Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عبثية دعوة عون للحوار تزاحم غضب الشارع اللبناني

هموم "حزب الله" في خسائر اليمن والفريق الرئاسي أمل إثبات معاداة الغالبية له ليحظى بدعمه

فشل دعوة عون إلى الحوار عمّق الشرخ بين الحلفاء (أ ف ب)

على وقع يوم الغضب، الذي نظمه اتحاد النقل البري، احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية، خرجت دعوة الرئيس اللبناني العماد ميشال عون من التداول، بعد رفض معظم الأقطاب المعارضين للعهد المشاركة في هذه الدعوة. معتبرين أنها "بلا جدوى". وهو ما أطلق سجالاً نارياً بين عون وبعض معارضيه.

أخذ الاحتجاج، الذي تخلله قطع الطرقات على الأراضي اللبنانية كافة، وسمي "خميس الغضب"، بعداً واسعاً، إذ سد سائقو الباصات وسيارات الأجرة والشاحنات الطرقات في كل المناطق، واشترك في بعض خطواته شباب غاضبون على الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار الأميركي (قفز أربعة آلاف ليرة لبنانية دفعة واحدة في أسبوع).

ورُفعت شعارات ضد الطبقة السياسية برمتها من خلال المطالب الحياتية التي طرحها، لكن مؤيدي العماد عون اعتبروه تحركاً منظماً ضد العهد بتحريض من أنصار رئيس البرلمان نبيه بري، لأن حركة "أمل" تسيطر على اتحاد النقل البري، إضافة إلى نفوذها في الاتحاد العمالي العام الذي أيد التحرك بقوة. هذا على الرغم من أن بري كان قد وافق على حضور طاولة الحوار التي دعا إليها عون.

اتساع الشرخ بين "التيار الحر" و"حزب الله"

استبق أحد نواب "التيار الوطني الحر" النائب أسعد درغام، التحرك الاحتجاجي بالقول إن "الطرف السياسي الذي يتظاهر اليوم هو من يعطل الحكومة، ويمنع اجتماعها، ويمنع إيجاد حلول للأمور المعيشية والارتفاع الجنوني للدولار".

وسأل درغام، في حديث تلفزيوني، "أليس الأفضل تفعيل الحكومة وإنتاجية جلسات مجلس النواب؟ الحكومة اللبنانية لا تقوم بواجباتها، والناس متروكة لمصيرها، رواتب المواطنين والقوى الأمنية والعسكرية لم تعد تكفي بدل النقل، وهذه كارثة".

تقاذف أركان السلطة الاتهامات حول التسبب بتردي الوضع المعيشي للبنانيين في ما يشبه إضاعة المسؤولية عن هذا التقهقر المتسارع في قدرة اللبنانيين على تلبية احتياجاتهم البديهية من محروقات وأدوية وخبز واستشفاء، فيما وصفت صحف محلية الاحتجاجات بأن "الطبقة الحاكمة تتظاهر ضد نفسها".

فشل دعوة عون إلى الحوار عمّق الشرخ بين الحلفاء، إذ إن درغام قال: "لم نعد نستطيع إكمال التحالف مع حزب الله بهذا الشكل القائم حالياً، المؤسسات دمرت، والبلد انهار ومكملين في نفس السياسة، والمطلوب من الحزب فك أسر الحكومة".

"التيار" يتهم الحزب بأنه وبري يعرقلان عمل الحكومة باشتراطهما منذ 12 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي اتخاذ قرار بالحد من صلاحيات المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت بملاحقة النواب والوزراء، لحضور جلسات الحكومة.

وكان تصريح درغام صدى لكلام رئيس "التيار الحر" صهر الرئيس عون ووريثه السياسي النائب جبران باسيل، الذي اتهم "الثنائي الشيعي" بتعطيل عمل الحكومة، وشدد على قول "لا نمون على حزب الله، ولو كنا نمون عليه كان رجع (إلى مجلس الوزراء) ونحمله والثنائي الشيعي مسؤولية التعطيل". كما حمّل المسؤولية لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي، لأنه "لا يدعو إلى جلسات حكومية".

بمن حضر... والعزلة المسيحية

حتى دعوة باسيل إلى انعقاد الحوار "بمن حضر وعلى الجميع تحمل مسؤولياته"، لم يتمكن عون من تلبيتها، واستعاض عنها ببيان حمل على الفرقاء، الذين رفضوا تلبية هذه الدعوة حتى إلى المشاورات التمهيدية التي قام بها، وأسفرت عن قبولها من قبل حلفاء "حزب الله" فقط.

لكن، النائب السابق رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية، لبى طلب الرئاسة في الاجتماع به، لكنه اعتذر عن عدم حضور الحوار، لأنه سيكون مجرد "حوار للصورة" لا أكثر. فالخصومة بين عون وفرنجية كمنافس لباسيل على الترشح لرئاسة الجمهورية صارت متجذرة.

وهو ما أثار حفيظة عون، الذي اعتبر موقف الأخير ضربة له برفض أي فريق مسيحي بعد حزبي "القوات اللبنانية" و"الكتائب"، خصوصاً أن سمير جعجع قال "إنها فعلاً ملهاة مأساة أن يرى الشعب اللبناني رئيس بلاده يضيع وقتاً ثميناً جداً، والشعب في قعر جهنم يكتوي يومياً بنار الأزمات المتناسخة".

العزلة المسيحية تفسر غضب عون، في بيانه، عن حصيلة مشاوراته، إذ قال إن "عدداً (من رؤساء الكتل النيابية) تراوحت مواقفهم بين رفض التشاور ورفض الحوار بما يحملهم مسؤولية ما يترتب على استمرار التعطيل الشامل للسلطات، حكومةً وقضاءً ومجلساً نيابياً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عون و"التعطيل المتعمد"

وأبقى الرئيس اللبناني دعوته "مفتوحة"، وأمل أن "يغلب الحس الوطني للمقاطعين على أي مصالح أخرى". داعياً إياهم "إلى وقف المكابرة والنظر إلى ما يعانيه الشعب اللبناني والموافقة في أقرب وقت على إجراء حوار صريح، لنقرر مستقبلنا بأيدينا استناداً إلى إرادة وطنية، لكي لا يفرض علينا مستقبلاً نقيض ما نتمناه لوطننا".

ورأى أن هناك "تعطيلاً متعمداً لخطة التعافي المالي والاقتصادي التي من دونها لا مفاوضات مع صندوق النقد الدولي ولا مع غيره. بالتالي، لا مساعدات ولا إصلاحات، بل مزيد من الاهتراء للدولة وتعميق للانهيار، وهذا بحد ذاته جريمة لا تغتفر بحق شعب يعاني كل يوم أكثر جراء أزمات متوارثة ومتفاقمة وغض نظر متعمد للمسؤولين عن المعالجات الناجعة".

وقال عون إن "المعطلين للحوار يعرفون أنفسهم جيداً، ويعرفهم اللبنانيون، ويتحملون مسؤولية خسارة الناس أموالهم وخسارة الدولة مواردها، كما يتحملون مسؤولية عجز كل مواطن ومواطنة عن تأمين لقمة العيش والحماية الصحية وضمان الشيخوخة وتوفير التعليم". وأضاف أنه ماض في دعوته "للحوار حول خطة التعافي المالي والاقتصادي وإصلاح النظام من خلال اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة، والاستراتيجية الدفاعية".

"المستقبل": "البارانويا والتعطيل"

رتب البيان الرئاسي رداً عنيفاً من تيار "المستقبل"، فعلق المستشار الإعلامي لزعيم تيار "المستقبل" الرئيس سعد الحريري، حسين الوجه قائلاً،  "‏محزن جداً جداً أن تصل رئاسة الجمهورية، ومكتبها الإعلامي إلى حدود الإنكار الكامل لمسار التخبط الذي وضعت فيه البلاد. ويتضاعف الحزن مع حالة البارانويا التي يعانيها العهد والحزب الحاكم. حالة يشخصها البيان الصادر عن الرئاسة بخصوص الحوار الوطني والمعترضين على انعقاده في هذا الظرف".

وأضاف الوجه، الذي لا يصدر مواقف من هذا النوع عادة إلا بعد تنسيقها مع زعيم "المستقبل"، "‏تنسى رئاسة الجمهورية أنها تمثل الأب الروحي والسياسي لثقافة تعطيل المؤسسات وتعطيل الحوارات، وينسى فخامة الرئاسة أنه مسؤول عن تعطيل رئاسة الجمهورية لأكثر من سنتين ونصف، وأن حزب الرئاسة الحالية مسؤول عن تعطيل الحكومة لسنوات وسنوات، وينسى أن خطة التعافي جرى إسقاطها على أبواب بعبدا". وختم، "‏محزن جداً جداً أن يصبح النسيان ملازماً للنكران، والنكران من صفات البارانويا".

وعلق الأمين العام لـ "تيار المستقبل" أحمد الحريري، عبر "تويتر"، "رئيس الجمهورية يحاول أن يتهم الآخرين بما هو غارق فيه، بيّ التعطيل مضيّع البوصلة، وعم يحكي بالحس الوطني. فاقد الشيء لا يعطيه".

وقال أحد السياسيين المعارضين بشدة للعهد، إن الرئاسة أخطأت تقدير موقف الفرقاء السياسيين منها، بما فيها موقف حليفها "حزب الله"، الأمر الذي يفسر تخبطها العبثي. وأوضح لـ "اندبندنت عربية" أن كل المقصود من الدعوة إلى الحوار، مع إبراز التمايز بينها وبين الحزب لإبلاغ الأخير رسالة بأن "غالبية المدعوين إلى طاولة الحوار هم ضده، وأن لا أحد يمكن أن يقف إلى جانبه سوى الفريق الرئاسي".

وهو أمر يأتي في سياق السعي إلى الحصول على وعد من "حزب الله" بدعم باسيل لرئاسة الجمهورية التي يفترض أن تُنتخب في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. ويعتبر السياسي نفسه أن عون وباسيل "يخطئان التقدير"، في وقت لا يعير الحزب أهمية لموقفهما، ويواصل سياساته الهجومية، وفقاً لالتزاماته مع طهران، غير آبهٍ بمعارضيه وحتى بملاحظات حلفائه.

توتر الحزب في لبنان بعد تطورات اليمن

والدليل إلى ذلك أنه بموازاة ما حصل في شأن طاولة الحوار، واجهت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الذي كرر الدعوة إلى "وقف التعطيل والعودة إلى طاولة مجلس الوزراء لإنجاز ما هو مطلوب"، تحدياً جديداً في سلوك "حزب الله" الذي ينفذ أجندته الإقليمية من دون الأخذ في الاعتبار الوضع اللبناني الداخلي، متسلحاً بقوته وسطوته التي أدت إلى تعطيل الحكومة.

الحزب أمعن في تنظيم النشاطات المعادية للسعودية ودول الخليج في لبنان على الرغم من رفض ميقاتي ووزير داخليته بسام مولوي الإساءة للدول العربية والسعودية، كما فعل الأربعاء في 12 يناير (كانون الثاني)، من دون أن تتمكن وزارة الداخلية من منع ذلك.

وفي رأي المراقبين أن الحزب يزداد توتراً واستفزازاً، بسبب حاجة إيران إلى التصلب بموازاة ما يحكى عن تقدم في مفاوضات فيينا على النووي، من أجل الاحتفاظ بأوراقها القوية على الصعيد الإقليمي.

كما أن توتر الحزب يقوده إلى سياسات تضرب بعرض الحائط أي مراعاة حتى لحليفه عون، جراء التطورات الحاصلة في اليمن، بعد إحباط الجيش اليمني التابع للشرعية وحلفائه، بدعم من التحالف العربي المساند للشرعية، هجمات الحوثيين على مدينة مأرب، والسيطرة على محافظة شبوة وتكبيد خسائر كبيرة لـ "أنصار الله".

وهذا المنحى لهموم "حزب الله" التي تجعل أولويته الرد على تطورات اليمن، تدفعه إلى التركيز على النشاطات المعادية للسعودية على الأراضي اللبنانية، خلافاً لأبسط مبادئ السيادة. وهو ما جعل السفير السعودي في لبنان وليد بخاري يغرد قائلاً، "القَفُز فوقَ آلامِ وَآمالِ الشّعبِ اللبناني الشّقيقِ ما هو إلا تَغاض عن الحقيقة السّاطِعَةِ أمامَ أَعيُنِ اللُّبنانيّين أَنفُسِهم، وإنكارٌ مقصودٌ لِحقيقةٍ مُؤْلِمَةٍ سببُها لَوْثَةُ استِعْلاءِ حزب الله على مَنطِقِ الدّولةِ وَفشلِ خَياراتهِ السّياسيّة".

المزيد من تحلیل