Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مخدرات الأكشاك" ظاهرة خطرة تستشري بالمجتمع المقدسي

نحو 3 في المئة من المقدسيين مدمنون على المخدرات أو جربوا تعاطيها لمرة واحدة

مخدر "نايس غاي" الكيماوي المعروف برخص ثمنه وسهولة توفره في القدس الشرقية  (اندبندنت عربية)

قبل أيام معدودة من زفافهما، صُدم سعيد (27 سنة) بمصرع خطيبته في حادثة سير وهي في طريقها لتسلم فستانها الأبيض، وعاش لأيام منطوياً على نفسه يفكر في الانتحار، إلا أن محاولاته المتكررة باءت بالفشل، لينزلق فيما بعد نحو هاوية المخدرات لاعتقاده أنها ستخفف من ألمه والضغط النفسي الشديد الواقعين عليه. ومع إنهائه أول سيجارة داخل عش الزوجية الفارغ في حي سلوان شرق القدس، تبدل الحزن والنحيب على الخطيبة الراحلة إلى ضحك هستيري ونوبات من الرقص والصراخ، ليسقط مغشياً عليه بعد ساعتين من تعاطيه المخدرات، يعاني اضطرابات مزدوجة وهلوسة وانفصاماً في الشخصية عجز الأطباء عن معالجتها.

 لم يلتفت سعيد إلى خوف عائلته وقلقها، ولا لنصائح أصدقائه ممن تجرعوا مرارة الإدمان، بل أصر على فقدان ما تبقى من عقله وانغمس بتعاطي مخدر "نايس غاي" الكيماوي المعروف برخص ثمنه وسهولة توفره في القدس الشرقية، الأمر الذي عرّضه لنزيف حاد في الدماغ كاد يودي بحياته، حسب عائلته.

مواد سامة

حسب التقديرات، تبلغ نسب المتعاطين في القدس وضواحيها نحو 25 ألف شخص، ونحو ثلاثة في المئة من المقدسيين يدمنون المخدرات، أو جربوا تعاطيها لمرة واحدة في الأقل.

ويشير متخصصون إلى أن السنوات الأخيرة تميزت بظهور حالات اضطراب غير تقليدية لدى العديد من الشباب، نتيجة استعمال المخدرات الكيماوية، التي تخلط وتحضر في مختبرات بدائية، وقد يسبب استعمالها لمرة واحدة إدمانها، فيما يعادل تأثير بعضها 800 سيجارة من القنب (الكنابس). أخطر تلك الأنواع الرائجة هي سموم "الاغتصاب" الخالية من أي لون أو طعم أو رائحة، وقد تخلط مع أي مادة أو مشروب من دون أن يشعر الشخص بوجودها وتعرف بـGHB. يليها مخدر "مستر نايس غاي" وهي نبتة عشبية يتم خلطها أو رشها بسم الفئران أو مع مبيدات الحشرات مثل K300 ولها تأثير شديد في الدماغ والأعصاب. فيما تنتشر المنشطات، مثل نبتة القات المنشطة التي يتم خلطها مع أنواع أخرى من المنشطات الكيماوية، وتسمى في الأكشاك حيث تباع "حغيغا" أي احتفالية باللغة العبرية، وهناك أسماء أخرى منها "مسطولون" و"مبسوطون". مدمنو الهيروين والمخدرات الثقيلة مثل الكوكايين والحشيش تحولوا إلى تعاطي "نايس غاي" الذي بات يسيطر على أكثر من 70 في المئة من مجمل عدد المدمنين بالقدس الشرقية وضواحيها.

مخدرات قانونية

وليد حداد الخبير في المواد المخدرة والعقاقير يقول، "أثبتت نتائج الفحوص المخبرية على مركبات كيماوية يتم تسويقها على أنها مخدرات نباتية قانونية، أنها نباتات مرشوشة أو مخلوطة بمواد كيماوية بغرض مضاعفة التأثير، ومع ذلك تباع بشكل علني على الأرصفة وفي الأكشاك داخل إسرائيل وفي المناطق العربية التي تسيطر عليها أمنياً، لأن تركيبتها الكيماوية غير مدرجة في قوائم وتصنيفات المواد الداخلة في تصنيع المخدرات".

يُضيف، "نحو 35 في المئة من متعاطي المخدرات الكيماوية يعانون اضطرابات مزدوجة، وفي كثير من الأحيان تحدث بلبلة في عملية توجيه المريض إلى العلاج، هل يكون في مصحة نفسية أم في مركز للفطام عن المخدرات، فهو يعاني اضطرابين معاً، فاستعمال المخدرات الكيماوية يفجر أنواع الأمراض النفسية والاضطرابات التي كان يعانيها الشخص قبل أن يبدأ بتعاطيها في السابق. طورنا طرقاً ووسائل علاج لحالات إدمان تقليدية مثل الماريغوانا والحشيش، لكن ما يحدث أخيراً هو دخول حالات لم نكن جاهزين لمواجهتها، نتيجة دخول أنواع من السموم والمخدرات غير التقليدية بخاصة الكيماوية منها والمصنعة في مختبرات بدائية لا نعرف تركيبتها".

مخدرات أونلاين

حسب الاتحاد المقدسي للوقاية من المخدرات والكحول، "فإن ثلاثة أشخاص من كل 100 مقدسي يتعاطون المخدرات، إذ تعتبر الماريغوانا والحشيش بما فيها الطبية وحبوب الاكستازي والكحول ونايس غاي والمسطولون، الأكثر تداولاً بين الشباب والمراهقين، إذ يباع مغلف مخدر نايس غاي ذي الغرامات الخمسة بتسعة دولارات، فيما تباع السيجارة منه منفردة بدولار ونصف الدولار فقط".

يقول المتخصص النفسي في الاتحاد علاء خروب لـ"اندبندنت عربية"، "هذه المخدرات تباع في القدس الشرقية داخل سيارات تقف في أماكن معروفة ومحددة ببعض الأحياء العربية، أو على مداخل بعض البيوت، وهناك من يشتريها عبر الإنترنت وتوفر لهم خدمة التوصيل مجاناً، كما أن إعلانات هذا النوع من المخدرات تملأ مواقع التواصل الاجتماعي. معظم المخدرات الكيماوية التي تتجاوز 40 صنفاً تباع مغلفة بطريقة جميلة ومغرية وبأحجام تتراوح ما بين خمسة وعشرة غرامات مع اسمها ورقم الإصدار وعبارة 100 في المئة قانونية، لذلك تسمى بمخدرات الأكشاك، لكونها لا تحتوي على أي مركب تقليدي ممنوع حسب لوائح المخدرات العالمية، وعلى الرغم من أنها تباع لمن هم فوق الثامنة عشرة عاماً، فإن العديد من متعاطيها تتراوح أعمارهم بين 12 و15 سنة، وهو مؤشر خطير للغاية".

وعن الأسباب التي تدفع المقدسيين لتعاطي المخدرات يقول خروب، "الإحباط والفراغ وحب الفضول الذي يعتري الشباب المقدسي مع انعدام فرص لتنمية مواهبهم واستثمار أوقات فراغهم، دفعت الضعفاء منهم للتشبث بخرافة أن تلك العقاقير تساعدهم على الهروب من الألم والخجل والضغوط الاقتصادية والعاطفية. إضافة لذلك تردي الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمقدسيين، وانتشار الاعتقالات بكثرة وسياسة هدم المنازل والفقر الشديد وعزل المدينة بالجدار الفاصل والحواجز العسكرية، أدت بهم إلى الاستسلام والخضوع لمغريات تحقق المتعة والنشوة أو السعادة الوهمية، أو النشاط واليقظة والإحساس المرغوب فيه".

يد إسرائيلية

تشير إحصاءات إسرائيلية رسمية إلى أن نسب البطالة بين الفلسطينيين بالقدس تصل إلى 25 في المئة، وأن 75 في المئة من المقدسيين البالغ عددهم نحو 360 ألف نسمة فقراء، فيما تصل نسبة الأطفال العرب الفقراء إلى 82 في المئة في حين يصل معدل الدخل للفلسطيني هناك نحو ألف دولار، وهو أقل من نصف تكلفة المعيشة في القدس.

حسب مركز الدراسات العربية، "فإن إسرائيل وأذرعها لها يد عظمى في إدمان المقدسيين المخدرات، بسبب سياسة التمييز بين الأحياء العربية واليهودية، ورصد الميزانيات وإهمال الأحياء المقدسية". ووفقاً للمركز، "يعتبر وادي قدوم ومخيم شعفاط وبلدة عناتا في القدس الشرقية مرتعاً لمئات تجار المخدرات، وفي الوقت الذي تجنبت فيه الشرطة الإسرائيلية دخول المنطقة، مُنعت قوى الأمن الفلسطينية من دخولها، ما ترك فراغاً فيها قامت عصابات عنيفة بملئه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يوضح مازن الجعبري، مدير مؤسسة تنمية الشباب في جمعية الدراسات العربية، في تصريح خاص، "أن المناطق والأحياء المقدسية جميعها من المفترض أنها تقع تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، لكن ما نراه هو التغاضي الكامل عما يجري من مخالفات، فالمخدرات تباع علناً وفي الشارع وداخل أماكن محددة وأمام أعين الشرطة، ولا يوجد أي حراك لكبح الظاهرة التي تكاد تكون معدومة في القدس الغربية، فالحكومة الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية المختلفة معنيون بتشتيت وتمزيق المجتمع المقدسي العربي بين المخدرات والفقر والبطالة لسهولة تهويد المدينة بالكامل، بما في ذلك الضرائب والمستوطنات وهدم المنازل وسحب الهويات وغيرها من أساليب الطرد، فليس ثمة حاجة لإجراء دراسات، لاكتشاف الفارق الكبير ما بين شطري مدينة القدس الشرقي والغربي، فالحدائق ومراكز الترفيه والملاعب ومراكز التكنولوجيا، منتشرة بشكل كبير جداً بالقدس الغربية ولكنها تكاد تكون مختفية بنظيرتها الشرقية".

ملاحقات سرية

عام 2011، تم حظر مخدر الرجل اللطيف "نايس غاي" وغيره من أنواع القنب الصناعي، التي أصبحت شائعة بشكل متزايد في إسرائيل. والتي كانت قد تمت الموافقة عليها سابقاً من قبل لجنة الصحة والرعاية في الكنيست (البرلمان)، وكانت وزارة الصحة الإسرائيلية حسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، "أعلنت في وقت سابق، عن أن المصابين الذين يرقدون في المستشفيات قد تناولوا مخدراً من نوع (نايس غاي)، الذي تم خلطه بمضاد التخثر، والذي يستخدم في إبادة الفئران".

داني شاحر، مدير قسم سُلطة محاربة العنف والمخدرات والكحول في إسرائيل، قال عبر الموقع الرسمي لسلطة محاربة المخدرات، "إن الشرطة الإسرائيلية وأذرع الوزارة المختلفة تكثف جهودها من أجل البرامج الوقائية، ابتداءً من استهلاك المخدرات، مروراً بالاستهلاك غير المسؤول للكحول، وانتهاءً بظواهر العنف والجريمة والسلوكيات المناهضة للمجتمع، بواسطة تعزيز قدرة السلطات المحلية في المدن الكبرى، والمجالس الإقليمية، والبلدات العربية، والبلدات الحريدية لمواجهة التحديات الأمنية الشخصية".

الشرطة الإسرائيلية بدورها، أكدت عبر موقعها الرسمي إلقاء القبض على مخالفي القانون، مع التركيز على الاتجار وتوزيع المخدرات ومنع الجريمة، من خلال أنشطة ميدانية سرية ومركزة. وقالت عقب مداهمة واسعة لمخيم شعفاط (المخيم الوحيد التابع لبلدية القدس يحمل سكانه الهوية الإسرائيلية) "ستواصل الشرطة عملها على مدى الساعة من دون كلل، في المجالين السري والعلني، مستخدمة كل الوسائل المتوفرة لديها، لمنع نشر المخدرات التي قد تشكل خطراً جسيماً على حياة المواطنين الأبرياء، بمن فيهم القاصرون، بهدف إحالة المجرمين من تجار وناشري المخدرات إلى العدالة. يشكل تشغيل محطات المخدرات في قلب أحياء سكنية، بالإضافة إلى توفير مخدرات خطيرة مخصصة بشكل رئيس لسكان شرق أورشليم القدس، خطراً ملموساً على سكان المنطقة، بمن في ذلك العائلات والقاصرون المعرضون لهذه الظواهر الإجرامية".

وقالت متحدثة باسم الشرطة "قضاء حوائج جميع المواطنين واجب علينا وكل مسؤول حكومي آخر، فالمواطن هو البوصلة التي تحدد الاتجاه، والمواطن العربي جزء لا يتجزأ من مواطنينا ودولتنا. وبالتالي إن جميع مواطنينا العرب وبيوتهم وممتلكاتهم وأمنهم وأرواحهم خط أحمر، ونحن في سلك الشرطة نعمل ما بوسعنا جاهدين لمحاربة العنف وتجارة المخدرات والسلاح على مختلف المستويات".

مشاريع تطويرية

في الوقت الذي تعتبر فيه إسرائيل القدس الشرقية جزءاً لا يتجزأ من عاصمتها، يقول السكان العرب إن هناك فجوة كبيرة بين الخدمات في القدس الغربية ذات الأغلبية اليهودية والجزء الشرقي من المدينة.

عام 2020 أعلنت بلدية القدس مبادرة حكومية إسرائيلية رصدت ميزانية بقيمة 2.1 مليار شيكل (677 مليون دولار) مدتها خمس سنوات، تهدف إلى تقليل الفجوات بين القدس اليهودية والفلسطينية، تشمل زيادة وسائل النقل العام، والمساحات الخضراء، وكلية تقنية جديدة تماماً لتدريب "الآلاف من المقدسيين الشرقيين على التكنولوجيا المتقدمة"، والحوافز من أجل "زيادة اندماج النساء في القوى العاملة شرق المدينة"، وإنشاء مركز تكنولوجي يوفر عشرة آلاف وظيفة ذات أجر جيد.

لا تطمح الخطة حسب البلدية إلى توفير الآلاف من الوظائف الجديدة في القدس الشرقية فحسب، وإنما إلى "تغيير المنطقة بالكامل". وقال رئيس بلدية القدس موشيه ليون لصحيفة "إسرائيل اليوم"، إنه يقوم بخطوة تاريخية "لتعويض التقصير، وفتح صفحة جديدة مع المقدسيين". كما يأمل أن تقلل المشاريع من عدم المساواة بين القدس الشرقية والغربية.

ظاهرة مقلقة

 رواج المخدرات المركبة كيماوياً بوجه خاص في القدس الشرقية وضواحيها ترافق مع التنامي العام لتعاطي المخدرات وإدمانها وازدياد معدلات انتشارها في الضفة الغربية، إذ تشير دراسة للمعهد الوطني التابع لوزارة الصحة الفلسطينية، إلى أن عدد متعاطي المخدرات (بما فيها القدس وضواحيها) بلغ 80 ألف متعاطٍ؛ في حين زاد عدد المتعاطين بشكل خطر (المدمنين) على 26500 مدمن، مع ملاحظة الزيادة في نسبة الإناث المتعاطيات، منهم 16453 شخصاً في الضفة الغربية، بينهم 1118 شخصاً من متعاطي المخدرات بشكل خطر عن طريق الحقن.

وأشارت الدراسة إلى أن أكثر الأنواع تعاطياً هي مادة "الحشيش" والماريغوانا الصناعية، والترامادول، والليريكا. فيما تشير إحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية إلى أن عدد المدمنين في مدينة القدس وحدها، يعادل ثلث عدد المدمنين الفلسطينيين في الضفة الغربية.

المزيد من تقارير