Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الشماتة" في المجتمع المصري سلاح إيديولوجي وسياسي

"الإفتاء" تتدخل بعد الظاهرة التي رافقت وفاة عدد من الشخصيات العامة وأثبتت أن حالة الاستقطاب ما زالت سائدة

انتشرت في مصر أخيراً ظاهرة الاغتيال المعنوي وتشويه السمعة للشخصيات العامة (رويترز)

بقدر ما أسعد تدخّل دار الإفتاء المصرية بإصدار فتوى حول رداءة الشماتة وقبح الشامتين، بقدر ما أغضبت البعض ممن تصوّروا أن الشماتة والاغتيال المعنوي وتشويه سمعة الأشخاص قبيحة رديئة بالفطرة ورديئة بالمنطق، بالتالي لا تحتاج إلى إصدار فتوى، أو البحث عن شرح وتفنيد وتحليل، لإقناع الناس بعدم الشماتة، وتجنُّب تشويه الناس وتقبيح سمعاتهم.

حرب ضروس لكنها مكتومة، واحتقان عنيف لا يخرج إلى الساحة إلا مرة كل بضعة أشهر تدور رحاهما في مصر على مدار ما يزيد على عقد، تحديداً 11 عاماً بالتمام والكمال هي عمر أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، التي فتحت أبواب الاستقطاب الديني والتحزب الأيديولوجي والشعبوية الفكرية، إذ "من ليس معنا فهو حتماً ليس فقط ضدنا، بل عدونا اللدود وخصيمنا المقيت".

انجراف مجتمعي نحو الاستقطاب

كشفت أحداث عام 2011 وما تلاها من مجريات أمور جسام وتحولات عظمى على الساحة السياسية المصرية وانكشافات كبرى على المنصات الاجتماعية والشعبية عن انجراف مجتمعي رهيب نحو الاستقطاب على أسس سياسية حيناً ودينية أحياناً.

ظهرت تحزبات دينية ضد مجموعات مدنية والعكس، وثالثة حائرة بين هذه وتلك، ورابعة اعتقدت أن الأصل في الأشياء هو الانتماء إلى توجه ما ومعاداة الآخرين بكل استحكام وعناد.

وكانت النتيجة استفحال عدد من الظواهر العجيبة والغريبة تمثلت في تدشين قوائم سوداء تحوي أسماء المعارضين والمعارضات بغية التشهير بهم، ونهش سمعة المختلفين بغرض إلحاق الضرر الاجتماعي بهم، والشماتة فيمن يتعثر أو يمرض أو يتوفاه الله.

وفاة عدد من الشخصيات العامة المصرية على مدار الأشهر القليلة الماضية من فنانين وساسة ومسؤولين سابقين وإعلاميين ممن أعلنوا معارضتهم للإسلاميين ورفضهم الحكم الديني وهيمنة جماعات الإسلام السياسي وتوغل خلط الدين بالسياسة أثبتت أن حالة الاستقطاب ما زالت سائدة وأن أسلوب الاغتيال المعنوي ما زال متّبعاً وأن قناعة "من لا يتطابق معي فهو عدوي" ما زالت مهيمنة.

الشماتة بحسب التوجه

وهيمنت على منصات التواصل الاجتماعي حرباً ضارية بين الواقفين على الجبهتين المتقابلتين: جبهة تترحم على رحيل الإعلامي وائل الإبراشي والقاضية  تهاني الجبالي والفنانة مها أبو عوف ومن قبلهم سمير غانم ودلال عبد العزيز، ومن السياسيين محمد حسني مبارك ومحمد مرسي وعصام العريان وعمر سليمان وسامح سيف اليزل وفنانين مثل طلعت زكريا وشعبان عبد الرحيم وغيرهم والأخرى فرحة بالرحيل وشامتة في الموت.

لكن، الشماتة الأخيرة الدائرة رحاها حول وفاة الإبراشي والجبالي وصلت إلى أوجها وبلغت أشدها. واللافت أن الغالبية المطلقة من الشامتين والشامتات ينتمون بحسب توجهاتهم المعروفة أو كما تشي به صفحاتهم وحساباتهم العنكبوتية إلى التيارات "المتديّنة".

المنتمون إلى هذه التيارات، سواء من الشخصيات المعروفة من إعلاميين هاربين أو عاملين في دول أخرى، أو الأشخاص العاديين المتعاطفين وجماعة "الإخوان المسلمين" وغيرها من أبناء أعمامها من الجماعات الدينية المختلفة اجتاحوا الأثير بأنواعه، ناشرين قدراً غير قليل من مشاعر الفرح والغبطة لموت الإبراشي والجبالي. ووصل الأمر بالبعض إلى التضرع لله سبحانه وتعالى بأن يُدخل هذا نار جهنم ويحيق بهذه أقصى درجات العذاب. آخرون وجّهوا مناشدة إلى أقرانهم بتكثيف المجاهرة بالشماتة لعلها تكون "عبرة لأعداء الله" ودرساً لمن يناصبون الله ورسوله العداء!

مناصبة الله ورسوله العداء تدفع فريقاً لا يعرف الإبراشي ولم يسمع عن الجبالي ولا يعنيه كثيراً موت هذا أو رحيل تلك ليسارع إلى ذود الأذى عن الدين والدفاع عن المتدينين عبر التنديد بمن رحلوا والمشاركة في حملات تصنيفاتهم الدنيوية، باعتبارهم "أعداء الله" لأنهم أعلنوا معارضتهم لحكم الجماعات الدينية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الشماتة المذمومة والحميدة

الجماعات الدينية، وعلى رأسها الإخوان المسلمون ومناصروها، لا تلتفت كثيراً أو بالأحرى لا تلتفت أبداً لما يصدر عن دار الإفتاء المصرية، معتبرين الأخيرة أداة من أدوات الحكم الذي تناهضه وتعارضه.

دار الإفتاء المصرية سارعت إلى إصدار فتوى بعد دقائق من وفاة الإبراشي للتحذير من الشماتة. وقالت في بيان إن "الأمر يزيد بعداً من كل نبل وكل فضيلة أن تُشْتَمَّ في التعليق رائحة الشماتة وتمنّي العذاب لمن مات، فهذا الخُلق المذموم على خلاف سنة رسول الله الذي كان حريصاً على نجاة جميع الناس من النار"، مضيفة أن "الموت ليس مناسبة للشماتة ولا لتصفية الحسابات، بل هو مناسبة للعظة والاعتبار. فإن لم تُسعفْكَ مكارم الأخلاق على بذل الدعاء للميت والاستغفار له، فلتصمت ولتعتبر، ولتتفكر في ذنوبك وما اقترفته يداك وجناه لسانك، ولا تُعيّن نفسك خازناً على الجنة أو النار".

تزيين الشماتة

لكن واقع الحال على أثير منصات التواصل الاجتماعي، يشير إلى أن كثيرين لم يكتفوا بتعيين أنفسهم خزنة الجنة والنار، بل وجدوا من يتبعونهم ويثنون على قراراتهم الدنيوية بتحديد من يدخل الجنة ومن يُشوى في نار جهنم، ناهيك عن تزيين الشماتة وجعلها تبدو وكأنها جهاد في سبيل الله.

أحد الدعاة للجهاد بالشماتة صفحة حزب "الحرية والعدالة" المنحل، الذراع الحزبية لجماعة الإخوان المسلمين، الذي أفرد مساحة هائلة للشماتة في وفاة الإبراشي والجبالي والإعلامي إبراهيم حجازي، معللاً "الشماتة الحميدة" بوجود "خيط رفيع بين الشماتة برحيل أحدهم عن الدنيا والفرح بهلاك ظالم أو طاغية أو فاسق أو متجبر، وأن الشرع الحنيف نهى عن الشماتة في الأموات بوجه عام، لكنه لم ينْهَ عن الفرح بهلاك ظالم أو طاغية أو فاسق أو متجبر".

ونقل حزب "الحرية والعدالة" عن أستاذ الفقه المقارن محمد عياد أنه "لا شماتة في موت عبد من عباد الله، الذين يفعلون الحسنات، ويرتكبون السيئات مثل بقية البشر، أما الطغاة والمتجبرون الذين ملؤوا الأرض ظلماً، فالفرح في موتهم إنما هو في حقيقته تقرّب إلى الله تعالى. وأقول لمن يعترض على إظهار الشماتة بالظالمين: أين هؤلاء من سيرة النبي وحال سلفنا الصالح من الفرح بهلاك الظالمين؟ بل والسجود لله شكراً على هلاكهم؟".

فرحة الهلاك

فرحة الهلاك، التي تسوّقها الجماعات الدينية ويعتنقها أتباعها من القواعد الشعبية ليست المعضلة الأخلاقية والسلوكية الوحيدة التي تقلق مضاجع المصريين المندهشين من توغل وتوحش أدوات الخلاف السياسي أو الديني. الاغتيال المعنوي أصبح مصطلحاً معروفاً لدى كثيرين بعدما لجأ إليه آخرون كأداة في حروبهم السياسية والاجتماعية.

فمن تشويه اجتماعي وأخلاقي لمعلمة ابتهجت في رحلة فرقصت، وشابة قررت أن تذهب إلى جامعة مرتدية فستاناً، أو طالبة تعرّضت لابتزاز بسبب فبركة شباب لصور عارية لها على الإنترنت فانتحرت، وغيرها كثير من نماذج مارست فيها فئات عدة مهمة الاغتيال المعنوي إلى تشويه سياسي وديني لشخصيات عامة لمجرد أنها اختلفت أو خالفت توجه البعض وأهواءه السياسية وانتماءاته الدينية.

يعتقد المصريون أن الاغتيال المعنوي سلاح حديث ظهر في بلادهم دون غيرها. لكن الواقع يشير إلى أنه ظاهرة عابرة للثقافات والقارات ومتجذرة في التاريخ. في ورقة عنوانها "تطبيق النظرية الاجتماعية لاغتيال الشخصية"، يقول أستاذ الإعلام في جامعة جورج مايسون الأميركية سيرجيو ساميولينكو، "اغتيال الشخصية أداة ضاربة في التاريخ. استخدمها البعض للدعاية أو التأثير الاجتماعي أو الإكراه أو كل ما سبق. الكلمات والصور دمرت سمعة حكام ورؤساء ومشاهير وحتى الناس العاديين، ويستخدمها كثيرون كاستراتيجية انتخابية لتحقيق الفوز على المنافسين".

ويضيف أنه في عصر وسائل إعلام النقرات "تغري الحملات السياسية السلبية كثيرين. كذلك الأخبار المثيرة التي تركز على الشخصيات بدلاً من السياسات فهي تعزز الترند وكمية المشاركات على الأثير العنكبوتي، إضافة إلى أنها تُعدّ أسلحة شديدة الفتك بالخصوم".

ويشير ساميولينكو إلى أنه على الرغم من أن اغتيال الشخصيات معنوياً ونفسياً يعود إلى العصور القديمة، إلا أن علماء الاجتماع لم يبدأوا بدراسة هذا النوع من الاغتيال حتى خمسينيات القرن الماضي.

يُذكر أن جامعة جورج مايسون أسست معملاً بحثياً متخصصاً في دراسة "سياسات اغتيال الشخصية والسمعة" عام 2014.

الاغتيال المعنوي أداة وطنية

سياسات اغتيال الشخصيات وتشويه سمعات الأفراد جديرة بالبحث والتقصي، لا سيما أنها سياسات لا تتّبعها فقط جماعات محظورة أو أفراد مغيبون، بل هي سياسات تتّبعها حكومات وأنظمة، لكن بطرق مختلفة، بعضها يتميز بالذكاء والبعض الآخر يتسم بالدهاء، ويجعل من الاغتيال المعنوي للأفراد، بل وفي اغتيال الدول والشعوب والكيانات "عمليات نظيفة مئة في المئة".

الطريف أنه يتم التسويق للاغتيال المعنوي وتشويه السمعة باعتبارهما أدوات وطنية أو دينية أو قومية أو اجتماعية لحماية الشعوب والمجتمعات. لذلك فإن الاغتيال المعنوي وتشويه السمعة دائماً يحملان وجهين متناقضين، أحدهما بالغ الوطنية عظيم الهدف، والثاني بالغ الانحطاط دنيء الهدف.