Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إسرائيل تفرض واقعا جديدا على بدو النقب بـ"التشجير"

يعتبره البعض سلاحاً ضد "مستقطنين غير شرعيين" وبيئيون يرونه حماية للمناخ والطبيعة

بعض الحجارة وقليل من البنزين وشعلة واحدة فقط، هي كل ما احتاجه عروة (17 سنة) ورفاقه لإشعال مئات الإطارات المطاطية وإغلاق بعض الطرق الرئيسة في النقب (جنوب إسرائيل)، علها تكبح من سرعة الجرافات والآليات الإسرائيلية التي هرعت هناك، برفقة قوة معززة من الشرطة، لحفر وتجريف أراضي قرى منطقة النقع، حيث توجد ستة تجمعات سكنية فلسطينية مكتظة، وذلك تمهيداً لزراعة الأشجار فيها حسب خطة سلطة أراضي إسرائيل.

عناصر الشرطة الإسرائيلية منعت أهالي قرية سعوة الأطرش البدوية في منطقة نقع بئر السبع من دخول أراضيها المستهدفة بالتحريش، إلا أن احتجاجات السكان هناك تصاعدت وتطورت إلى اشتباكات عنيفة، بعد رؤيتهم رجال شرطة مسلحين يعتقلون أطفالاً يبلغون من العمر 10 سنوات.

أراضي دولة

خيمة الاعتصام والاحتجاجات العارمة المنددة التي خرج فيها الآلاف من أهالي النقب قبل أيام، وحصدت عشرات الإصابات ومئات الاعتقالات، لم تؤت أُكلها، إذ أعلن مسؤولون في الحكومة الإسرائيلية، أن أعمال التشجير في منطقة النقع، أو ما يعرف بـ "منطقة السياج" قد نفذت بالكامل كما هو مخطط لها سلفاً.

وزير الإسكان الإسرائيلي، زئيف إلكين، أكد عزم الحكومة الإسرائيلية على مواصلة عمليات التجريف في النقب، وقال في تصريحات للإذاعة العامة الإسرائيلية، إن الأراضي في النقب "هي أراضي دولة إسرائيل". معتبراً أنها "تتصرف بطريقة مهنية". في حين قال وزير الرفاه والضمان الاجتماعي، المكلف من قبل الحكومة بـ"تسوية (مسألة) توطين البدو "إلى جانب الحق الأعلى الذي تتمتع به الدولة بأن تغرس الأشجار في أراضيها، من المهم القيام بذلك بشكل مسؤول، بالتالي يجب الاستعداد من جديد في كل ما يتعلق بمسألة الغرس".

وأضاف، "بصفتي منسق مخططات التسوية، فأنا في حوار مع جميع الأطراف المعنية في محاولة للتوصل إلى حل يعزز القضية، الأهم، وهي عودة القانون والنظام إلى النقب."

خلال السنوات الأخيرة الماضية، اتخذت الحكومة الإسرائيلية من عمليات التشجير في قرى النقب "غير المعترف بها" أداة لفرض سيطرتها على أراض تقول إنها "ملك لدولة إسرائيل"، قبل أن تتوقف في عام 2020 على خلفية مواجهات مع سكانها. واصفة البدو في القرى غير المعترف بها "مستقطنون" في الأراضي العامة، بينما يصر البدو منذ فترة طويلة على حقهم في البقاء حيث هم.

يقول مُركّز لجنة التوجيه العليا للعرب في النقب، جمعة الزبارقة، لـ"اندبندنت عربية"، "سنواصل الاحتجاجات والتظاهرات على سياسة التشجير الممنهجة التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية بحق السكان العرب في النقب، حيث تدعي أن زراعة الأشجار بجانب التجمعات والقرى البدوية يحمي الأرض والبيئة والطبيعة. كما تصر الحكومة على سياسة الترحيل الناعم والتهجير الأخضر بحق البدو، نصر بدورنا على برنامج احتجاجي تصعيدي، حتى تتراجع السلطات عن مشروعها تجاه بدو النقب الرامي لمحاصرتهم وانتزاع أراضيهم وتركيزهم في قرى حضرية بعيدة، تسلخهم عن طبيعتهم البدوية التي اعتادوا عليها، ولن نتراجع عن خطواتنا حتى تعترف إسرائيل بملكيتنا على الأرض وبالقرى البدوية مسلوبة الاعتراف."

رسائل طارئة

المركز القانوني لحماية الأقلية العربية في إسرائيل "عدالة" بعث برسائل طارئة إلى المستشار القضائي للحكومة والمفتش العام للشرطة وضابط منطقة الجنوب في الشرطة الإسرائيلية، طالب بإيقاف الانتهاكات الصارخة بحق أهل النقب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وجاء في الرسالة أن "هدم خيمة احتجاجية ومنع إقامتها، هو قرار ينتهك بشكل جسيم وخطير حرية التعبير للسكان وحقهم في الاحتجاج. إن هدم خيمة الاحتجاج بالجرافة دون سابق إنذار ودون صلاحية، ومحاصرة منطقة الاحتجاج ومنع وصول المتظاهرين والسكان بطريقة مشابهة للاستيلاء العسكري، هي إجراءات قامعة واستفزازية لا تناسب التعامل مع المدنيين العزل الذين بقوا في الأرض دفاعاً عنها".

اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية في إسرائيل، طالبت بدورها الحكومة الإسرائيلية بـ"إيقاف مشاريعها ومخططاتها وعُدوانها على الجماهير العربية وأراضيها وبيوتها وإنسانها في النقب"، وأكدت، عبر بيان، أن "الحكومة الإسرائيلية تتحمل كامل المسؤولية، وتبِعات هذا التصعيد الخطير".

فيما دعت لجنة التوجيه العليا للعرب في النقب، المنبثقة من لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل، إلى ضرورة تصعيد التظاهرات والاحتجاجات، ورفعت سقف مطالبها، بحيث تجاوزت وقف التحريش، إلى الاعتراف الفوري بقرى نقع بئر السبع الست مسلوبة الاعتراف، التي يبلغ عدد سكانها 30 ألف نسمة، وكذلك تجميد هدم البيوت العربية في النقب.

أزمة ائتلافيه

وسط التوترات والاحتجاجات العنيفة لبدو النقب بسبب أعمال التشجير، دعا وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد، إلى وقف أعمال زرع الأشجار إلى حين التوصل إلى حل. وشدد على أن العنف يجب أن يتوقف، معرباً عن تأييده الكامل لـ"عمل الشرطة لإعادة النظام"، لكنه قال إنه سيكون من الحكمة "التوقف الآن لإعادة التنظيم".

وأضاف، "ينبغي على إسرائيل زرع الأشجار في أراضي الدولة، لكننا لسنا مضطرين إلى المس بسبل عيش السكان المحليين". كما صور الأزمة على أنها نتيجة "12 عاماً من التخلي عن النقب وإهمال المشكلة البدوية" خلال عهد رئيس الوزراء السابق.

من جانبه، قال حزب الليكود، الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، "لن يوقف أحد غرس الأشجار في أرض إسرائيل. إنني أقدم الدعم الكامل لقوات الأمن، وأطالب بينيت على الفور بإدانة تحريض القائمة، شريكته في الحكومة".

ورداً على ذلك، قال رئيس القائمة الموحدة منصور عباس، إن نتنياهو وافق على وقف برامج التشجير خلال مفاوضات الائتلاف مع القائمة الموحدة العام الماضي، إلى جانب تنازلات أخرى للمجتمعات البدوية في النقب.

هذا وأفادت التقارير الصادرة في وسائل الإعلام الإسرائيلية، بأن القائمة الموحدة بزعامة عباس أخطرت شركاءها في الائتلاف أنها عازمة على مقاطعة جلسات الهيئة العامة للكنيست (البرلمان)، وعدم التصويت لصالح القوانين الحكومية، إلى حين وقف عمليات التجريف في النقب.

ومن جهتها، أصدرت قائمة "الصهيونية الدينية" بياناً، اعتبرت من خلاله أن التراجع عن عمليات التحريش المزعوم للأراضي العربية في النقب، في ظل الاحتجاجات التي شهدها النقب أخيراً "ختم نهائي على صك بيع دولة إسرائيل لمنطقة النقب وفقدان السيادة عليها".

واتخذ وزير الاتصالات يوعاز هندل، موقفاً أكثر تشدداً بشأن الاضطرابات. وقال "لا يجب أن يكون هناك تسامح مع أعمال الشغب في النقب، نحن نقود وليس لدينا خيار سوى استعادة السيادة في النقب."

بين صد ورد لإنعاش الائتلاف الحكومي الإسرائيلي، أشارت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" إلى أن "الأمور في طريقها إلى حل، بخاصة مع توقف غرس الأشجار، والتوصل إلى اتفاق سياسي مؤقت بشأن إجراء محادثات لإضفاء الشرعية على مزيد من منازل البدو غير المعترف بها".

تهويد النقب

داخل 35 قرية بدوية مسلوبة الاعتراف، منتشرة عبر صحراء النقب الجنوبية، يعيش نحو 100,000 بدوي على مساحة 8 ملايين متر مربع، في بيوت من الصفيح والطوب. جزء كبير من أبنية وحظائر تلك القرى لا تُعد قائمة في نظر القانون الإسرائيلي، بناءً على قرار اتخذته المحاكم الإسرائيلية عام 1948 بأنه "لا ملكية للبدو في أرضهم". وتُحرَم تلك القرى من أي بنية تحتية أو دعم من الحكومة. إذ لا توجد فيها وسائل مواصلات، ولا طرق، ولا مدارس، فضلاً عن أن السلطات الإسرائيلية لا تعترف بقيادات تلك المناطق ولا تتفاوض معهم.

سالم الوقيلي، الناطق باسم المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها في النقب يقول لـ "اندبندنت عربية"، "تحت دعاية إعادة الهيكلة وتطوير النقب، نفذت الحكومة الإسرائيلية سياسة ممنهجة وخطة مدروسة تندرج في إطار عملية تهويد النقب، تقضي بحشر أكبر عدد من السكان البدو العرب في أقل مساحة جغرافية ممكنة والحد من تمددهم، فخلال السنوات الخمس الأخيرة تم هدم أكثر من 11 ألفاً و600 منزل للعرب، في المقابل، استطاعت السلطات الإسرائيلية إقامة أكثر من 200 مستوطنة وبلدة للمواطنين اليهود، وأكثر من 100 مزرعة فردية من دون أن تكون لهم ملكية على الأرض أو أي أوراق ثبوتية".

الصندوق القومي "كاكال"

يتهم البدو، الذين لا يملكون سوى 3 في المئة فقط من أراضي النقب، الصندوق القومي اليهودي الذي يعرف أيضاً باسم "كيرين كاييمت ليسرائيل (كاكال)، بالسعي إلى تهجيرهم، لكن "كاكال" يقول إنه ينفذ أعمال التشجير في النقب بطلب من هيئات حكومية على أرض عامة لصالح مشاريع طبيعية وأخرى لحفظ البيئة.

حسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، فإن مشروع الزراعة الذي أثار حفيظة البدو في الأيام الماضية، هو مجرد قطعة واحدة من خطة واسعة النطاق تبلغ تكلفتها 150 مليون شيكل (48 مليون دولار) من قبل سلطة الأراضي الإسرائيلية، التي ستشهد تشجير مساحات كبيرة من الأراضي المملوكة ملكية عامة.

الناشط البيئي الإسرائيلي الذي أشرف سابقاً على الحراجة في كاكال، ألون طال، يقول لـ "تايمز أوف إسرائيل"، "لا يوجد هناك ترحيل. هذه أراض وطنية لدينا الحق في حمايتها لجميع المواطنين، وإحدى الطرق للقيام بذلك هي غرس الأشجار"، وأضاف "سلطة الأراضي الإسرائيلية تريد حيازة الأرض وهذا هو عملهم. البدو هم مستقطنون، وإحدى طرق منعهم من فعل ذلك هي زراعة الأشجار. إنهم (سلطة أراضي إسرائيل) يتعاقدون من الباطن مع الصندوق القومي اليهودي للقيام بهذا العمل."

تضرر البيئة

حسب مركز مدار للدراسات والأبحاث الإسرائيلية، استخدم الصندوق القومي اليهودي "كاكال" زراعة أنواع معينة من الأشجار كأداة وذريعة للاستيطان، إذ إنه عمل في الفترة الممتدة ما بين عامي 1901 و2001، على زرع 250 مليون شجرة وبناء أكثر من 200 سد وخزان، وسيطر على أكثر من مليار متر مربع، أنشأ فيها أكثر من 1000 متنزه. واستغل الصندوق مشروع التشجير واقتلاع الأشجار الأصيلة في المنطقة، حسب المركز، لمحو الوجود الفلسطيني والطوبوغرافيا الفلسطينية.

في الوقت الذي يدعي فيه "كاكال" أنه "أول منظمة خضراء في العالم"، وأنه يزرع الأشجار لمحاربة التغير المناخي، أشار ناشطون وحماة البيئة إلى أن الأشجار التي يزرعها الصندوق في النقب، بطيئة النمو وتمتص الحرارة وتلتقط كمية قليلة من الكربون، مما أضر بالكائنات الموجودة في المنطقة. إضافة إلى ذلك، فإن إدخال أشجار الصنوبر بعدد كبير (ما يقارب 250 مليون شجرة) زاد من خطر نشوب الحرائق، لأن هذا النوع من الأشجار يمتاز بقابليته العالية للاحتراق. وفي معظم السنوات، تنشب المئات من الحرائق بسبب هذه الأشجار وازدياد الجفاف في الصيف الذي نتج من التغير المناخي.

المزيد من تقارير