Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"صوفي شول" أو عودة مباغتة إلى تلك الصبية التي كانت رمزا لمقاومة منسية

فيلم ومراسلات لتأكيد أن الألمان أيضاً قاوموا هتلر ونازييه حتى الموت

مشهد من " صوفي شول"    (موقع الفيلم)

هل كان صحيحاً ما ثبت في الأذهان لعقود طويلة بعد انقضاء الحرب العالمية الثانية واندحار هتلر ونازييه وحلفائه، من أن الألمان جميعاً وقفوا إلى جانبه؟ وأن المقاومة الأقلية التي جابهته كانت غالباً غير ألمانية أو من فعل مثقفين حزبيين أو ما شابه ذلك؟ أعمال كثيرة طرحت السؤال. وأعمال كثيرة قدمت إجابات، بعضها مقنع والآخر أقل إقناعاً. غير أن ظلال العاطفة والمشاعر الغاضبة ظلت مهيمنة ودائماً بحسب ما يرى أصحاب مصالح وجدوا أن مصلحتهم تقضي بتغليب الانطباع القائل بأن الألمان في غالبيتهم الساحقة وقفوا إما الى جانب هتلر أو ساكتين عنه بتواطؤ ضمني، وكانت النتيجة أن أبرزت إسرائيل بدعايتها العريضة أن اليهود الألمان وغير الألمان كانوا وحدهم المقاومين وكذلك ضحايا المذابح الهتلرية. كان واضحاً أن المانيا لا تزال في حاجة إلى انتظار زمن ما، قبل أن تجابه ماضيها كمرآة حقيقية، لا كمجرد نافذة يُطل منها على آخر. قبل أن تكتشف أن هتلر والنازية والهمجية والمذابح لم تكن حدثاً عارضاً في تاريخها، لكنها لم تكن موجهة فقط إلى كل ما يعتبر غير ألماني.

بعضهم نغص عيشه

والحقيقة أن هذه القضية برمتها برزت بشكل خاص، وربما من دون سابق إنذار سينمائياً على الأقل خلال انعقاد دورة عام 2007 من مهرجان برلين السينمائي حيث عرضت مجموعة مدهشة من أفلام وأقيمت سجالات لا شك أنها نغصت عيش كثر من حول تلك المسألة "الشائكة"، مسألة المقاومة الألمانية ضد هتلر. لا سيما بالنسبة إلى الأبرز بين تلك الأفلام هو المخصص لحكاية حقيقية عن مقاومة صبية كان اسمها قبل ذلك مغيباً عن الجمهور العريض وكأن قوماً ما كانوا قد حكموا عليها بالنسيان طوال العقود التي تلت إعدامها الذي حكم به عليها من قبل المحاكم النازية خلال المرحلة الأخيرة من الحرب: صوفي شول كان اسم الفتاة والفيلم في آن معاً.

 وقبل أن نعود إلى الفيلم لا بأس من أن نذكر أن ذلك العام نفسه 2007 كان قد شهد ضجيجاً بديعاً أثاره نشر مراسلات وكراسات تخص صوفي شول وأخيها هانز كان قد عثر عليها بعد إعدامهما، ما أعاد إلى ذاكرة ألمانية كانت تتهم بأنها قصيرة حكاية ذينك الشقيقين اللذين شكلا منذ عام 1942 نواة مجموعة سميت "الوردة البيضاء" وكانت مؤلفة من عدد من طلاب ومثقفين ألمان قرروا العمل السري لمقاومة هتلر والنازية معاً، فيما كان هذان يعيشان ذروة انتصاراتهما وهيمنتهما على أوروبا كما على عقول كثر من الألمان.

لا خوف من الموت

تتحدث الرسائل والمقاطع الصغيرة، لا سيما تلك التي كانت صوفي وأخوها هانز يتبادلانها أو يبعثان بها إلى أبيهما المسجون لمدة عام عند أواسط الحرب، لمجرد أن أحدهم أخبر الغستابو أنه شتم الفوهرر، تتحدث عن انخراط الأخوان إلى حلقات صغيرة موزعة بين المناطق والمدن تحاول مقاومة الفكر النازي الهتلري على الأقل عبر توزيع منشورات تتحدث عن السلام والحرية، و"تشكر هتلر لإرساله كل هؤلاء الشبان الألمان اليافعين كي يموتوا في حرب عبثية لا معنى لها". ولعل الكلمتين الأكثر وروداً في الرسائل والمقطوعات هما الموت والحرية. وبقلم صوفي لا بأس بالموت، "موتنا" إن كان من شأنه أن يوصل إلى الحرية، "حرية الآخرين"، لأن في حريتهم "تحرير لنا". وعلى هذا النحو يبدو واضحاً أن صوفي لم تكن لتبالي بتلك النهاية التي ستكون من نصيبها في نهاية الأمر، لا سيما بعدما أفاقت على الهزيمة النكراء التي مني بها الجنود الألمان في ستالينغراد، كما على ما حدث إثر انتفاضة غيتو وارصو. ونعرف اليوم، بفضل تلك الكتابات أن صوفي وهانز وأبيهما من قبلهما، لم يكونوا الوحيدين الذين وقفوا يتصدون لرأي عام صاغته الهتلرية "على مزاجها الإجرامي"، واضعة "حلاً نهائياً ليس للقضية اليهودية وحدها، بل لكرامة الألمان وحريتهم نفسها"، بحسب ما جاء بقلم هانز في رسالة بعث بها إلى أخته. وهذا الذي جاء في الرسالة يشكل على أي حال جزءاً مما جاء في المنشورات التي راح الأخوان يوزعانها حتى اللحظة التي قبض عليهما فيها رجال الغستابو وكانت النتيجة إعدامهما واحد بعد الآخر.

الفصل الأخير من الحكاية

وهذا ما يعيدنا هنا إلى الفيلم الذي انطلقنا منه في حديثنا، والذي من الواضح أن تحقق بالاستناد إلى تلك الوثائق، ففيلم "صوفي شول" الذي يروي الفصل الأخير من هذه الحكاية كان واحداً من عدة أفلام أعادت القضية إلى الواجهة خلال تلك الدورة من المهرجان البرليني وأبرزها فيلمان روائيان، شعبيان وكبيران أولهما "صوفي شول" نفسه، بدا من الواضح أن همهما إعادة الأمور إلى نصابها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فيلمان يحدثانا عن النازية كحركة سياسية خطرة، لا علاقة لها بفقدان العقل، ولا بالدراما السيكولوجية: فيلمان يشددان على المنظومة السلطوية القمعية للنازية، وكما تجلت بخاصة خلال الأيام الأخيرة للحرب العالمية الثانية. أما ثاني الفيلمين، وأقلهما أهمية بالتأكيد، فهو "قراصنة أدلفاسي". علماً بأن "صوفي شول" عرض في المسابقة الرسمية، ونالت بطلته جوليا جنتش، جائزة أفضل ممثلة على دورها الرائع فيه.

عن الذين قاوموا
ولعل القاسم المشترك الرئيس بين الفيلمين، حديثهما معاً، كل على طريقته، عن الأمر الذي كان مسكوتاً عنه طويلاً كما أشرنا: المقاومة الألمانية البطولية ضد هتلر ونازييه. تلك المقاومة التي ظلت منسية طوال عقود حتى أتت أعمال فكرية وإبداعية من بينها هذان الفيلمان لتقول: لا. لقد كانت هناك مقاومة عنيفة، وكان هناك شهداء وضحايا. و"قراصنة أدلفاسي"، المبني على وقائع حقيقية حدثت في مدينة كولونيا في خريف عام 1944، أتى ليروي تلك الوقائع "حتى وإن كان الواقع أكثر جنوناً وتعقداً مما نقوله في الفيلم"، بحسب ما قال مخرجه نيقو فون غلاسّو، الذي أضاف أن الوقائع تتعلق بمجموعة من المقاومين الذين ظهروا في تلك الأثناء بالاسم الذي استعاره عنوان الفيلم. هؤلاء خاضوا معارك مذهلة ضد نازيي الهتلرية. وكانت معارك تخاض أحياناً داخل البيت الواحد فيما كان التحرير لا يزال بعيداً.

محاكمة واستشهاد
بالنسبة إلى "صوفي شول" كان التحرير أقرب، ولكن نظرياً فقط. فصوفي، بطلة الفيلم الذي يحمل اسمها، هي عضو في مجموعة مقاومة أخرى في ميونيخ، تسمى "فايسي روز" (الوردة البيضاء) يخيل إليها إذ خسر النازيون معركة ستالينغراد أن الهزيمة النازية باتت في الأفق. ومن هنا تنطلق المجموعة من تكثيف عملياتها، بشعارات معادية للنازية، راسمة الخطط للعمليات. لكن النازيين كانوا لا يزالون مسيطرين. وهكذا يقبض على صوفي وعلى شقيقها.

والفيلم يحدثنا عن محاكمتهما، ومحاولات صوفي، على الأقل، إنقاذ شقيقها، مرتبطة في سبيل ذلك بعلاقة مع موهر، رجل الغستابو. بيد أن الأخير يعدها بإنقاذ الأخ إن قالت إنها لا تلعب دوراً أساسياً في المقاومة، لكن الفتاة ترفض وتجابه عشيقها بموقف أخلاقي - بطولي يشكل ركيزة الفيلم الأساسية. غير أن هذا لا ينقذ الأخ، بل يشدد حتى من محاكمة صوفي، التي سيكون الإعدام مع أخيها، هو المصير الحتمي، في وقت كان النازيون يعيشون فيه أيامهم الأخيرة.

كي لا ترتكب باسمنا من جديد
إذاً أتى "صوفي شول" بدوره مأخوذاً من تلك الأحداث الحقيقية وإن مع شيء من التوابل. غير أن المهم هنا هذا التزامن الذي يأتي تماماً عبر إنتاجات سينمائية تقول ما كان معظمه خارج نطاق البحث لعقود خلت، وهو أن ثمة الآن شيئاً داخل الضمير الألماني، ينحو مع بدايات القرن الحادي والعشرين، إلى الخروج من تلك الاستثنائية التي وضعت فيها ألمانيا نفسها طوال أكثر من نصف قرن، ولو لطرح سؤال بسيط: ماذا لو كنا نحن أيضاً أناساً عاديين، نحب ونغضب ونقاوم ونطرح أسئلة، من حول تلك الجريمة الكبرى التي ارتكبت باسمنا جميعاً. وربما ثمة من يريد دائماً لها أن تهيأ لترتكب باسمنا من جديد؟

المزيد من ثقافة