Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عناق الزمن في العلا السعودية بين الماضي والحاضر

لهذه الأسباب يتعلم حتى أكثر المهندسين المعماريين والمصممين ألمعية التواضع من المعالم الطبيعية في العلا السعودية

يرى المعمار جان نوفيل إن الحجر الصخري في العلا يفتح الباب أمام إمكانيات تتصل بالشكل والمكان ستكون محالة في أي موقع آخر (إكسبيرينس العلا.كوم)

يعكف المهندس المعماري [الفرنسي] جان نوفيل حالياً على إنشاء منتجع جديد في العلا السعودية، منحوت من صخر الحجر الرملي الأجرد في أراضي الجزيرة العربية. لكنه كذلك يتعامل مع مادة أكثر صلابة، ألا وهي الوقت نفسه. في رأيه، "الأبنية المعمارية كافة تحارب الزمن فعلاً في نهاية المطاف، وتأبى إلا أن تقاومه قبل أن تستحيل خراباً وتندثر".

لكن داخل مشروعه الجديد "منتجع شرعان" Sharaan resort (في العلا)، ربما ستشعر بأنك قد تجاوزت حدود الزمن. "وجودك داخل تكوين من الحجر أشبه بوجودك في الفضاء الخارجي- حال من الرفعة والسمو"، كما يقول نوفيل مضيفاً "إنه (الحجر الصخري) يفتح الباب أمام إمكانيات تتصل بالشكل والمكان ستكون محالة في أي موقع آخر". المصممون الذين يشتغلون في هذا المعلم الضارب في القدم يعون تماماً هذا الوزن الزمني. همهم أن يبقوا بمنأى عن الاتجاهات القائمة والموضة وأن يشيدوا أبنية، على قدر استطاعة البشر [ما هو في متناولهم]، من أجل أن تصمد.

 

 

سيكون "منتجع شرعان" كبسولته الزمنية المعمارية

ليس بناء هيكل كبير ومعقد على شاكلة فندق داخل الصخرة الحية بمشروع سهل. ربما لهذا السبب لا نجد في العالم سوى عدد قليل من الفنادق تحت الأرض وفي الكهوف. واحد منها "فندق الصحراء"Desert Hotel  الذي يقع في بلدة تعدين الأوبال الأسترالية النائية في "كوبر بيدي" Coober Pedy. تضم كابادوكيا، الوجهة السياحية في تركيا، فندق "كهوف كاياكابي بريميوم" Kayakapi Premium Caves ، وهي منازل يعود إنشاؤها إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر منحوتة من الحجر، كذلك منتجع كهوف "سيكستانتيو لو غروت ديلا سيفيتا" Sextantio Le Grotte della Civita في مدينة "ماتيرا" الإيطالية. وبمحاذاة شنغهاي الصينية، أنشأت مجموعة "إنتركونتيننتال" InterContinental  فندقاً يتألف من 17 طابقاً داخل مقلع حجارة مهجور، يشتمل على غرف فوق سطح الماء وتحته.

في الواقع، لا شيء سيضاهي حجم "فندق شرعان" الجديد في العلا المقرر افتتاحه في 2024، والتحدي الفني الذي يمثله. لكن بالنسبة إلى جان نوفيل، لا يشكل ذلك بلوغ آفاق جديدة. بل يبحث هذا المعماري الفرنسي الشهير عن الإلهام من المعماريين والمهندسين والمصممين الأنباط الذين صمموا مدينة [مملكة] "دادان" [أو ددن كما تعرف أيضاً] Dadan  في القرن الأول الميلادي.

لن تفهم حجم الوديان العظيمة واتساع الواحة إلا إذا زرعت المكان: أي صورة أو فيديو يعجزان عن منحك الإحساس بالمساحة والضوء والأصوات

سامانتا كوتريل - المديرة التنفيذية لقسم التصميم في الهيئة الملكية لمحافظة العلا

يقول نوفيل إنه تأثر بالطريقة التي تفاعل بها الأنباط مع بيئتهم كي يعيدوا ارتباطهم بالأرض ويبنوا موائل مستدامة، تقيهم حرارة الصيف وبرودة الشتاء في آن، لا سيما في الموقع الأثري "الحِجر" Hegra [مدائن صالح الآن في العلا]. وباعتباره مهندساً معمارياً حديثاً يعمل في مختلف أنحاء العالم متوسلاً مجموعة عالمية من المواد والأساليب، قد يشير إلى الصبغة الكوزموبوليتية للأنباط. اعتمد هؤلاء في المقام الأول على التجارة. وتقف "الحجر" شاهدة على المصممين الأنباط الذين كانوا كثيري الأسفار، بكل ما تميزوا به من عناصر أسلوبية استقوها من بلاد آشور وفينيقيا ومصر والإسكندرية في العصر الهلنستي. لا ينفك فن العمارة يتطور كلما ظهرت صيحات مختلفة واختفت. حالياً، تمر الكلمة بحد ذاتها [العمارة Architecture] بإعادة تصميم [صوغ من جديد]. نسمع الآن عن "المعماري النجم" starchitect، عبارة تستخدم لوصف مشاهير المهنة الذين تضيف أسماؤهم بريقاً وقيمة مالية أكبر إلى أي مشروع جديد طموح. كذلك ثمة "العمارة التسويقية" marketecture، بمعنى استخدام البناء كأداة ترويج لمشروعك، وعلامتك التجارية، وحتى دولتك. شهدت الدورة التطورية الأحدث [من فن العمارة] توظيف مهندسين معماريين لتوفير مادة يمكن عرضها على منصة التواصل الاجتماعي "إنستغرام". مبان كالأسماك، وجسور تشبه اليدين، وهياكل بجميع أنواع الألوان المستوحاة من الأضواء الكهربائية الملونة والحلوى في مواقع غير محتملة، إذا كنت عضواً في هيئة سياحية وتتساءل عن سبل رفع مستوى صفحتك الشخصية، فربما تحلم بمثل هذه المناظر. ولكن ليس هذا طموح فريق التصميم في "الهيئة الملكية لمحافظة العلا"Royal Commission for AlUla.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وليد مدير قسم التصميم في Afalula، "الوكالة الفرنسية لتطوير العلا"، وقد أدى دوراً بالغ الأهمية في وضع الرؤية التصميمية لمخطط "رحلة عبر الزمن"Journey Through Time، علماً أنه أحد أعضاء الفريق الذي تتولى الإشراف عليه سامانتا كوتيريل، المديرة التنفيذية لقسم التصميم في "الهيئة الملكية لمحافظة العلا". تقول في هذا الصدد: "مهمتي الإشراف على تطوير الرؤية عبر الهندسة المعمارية والتصميم. لدي فريق رائع متعدد الثقافات يضم مهندسين معماريين ينكبون على إدارة وتوجيه مجموعة متنوعة من المشاريع، من بينها التصميم المعماري [منتجع شرعان] من إبداع جان نوفيل المنحوت في الصخور المتراصة الشاهقة في متنزه شرعان الوطني، و"أرض العمارة الهندسية" المسرح المكسو بالمرايا [قاعة المرايا] في وادي عشار Ashar  الصحراوي من ابتكار مكتب "جيو فورما" Giò Forma العالمي ، وفندق "أمان"Aman  من تصميم شركة "كيري هيل للمهندسين المعماريين" Kerry Hill Architects، على مشارف  موقع أدرجته اليونسكو ضمن قائمة "اليونيسكو" للتراث العالمي. يشتمل عملنا على إجراء مسابقات دولية لتصميم المتاحف في الواحة، منطقة فنية في جزء مهجور من المدينة القديمة، وإعادة تعريف وتصميم المساحات الحضرية الجديدة والمعارض والفعاليات، وحتى محطة وقود العلا".

 

"نعمل بالتعاون مع مجموعة متنوعة من المصممين العالميين والمحليين ومن داخل الفريق للخروج بنية معمارية مستوحاة دائماً من الجمال الطبيعي، الإطار الذي يغلف العلا". في الحقيقة، الصحراء بيئة قاسية وسرمدية وقادرة على الصمود، ومع ذلك تراها غنية وهشة للغاية. يقول وليد إنك "تسير في الوديان شتاء وتجد بساطاً بديعاً من الزهور البيضاء يحجب الرمال. ولكن هذا الغطاء الحساس من الحياة يتشوه بسهولة بالغة."

وتلك [الطبيعة التي تتميز بها الصحراء] تتطلب من المهندسين المعماريين والمصممين الزائرين وضع أفكارهم المسبقة عن البيئة الصحراوية جانباً، كما تقول سامانتا إذ تدعوهم إلى لحظة سكون، غارقة في عظمة العلا وروعتها. يصل المهندسون المعماريون [إلى العلا] ملؤهم الثقة في قدراتهم، ثم يغادرونها وشعور بالتواضع يغمرهم وقد راجعوا التفكير في نهجهم التصميمي وأعادوا تقييمه، وحتى تقييم أنفسهم أحياناً. "ليس في المستطاع فهم تلك الروحانية التي تنبع من الأرض. في الحقيقة، الطبيعة نفسها هي عميلتنا. لا يمكن فهم الروحانية التي تنبع من الأرض. في الحقيقة، الطبيعة نفسها هي ملهمتنا"، تقول سامانتا. أما بالنسبة إلى وليد، فإن بلوغ هذا المكان يتطلب حساً بالتواضع لا يكون دائماً سمة مميزة في مهنته. لكن جان نوفيل، مبتكر منتجع شرعان المرتقب افتتاحه في العلا يتمتع بهذا [التواضع]. في رأيه، "إنه لامتياز مذهل للغاية أن تتمكن من تشييد الأبنية في هذا المكان. في هذه الحالة: أن تحفر في المكان متحلياً بأكبر قدر من الكياسة". نوفيل أيضاً لا يبدي أي اهتمام بإثارة ضجة كبيرة لحظوية (أو إنستغرامية) سرعان ما يطويها النسيان. "إذا ما شيدت تصميماً محكوماً عليه بالزوال في العشر أو العشرين أو الخمسين سنة المقبلة، لا أحد يبالي. ولكن إذا كنت مهتماً بالهندسة المعمارية التي تنتمي إلى المكان، علماً أن الانتماء يكتسي أهمية بالغة، فهنا نجد أنفسنا [صدى لدورنا] فعلاً".

العلا مكان شديد القوة، مشهد ثقافي شارك في رسمه الطبيعة والبشر على مدى آلاف السنين، وليست مكاناً نفرض الهندسة المعمارية عليه. في الواقع، يسترشد المصمم بالعلا- إذا نظرنا، سنرى. إذا أنصتنا، سنسمع. الغرض من التصميم الإسهام في الانسجام والتوازن – وتقريبنا إلى العلا وجعلها أكثر قرباً إلينا.

وليد شعلان مدير تصميم في" الوكالة الفرنسية لتطوير العلا"

وفق وليد، "المقصد هنا ليس الهندسة المعمارية. نحن لا نقصد المكان كي نشاهد العمارة. في الواقع، فن العمارة ليس إلا وسيلة لبلوغ غاية. إنه محفز يجعلني أقدر الطبيعة؛ يحملني على الإنصات إلى الموقع والإحساس به- ولا يعزلني عنه". بالنسبة إلى سامانتا كوتريل، المديرة التنفيذية لقسم التصميم في "الهيئة الملكية لمحافظة العلا"، "سيغير المشروع الجاري تنفيذه في العلا جيلاً بأكمله، وكذلك العلا نفسها إلى الأبد. كذلك ستتاح أمامها الفرصة كي تترك تأثيراً على التفكير في الهندسة المعمارية والتصميم على مستوى العالم، وحث المجتمع الدولي على إعادة النظر في الدور الذي نؤديه في ما يتصل بالبيئة وعلاقتنا بالطبيعة. صحيح أن ذلك يشكل عبئاً، ولكنه امتياز أيضاً. "أن تضع تصاميم معمارية وتبنيها متحلياً بأقصى قدر من الوعي يعني أنك تحمل شعوراً كبيراً بالمسؤولية". أطلقت "الهيئة الملكية لمحافظة العلا" مسابقة دولية بعنوان "مهندسون مقيمون- 100 مهندس لتصميم 100 منزل"، في تحد تخوضه مجموعة مدعوة من المصممين العالميين لإنشاء مساكن مبتكرة ومستدامة تحترم الطبيعة الفريدة التي تتميز بها المنطقة وتراثها وثقافتها؛ أثناء رسم وجه عمران جديد.

رحلة عبر الزمن في يوركشاير

طرح بزوغ "المتحف الخارجي" أسئلة بحثية حول الصلة بين الفن وعلاقته بالبيئة. في المملكة المتحدة، أنشئ "متنزه يوركشاير للنحت"Yorkshire Sculpture Park  في حدائق تبلغ مساحتها 550 دونماً في "بريتون هول" Bretton Hall، منزل ريفي تاريخي زاره هنري الثامن ذات مرة.

"تحتل حديقة النحت مساحة طبيعية نعلم أنها كانت محتلة منذ نحو ألف عام،" كما تقول رئيسة برنامج تنظيم المعارض، هيلين فيبي (في الأعلى). الفنانون مفتونون بهذه الطبقات من التاريخ والتراث والحيوية. أنجز آندي غولدسورثي [عالم بيئة ومصور وفنان بريطاني] مشروعاً كبيراً في 2007 يسمى "أرض مصفوفة". كان المنطلق تماماً: أن هذه الأرض قد بنيت على مدى سنوات وسنوات؛ وأن في مقدوره إنشاء تصميم معاصر جداً مستفيداً من المواد المتوافرة حوله في العقار. لقد كان عملاً خاطب المستقبل. أحب كل الروابط المتناهية التي يتسنى إجراؤها بين الماضي والحاضر والمستقبل".

"الطريقة الأكثر مراعاة للبيئة في البناء"

انخرط المهندس المعماري باسل والتر المتحدر من نيويورك في بناء وحفظ الأحداث وتصميمها. لقد طلبنا منه أن يفكر في سؤال مطروح جداً في الهندسة المعمارية: هل نصمم كي نترك تأثيراً آنياً، أم نضع نصب أعيننا الأجيال المقبلة؟

من وجهة نظر والتر، "تكلفة تشييد الأبنية مرتفعة جداً، لذا فإن الطريقة الأكثر رفقاً بالبيئة في البناء التي يمكنك اتباعها تكمن في بناء تصميم يدوم زمناً طويلاً فلا يحتاج إلى إعادة تجديده وبنائه، وفي الواقع في مقدوره أن يبقى موجوداً حتى أبعد فترة من الزمن. يتعين على ظاهرتي "النجم المعماري" والهندسة المعمارية على "إنستغرام" أن تنخرطا في ابتكار تصاميم تتسم بمسؤولية أكبر تجاه المجتمعات التي أنشئت من أجلها".

"عندما دعوت المهندسين المعماريين إلى زيارة المكان ووضع تصميمات من أجل تشييدها في العلا، عندما تواصلت مع مجتمع المصممين الخبراء، كنت أشدد دائماً على أهمية تأسيس علاقة تقوم على كوننا فريقاً موسعاً من المصممين. وهكذا، عوض وجود علاقة متبادلة بين مهندسين معماريين، حاولت أن أبلغهم أهمية تعاوننا معاً من أجل تطوير تصميم هندسي في العلا. تكمن أهمية ذلك في خلق علاقة ودية جداً مع مجتمع المهندسين المعماريين، ويسمح بمناقشات عميقة حول معنى أن تبتكر تصميمات في هذه اللحظة من التاريخ ومن أجلها، في مكان على هذا القدر من الجمال الطبيعي البكر. كذلك يفسح في المجال أمامنا لعقد حوارات كثيرة حول المسؤولية الملقاة على عاتقنا كخبراء في رسم معالم أرض تبقى للأجيال المقبلة".

© The Independent

المزيد من فنون