الاجتماعي حكماً.

الكاتب والشاعر بلال خبيز (1963) أراد في كتابه الجديد، الصادر عن دار النهضة العربية (2021) بعنوان "التقدّم نحو الكارثة" أن يسائل دلالات الصور، والأعمال الفنية المنجزة في لبنان، في خلال السنوات التي تلت اتّفاق الطائف، بل في العقدين الأول والثاني، من القرن الواحد والعشرين. ولكنّ الكتاب، على ما يورد خبيز، في التوطئة، هو سلسلة مقالات، ينظر فيها مؤلفها في ما قُدّم من فنون عرض وتجهيز وفيديو وصور فوتوغرافية، وغيرها مما لم يعد جديراً بعناية الصفحات الثقافية، ما دامت لم تجد لها جمهوراً متلقّياً، يقدّرها ويقتنيها، على خلاف ما كانت عليه حال الثقافة الفنية، أيّام السبعينيات والثمانينيات. وإثباتاً لمسلّمته التي يستهلّ بها كتابه، في أنّ ما يمنح الفنون حضوراً هو السلطات، يسوق أمثلة ثلاثة عن أعمال معروضة لكلّ من خليل حرب، وجوانا حاجي توما، وغسان سلهب، ويخلص إلى أنّ الغاية من تتبّعه الأعمال الفنية، على مدار الكتاب (72 صفحة) إنما هي الفضول. أما القارئ فلا يرى غضاضة في الزائد عن الفضول، عنيتُ رأي الكاتب الخاص، في الدلالات الاجتماعية والسياسية لكلّ من الأعمال الفنية المعروضة.

فضح أدبي

وبين العرض والفضول، تهكّم يحمل تقييماً ضمنياً للأعمال الفنية، وفضحٌ مشغولٌ بعناية أدبية لمآل الفنون التي باتت من دون جمهور، ولا نقد ثقافي متابع. ولعلّ هذا البحث- على ما وصفه الكاتب-، يندرج في ما يمكن تسميته بالتأريخ الجزئي، والمزاجي لفنون العرض والتجهيز والفيديو والصور الفوتوغرافية، على غرار ما قام به فيليب بازين، ولكن من دون صوَر مرفقة. علماً أنّ أكثر من نصف المقالات المتلاحقة التي يتكوّن منها كلّ باب من خمسة أبواب تعالج مسائل اجتماعية ونفسية عامة ومظاهر لغوية وأخرى هندسية ومدينية محضة، وغيرها، مما يمكن إدراجه في علوم بينية، لم يعرها الكاتب كبير اهتمام.

إذاً، في الباب الأول من الكتاب، وهو بعنوان "المطمئنّ الميت والخائف الناجي"، يستمدّ المؤلّف من كتاب أحمد بيضون ("ما علمتم وذقتم")، واقعة موصوفة فيه وهي إقامة عائلة الكاتب في الحمّام، إبّان اشتداد القصف بين شطري العاصمة بيروت، في خلال الحرب الأهلية، واضطرار أفرادها إلى قضاء كلّ حاجاتهم فيه، من أجل أن ينتقل إلى الكلام على هندسات البيوت الاضطرارية، وغياب الدولة تالياً، بعد استتباب الأمن، وعودة السلام إلى الربوع، باتفاق الطائف، عن كل تدبير أو رؤية، ونموّ الريف على حساب المدينة، والفردية.

وفي نوع من التساوق المنطقي، يأتي الكاتب خبيز على ذكر العزلات الفاخرة التي حاول المواطنون، من ذوي الثراء، أن يقيموها بديلاً عن غياب الدولة، وخوفاً من "المستقبل الأسود" الذي كان ينتظرهم، فإذا بهم يُحملون على تدبير كلّ احتياجاتهم، وخدماتهم بعيداً من رهان السلطة والدولة، بحسبه. وفي مقابل امتناع الدولة عن أداء دورها، تجد اللبنانيين- بحسب الكاتب- ينسبون كلّ مصائبهم وانتكاساتهم- وآخرها الانهيار الاقتصادي والمالي- إلى التخلّف والجهل، وليس إلى مسببها الحقيقي. في حين أنّ الكارثة وإن وقعت، في بلد ذي قوام طبيعي، تكون موضع اهتمام وإحاطة من قبل السلطات المحلية. ذلك أنّ دأب الدولة ينبغي أن يكون بحثها المحموم عما يطمئن المواطن على مستقبله، وليس على تخويفه من مصيره الشخصي والجماعي.

الحداثة الباهظة

وفي الباب الثاني، بعنوان "حداثة بيروت الباهظة"، تعالج المقالات المتفرّقة فيه ظواهر اجتماعية، بل يسلّط الضوء الكاشف على أنماط تفكير متحجّرة لدى اللبنانيين، بعامة، وذلك استناداً إلى صوَر فوتوغرافية في معارض، كتلك التي ظهرت في معرض أقامه وليد صادق، ولا سيّما صوَر أطفال بلباس عسكري، أُخذت لهم إبان الحرب الأهلية. ويخلص إلى القول بأنّ في وعي كلّ لبناني جذراً ثابتاً، لا يتزحزح، بانتمائه إلى مكانٍ وفئة ذات تاريخ صراعيّ مع الآخر، وذلك "بحكم العيش والولادة" (ص:23)، وبأنّ اللبنانيّ يحيا "فصاماً هائلاً بين المعرفة والعيش"، وأنّ الموضة هي المحرّك الرئيسي لأفعالهم ولحركتهم نحو المستقبل. أما هويّة اللبناني فليست ما يكون عليه، مولداً ومهنةً وإنجازاً، وإنّما يسبغها الآخرون، بحسب الكاتب، عليه، أو يحجبونها عنه، لدواعٍ تُنمى إلى العصبية أو الشبهة أو النسب، أو غيره، وكلٌّ منها يوازي معيار المواطنة أو يفوقه بأشواط.

ويقول الكاتب، في موضع آخر، من الباب عينه، إنّ اللغة في لبنان اختيار فرديّ وجماعيّ، وليست اختياراً إجبارياً، كما هي العادة في أي بلد طبيعي: الألمانية للألماني، والفرنسية للفرنسي، والصينية للصيني، وهكذا دواليك. واستتباعاً، يمكن اعتبار الاختيار اللغوي عاملاً إضافياً من عوامل التمايز الاجتماعي والطبقي وربما الطائفي، أحياناً، بين اللبنانيين.

حياة وأنماط

وفي الباب الثالث، المعنون "تقاطع حيوات وأنماط"، ينطلق بلال خبيز من عمل لطوني شكر المعماري والفني، وهو كناية عن بناء مدينة من كلمات، ليناقش مسألة بنيان المدينة بيروت، التي كانت قد أنشئت، بحسبه، على الطراز المرسوم لها في المدن: أي للخاصة من الوافدين إليها. في حين تُرك للريف، وفقاً لماكس فيبر، أن يخدم المدينيين المتعصّبين للحداثة. وإذ ينتقل إلى فكرة فرعية أخرى، متصلة بالعنوان، حول شروط إنتاج الصوَر (الفوتوغرافية والفنية وغيرها)، يقول إننا، في لبنان، وإن كنّا نستطيع إنتاج صوَر على قدر لا بأس به من التقنية، فإننا نبدو مقيّدين كثيراً بهويّتنا المضطربة والمتلجلجة، حالما نضطر للدخول إلى عالم الدلالات. أما الشرط المانع لهذا التخبّط والاضطراب، فيكمن في إنجاز المجتمع اللبناني حداثته الخاصة، على أن تكون الثقافة والسياسة مساهمتين فيها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بيد أنّ الفصل الرابع، وعنوانه "عن صوَر قليلة ممكنة... تلك التي تملكنا"، وهو الأوسع (يتضمن إحدى عشرة مقالة قصيرة)، يحقق جلّ منهجية الكاتب القائمة على الصورة المستلّة من معرض، أو فيلم سينمائي، أو لقطة، أو زاوية للنظر غريبة، أو مقطع من رواية، من أجل تحليلها واستخلاص العبر منها، وإدراجها في السجلّ الوجداني والمعرفي الخاص بالكاتب والمنظّر للتصوير. وعلى سبيل المثال، تذكّر الكاتب صور الطفولة، وأهمّ لقطات إدواردو غاليانو، وديفيد لينش، والتي تبرز ابتسامات الأشخاص وتوقّع على سعادتهم الدائمة فيها. ثمّ الكلام على "رؤية الرغبة" عبر ملامح من الجسد المصوّر، لمعرفة أجسادنا مجزّأة، وصورة الثدي وقد استرقها الرجل وباتت دليلاً على تملّكه المرأة، والكلام على فيلم غسان سلهب "جسدي ميتاً جسدي حيّاً"، وغيره من الوقفات التأملية في دلالات الصوَر الإنسانية والفنية العميقة.

كتاب بلال خبيز، "التقدّم نحو الكارثة" لعلّه يفتح ثغرة، وإن ضئيلة، في الستارة الحائلة دون معرفة اللبنانيين أنفسهم، عبر الصّور، فيتحوّلوا عن درب الفجيعة المستمرّة التي هم فيها اليوم، إلى درب الكارثة الأقلّ وطأة، والأكثر قابلية للمعالجة.

للكاتب والشاعر بلال خبيز، فضلاً عن كتابه الأخير، مجموعتان شعريتان: ربما ذكرى هواء، وعن مرض والدي والحَرّ الذي لا يُطاق، وعملان نثريان: في أنّ الجسد خطيئة وخلاص، والصورة الباقية والعالم الزائل.

المزيد من ثقافة