Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شريف مليكة يسرد حكايا العشق الهائمة بين مصر وأميركا

مشاهد روائية قصيرة تسترجع ثلاثة أجيال وشخصيات تركت أثراً في الذاكرة

لوحة للرسامة السورية سعاد مردم بيك (صفحة الرسامة على فيسبوك)

تتماسّ رواية "أيام عشق" (الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2022) للكاتب المصري شريف مليكة، المقيم في الولايات المتحدة الأميركية، مع ثيمات وأنساق روائية متنوّعة، من دون أن تمثّل الرواية أيّاً من هذه الأنواع والأشكال المعروفة والسائدة. فرواية مليكة الجديدة، بعد سبع روايات وثلاث مجموعات قصصية وأربعة دواوين شعرية باللهجة العامية، تتناول أجيالاً متعاقبة (ثلاثة أجيال لعائلة مصرية في الفترة ما بين عامي 1950 و2019)، لكنها ليست رواية أجيال بالمعنى الفني المألوف، كما في الجداريات الملحمية التفصيلية، التي تتقصى بشكل موسّع مراحل حياتية بأكملها.

كذلك، فإن الرواية تتقاطع في نسيجها الإبداعي التخييلي المتشابك، مع أحداث واقعية، وشخصيات حقيقية (منهم على سبيل المثال: محمد فوزي، بليغ حمدي، أم كلثوم، محمد عبد الوهاب، عبد الحليم حافظ، صالح سليم، وغيرهم)، لكنها ليست رواية تاريخية، كتلك الأعمال المعنيّة في المقام الأول بالتسجيل والتوثيق والوقائع الأمينة المدوّنة والمنسوبة إلى مصادرها.

ومن جهة ثالثة، فإن رواية شريف مليكة، الطبيب والأديب المولود في عام 1958، والذي هاجر إلى أميركا في عام 1984، لا تنتسب إلى روايات السيرة الذاتية، وذلك على الرغم من تشابه بعض شخوصها وأحداثها مع ما قد يبدو للوهلة الأولى مقتطَفاً من مذكرات المؤلف أو مقتبساً من خبراته وعلاقاته ومشاهداته المباشرة لما يدور حوله وبالقرب منه، في مصر قبل سفره، وفي المجتمع الغربي بعد رحيله. ثم في مصر مرة أخرى بعيون المهاجر المغترب، فالرواية تضم بين شخصياتها أكثر من طبيب مصري قبطي يعمل ويعيش في الولايات المتحدة خلال مراحل زمنية مختلفة، ومنهم من غادر مصر في ثمانينيات القرن الماضي. كما أنها تستعرض تفاصيل العمل الطبي والإداري في المستشفيات الأميركية، وتبرز ملامح الحياة في المجتمع الغربي بما فيها من عادات وتقاليد ومفاهيم مختلفة، ما قد يُسبب صدمة عنيفة للمهاجرين الشرقيين عقب نزوحهم، ولا يزول أثر هذه الصدمة سريعاً.

خيوط ونثارات

لا يريد المؤلف في توليفته الخاصة تقديم نسق روائي هندسي محدد بعينه، كما أنه في عمله القصير نسبيّاً (162 صفحة) لا يهدف إلى إقامة معمار روائيّ متماسك البنيان والأركان، متكامل الزوايا والأطراف، على النحو التقليدي. لكنّ الذي يقصده، بداية من العنوان القائم على التنكير "أيام عشق"، والتقديم الشعري (رباعية عمر الخيّام بترجمة أحمد رامي: أولى بهذا القلب أن يخفقَ، وفي ضرام الحب أن يُحرقَ/ ما أضيع اليومَ الذي مرَّ بي، من غير أن أهوى وأن أعشقَ)، ومروراً بما يحكيه الراوي العليم عن أبطال العمل المحكومين بالوله دائماً منذ صباهم حتى شيخوتهم، هو سرد مجموعة متفرقة من حكايا القلوب الهشّة الهائمة، الذائبة محبّة ووجداً، التي تدور بين مصر وأميركا وبريطانيا وأمكنة أخرى، عبر قرابة سبعين عاماً من الزمان، حيث قد تتغير أمور وعلاقات وأشياء كثيرة، لكنّ نبض القلوب العاشقة هو الذي لا يتبدّل.

وبعبارة أخرى، فإن المؤلف يكاد يقترح العشق بوصفه بوصلة دالة، أو محوراً مركزيّاً، أو بطلاً مطلقاً لعمل كل عناصره ومفرداته الأخرى نسبية وزائلة. وهو يقسّم روايته إلى سبع مغامرات عشقية أو سبعة فصول، عنوان كل فصل هو أحد التواريخ أو أحد "أيام العشق"، ما بين 1950 و2019، ولا يوجد أي التزام بالتسلسل الزمني، فالفصل الخامس مثلاً "اليوم الخامس" بعنوان "25 أغسطس (آب) 1983"، والفصل السادس بعنوان "27 يناير (كانون الثاني) 1950". والمثير أن كل فصل أو كل يوم من أيام العشق السبعة يبدأ بحرف من الحروف المشكلة لـ"أيام عشق"، على الترتيب، إلى أن يكتمل عنوان الرواية مع الفصل الأخير "24 مارس (آذار) 2019"، الذي يبدأ بحرف القاف، ويسرد حكاية إحدى بطلات الجيل الثالث للعشق "قاومت هيرا النعاس بصعوبة، فها هي المرة الثانية التي تصل فيها إلى القاهرة، في حين أنها تعتبرها في الواقع أول زيارة لها، فالمرة الأولى كانت مجرد طفلة، حملها أبواها على الأكتاف".

ولا يترك المؤلف شخصياته وأحداثه بغير خيوط منطقية رابطة وجامعة، لكنه لا يشاء أن يخنقها بهذه الخيوط المنتظمة، فالهدف الغائي هو تصوير مشاهد قصيرة مبتورة ومواقف متناثرة، فردية وجماعية، وتفجير لقطات سريعة مشحونة، وحالات عشقية متأججة هنا وهناك، ذات تركيز ومصداقية وحساسية، وليس الهدف تتبّع خطوات أفراد العائلة وسائر الشخصيات أينما ذهبوا وعادوا، ولا تقفّي صراعاتهم ومصائرهم من البداية إلى النهاية، فالعمل برمّته هو عمل "اصطياد" للحظات النادرة والاستثنائية في حياة كل واحد منهم، ومن ثم الكشف عنها، وتشريحها.

مفاهيم ومستويات

تأتي أيام العشق، أو تلك اليوميات التي يفصح عنها الراوي العليم المحيط بكافة الشخصيات والملمّ بسائر الأحداث، محمّلة بمفاهيم ومستويات متعددة لذلك العشق المشار إليه في كل فصل من الفصول. فهناك الحب الأفلاطوني المنزّه، والانجذابات الرومانسية الشفيفة، وارتعاشات الرغبة والتوق الجسداني. وهناك صيغ أكثر عمومية واتساعاً للعشق، تحت مظلة التضحية مثلاً، والإيثار، والصداقة، وحب الأطفال، والمرضى، وأيضاً حب العمل، والفن، والهواية، والرياضة. وكذلك، هناك افتتان المرء بوطنه، ولغته، وقوميته، وصولاً إلى العشق الإلهي، وانقطاع الإنسان للعبادة متخلياً عن ماضيه بالكامل.

وفي سبيله نحو بلورة هذه الأوجه المتعددة للعشق، يوازن المؤلف في رحلاته العشقية المرنة بين الحقيقي والمتخيل، وبين الشخصيات الواقعية والروائية، وبين السرديات الذاتية والتخييلية. ويتخذ لذلك الغرض مسارات بسيطة سهلة، فالرواية تحكي جوانب من حياة أفراد عائلة مصرية قبطية، تقيم في بيت الجد في شارع شبرا بالقاهرة، وتضم ذكوراً وإناثاً ينتسبون إلى ذلك الجد، ويندمجون أكثر مع بعضهم البعض عبر زيجات تجمع الفروع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعكس كل فرد من أفراد العائلة، والقصة المرتبطة به وبزوجته وأبنائه وأحفاده وجيرانه وأصدقائه ومعارفه وشبكة علاقاته، حالة من حالات العشق، وذلك عند لحظة ما من اللحظات الحرجة، في المدى الزمني الممتد، الذي تتناوله الرواية، كتلك اللحظة مثلاً التي هددت فيها "بهيرة" ابن خالتها "نبيل" (من الجيل الأول للأسرة) بالقتل بسكين، إذا تخلى عنها ولم يتزوجها، مثلما يحكي الفصل الأول "15 يناير 1950".

ويتيح تعدد الشخوص، وطول أعمارهم، واختلاف مجالات اهتماماتهم، مساحة كبيرة للتنوع على مسرح المشاهد واللقطات الروائية، خصوصاً أن زوجين من الجيل الأول قد هاجرا إلى الولايات المتحدة، ثم تبعهما شاب من الجيل الثاني ليتزوج بدوره في الولايات المتحدة، فيما وُلد بعض الأحفاد "الجيل الثالث" في الولايات المتحدة، ليعودوا إلى مصر في سن الشباب في نهاية الرواية، ويلتقوا مع جدهم وجدتهم في القاهرة.

يبدو العشق دائماً هو المحرك للأحداث التي تتناولها الرواية، وهو السبب وراء اختيارات الشخوص وقراراتهم الفاصلة في شؤونهم المختلفة، فالطبيب المصري نادر نبيل ملاك (أحد أفراد الجيل الثاني للأسرة القبطية) لم يتخذ قراره مثلاً بالهجرة إلى الولايات المتحدة إلا "ليدع عنه مرارة علقت بحلقه منذ فشلت قصة غرامه في مصر"، مثلما يحكي الفصل الثاني أو يوم العشق الثاني، بعنوان "14 فبراير 1983".

دلالات تحليلية

لا تأتي الوقائع الروائية، وحكايا العشق المتنوعة، مجرد لمحات منقولة حرفيّاً من خلال سرد الراوي وأحاديث الشخوص بكاميرا تسجيلية، وإنما يتعاطى المؤلف عادة مع هذه المشاهد القريبة بآليات تحليلية، أملاً في بلوغ طبقات دلالية وتأويلية أعمق.

ويتخذ المؤلف كذلك روايته معبراً إلى رسم المقابلات العريضة بين المجتمعين الشرقي والغربي، والتأكيد أن الاختلاف بين الجانبين لا يزال كبيراً، وأن ما يسمى بالصراع الحضاري ليس وهماً. ويُبرز ذلك من خلال تبيان الفروق الواسعة في منظومة العادات والتقاليد، بين مصر والولايات المتحدة، وكيف يتلقى المهاجرون الجدد صدمات عاطفية ويعانون من تبعات الازدواجية، إلى أن تتبدل شخصياتهم تدريجيّاً، ولربما ينصهر بعضهم تماماً في واقعه الجديد، فيصير عاشقاً على النمط الغربي.

من ذلك مثلاً، ما يرويه الفصل الثاني أو يوم العشق الثاني "14 فبراير 1983"، عن قصة ليلة الفالنتاين "عيد الحب"، التي قضاها الطبيب المصري نادر نبيل ملاك (أحد أفراد الجيل الثاني للأسرة القبطية)، برفقة صديقته الطبيبة الأميركية "مارجو"، في الولايات المتحدة، بحيث تبادلا الحب، وأهدته عذريتها في شقته، وبعد ذلك بعام كامل تزوجها، في ليلة عيد الحب أيضاً، وأنجبا "هيرا" و"ميرا"، البنتين التوأمتين.

وهاتان الفتاتان الجميلتان، تجسّدان بدورهما مرحلة ثالثة في حياة الأسرة، وصفحة جديدة من صفحات الصراع بين القديم والجديد، والشرقي والغربي، خصوصاً عندما عادت "هيرا" إلى مصر في عام 2019 برفقة صديقها اللبناني شادي خوري، ليلتقيا أسرتها قبل شروعهما في الارتباط، حيث تنتهي الرواية عند هذه النقطة المراوغة، محيلة إلى أن "هيرا" باتت تعشق جدتها "بهيرة" على رغم كل هذه السنوات والمسافات والاختلافات، فالعشق قادر دائماً على التأليف بين القلوب، وتوحيد الأرواح.

المزيد من ثقافة