ريمكو كامبرت... آخر شعراء هولندا الكبار المحدثين

قصائده تميل الى الدراما والفلسفة والحس الانساني البسيط

الشاعر الهولندي ريمكو كامبرت (اندبندنت عربية)

"أؤمن بنهر/ يتدفّق من البحر إلى الجبال / لم أطمع في شيء من الشِّعر/ سوى أن يجلب هذا النّهر/ إلى الخريطة".

منذ مجموعته الشِّعرية الأولى "الطّيور تطير رغم ذلك" (1951)، قدّم ريمكو كامبرت إلى القارئ الهولندي ما لم يكن قد تعوّد عليه بعد في عالم الشِّعر؛ لغة بسيطة تكاد تقارب اللّغة اليوميّة التي يتحدّثها النّاس في الشّوارع والطّرقات، بعيدة عن معاظلة الشُّعراء من محترفي اللعب بالكلمات العتيقة الرّنانة، انحاز كامبرت في قصائده إلى الدّراما والمفارقة الفلسفيّة والحسّ الإنسانيّ البسيط، فرصد المشاهد اليوميّة في المقاهي ووسط الأصدقاء والمحبّين، كمن يروي قصصًا ولكن بطريقة شعريّة.

حتى في إسهاماته القصصة والرّوائية والمقال اليوميّ، لم يبتعد ريمكو كامبرت (89 سنة)، وطوال رحلته الطويلة مع الكتابة، تلك التي بدأها قبل 67 عامًا وحتى يومنا هذا، عن اللغة البسيطة المباشرة في أحيان كثيرة، وهو ما ساعد على انتشار أعماله الأدبية وسط فئة كبيرة من قرّاء الهولندية، وعجّل بظهور بعض أعماله الرّوائية والقصصيّة مجسّدة على شاشة السينما، وهو ما حدث مع روايته "فتاة العصابات"، والتي تحوّلت إلى فيلم سينمائي هولندي في العام 1965، ومع مجموعته القصصية "كلّ يوم حفلة"، والتي سجّلتها شاشة الفن السابع في فيلم يحمل العنوان ذاته سنة 1967.

كامبرت الذي يُعتبر اليوم أحد أكبر شعراء اللغة الهولندية، لم يبخل على الكتابة بنوع أدبيّ ما، فكما كتب الشِّعر والرّواية والقصة القصيرة والمقال الصحافيّ، على مدى ما يزيد عن نصف قرن بعقد ونصف العقد، كتب أيضًا سيناريوهات للسينما وكتبًا للأطفال، إلّا أن الحركة النقدية الهولندية، وعلى خلاف نظرتها إلى الكثيرين من مجايليه، الذين بدأوا شعراء ثم انتهوا روائيين، لا تزال تنظر إلى كامبرت باعتباره الـ"شاعر الكبير"، بـ"ألف لام" التّعريف.

سيرة واعمال

ولد الشاعر الهولندي ريمكو كامبرت بمدينة لاهاي في 28 يوليو (حزيران) 1929، كان والده "يان كامبرت" (1902-1943) شاعرًا وناشطًا ضد الاحتلال النّازي لبلاده خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت والدته ممثلة مسرحية ناجحة تدعى "جوكي بروديليت"، انفصل والداه وهو في سن الثالثة من عمره، وبدأ كامبرت يعيش لدى أبويه المنفصلين فترات زمنية متعاقبة، حتى جاءت الحرب العالمية الثانية واحتلّ الألمان هولندا، وأُلقي القبض على والده من قبل النّازيين، بسبب مساعدته اليهود على الهرب من المعتقلات ومحارق الغاز، وتوفّي يان كامبرت في ظروف غامضة في معسكر اعتقال "نيونغامي" في ألمانيا في العام 1943.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، انتقل ريمكو كامبرت مع والدته إلى العاصمة الهولندية أمستردام سنة 1945، وهناك عاش فترة مراهقة غنيّة بزيارات نوادي موسيقى الجاز وارتياد دور السينما، وهما العاملان الأوليّان في تشكيله شاعرًا من طراز خاص في الوسط الثقافي والأدبي الهولندي المعاصر.

ببلوغه السابعة عشرة سنة 1946، بدأ كامبرت مشواره مع الكتابة. وفي سنة 1950، حين بلغ عامه الـ 21، أسّس مع صديقه الشّاعر والكاتب الهولندي رودي كوسبروك (1929 - 2010) المجلّة الأدبية "براك". وفي العام 1951، أصدر كامبرت مجموعته الشّعرية الأولى "الطّيور تطير رغم ذلك"، ثم انتقل للعيش في العاصمة الفرنسية باريس أوائل الخمسينيات، على غرار الكثير من الفنانين والكتاب الهولنديين الآخرين، حيث كانت باريس هي قلب أوروبا الذي انفتح لحركات التّجديد في الفن والأدب والموسيقى، مُشكَّلة بذلك بؤرة أوروبية جديدة تتبنّى كلّ حراك أدبي وفنّي وثقافي جديد ومختلف، ما جعل منها قِبلة التفكير الطليعي والمتمرد آنذاك.

كان كامبرت أحد أبرز الشّعراء الهولنديين الذين عُرفوا في ما بعد باسم "جيل الخمسينيّات" أو "الخمسين"، الجيل الذي قدّم كتابة مختلفة عن الأجيال السابقة عليه، من باب التمرّد عليهم تارّة، ومن باب خلق لغة جديدة تارّة أخرى، في سبيل إحياء اللغة الهولندية التي كانت قد تكلّست وذهب بريقها، وأغلب هؤلاء الشُّعراء تكوّنت رؤاهم الإبداعية والفنية في ظلّ الحرب، وبدأوا يقدّمون أشعارهم وقصائدهم التي تواكب العصر الذي يعيشونه من حيث الشّكل والمحتوى. وبعيدًا عن علاقات الصّداقة التي ربطت بين هؤلاء الشّعراء من جيل "الخمسين" في هولندا وبلجيكا، نستطيع القول اليوم إنّ ما وحّد بين هذه المجموعة المتنوّعة من الكُتَّاب والشُّعراء، لم يكن سوى معارضتهم التّقاليد الأدبية التي كانت لا تزال سائدة في الشِّعر المكتوب باللغة الهولندية في فترة ما بعد الحرب، ما دفعهم إلى تقديم بدائل لُغوية غير معتادة، وربما كان كامبرت أكثرهم تطرّفًا في نزوعه إلى البساطة والمباشرة والرّغبة في اللّعب الفنّي، فكتب قصيدته التي تعتمد على رصد المشاعر الدّاخلية البسيطة، ومتخلّيًا عن الإيقاع الرّنان، وهو ما جعل قصيدته تحتل مساحات شاسعة لدى فئات جديدة من القرّاء.

تميّزت قصيدة كامبرت عن قصائد مجايليه من الشُّعراء والكُتَّاب الهولنديين والبلجيكيين (الذين يكتبون باللغة الهولندية)، بسرعة ملاحقتها للعصر الذي ولدت فيه، فإذا كان كامبرت في بداياته أوائل عقد الخمسينيّات من الذين تأثّروا في قصائدهم بموسيقى الجاز وبالروح الطّليعية التي عاشها في باريس، ما ترك أثرًا واضحًا من التمرّد واللّهجة الحادّة في قصائده الأولى، إلا أنّه أبقى على المزيج الخلّاب من السّخرية والأمل في قصائده خلال عقد الستينيات؛ السّخرية التي نمت ببطء نتيجة كتابته للمقال الأسبوعيّ في الصّحف الهولندية على مدار عقود كاملة من دون توقّف، والتي تسلّلت شيئًا فشيئًا إلى أشعاره، ومنذ سنوات التّسعينيات اتّخذ شعر كامبرت منعطفًا جديدًا، وأصبح أكثر انعكاسًا للحياة اليومية والتّفاصيل الحياتية التي كان يحياها آنذاك.

نستطيع اليوم، وبعد مرور 67 عامًا على صدور المجموعة الشّعرية الأولى لريمكو كامبرت (1951)، أن نعدّد أبرز مجموعاته الشِّعرية التي صنعت منه أحد أهم شعراء اللغة الهولندية قاطبة، ومن هذه المجموعات الشعرية: "بصحبة رجل وفأر"، "البيت حيث كنتُ أعيش" (1955)، "في الارتفاع وفي الدنو" (1959)، "هذا ما يحدث في كلِّ مكان" (1962)، "أزمنة أفضل" (1970)، "مسرح" (1979)، "مشاهد في فندق موراندي" (1983)، "ثلاث قصائد منسيّة"، "أيام أمستردام"، "الحرّيات السّبع" (1984)، "زملاء" (1986)، "عندما رأيتك" (1988)، "فوتوغرافيا الشّارع" (1994)، "مرارًا وتكرارًا" (2004)، "ثمانية رسوم مائيّة" (2006)، "ذكريات جديدة" (2007)، "صوت قديم" (2011)، "الوردة" (2012)، "نور حياتي" (2014)، "على طول الرّصيف" (2016).

في العام 2004، فاجأ ريمكو كامبرت محبّيه بروايته الشهيرة "حبّ في باريس"، ثم أعقبها بعامين بتحفته الرّوائية "قلب من السّاتان" (2006)، في هاتين الروايتين قدّم كامبرت قصّتي حبّ ولكن من زاويتين مختلفتين، ففي "حبّ في باريس" يحاول رجل في السّتين تذكّر قصة حبّ عاشها في شبابه، مجاهدًا في استعادة شكل حبيبته من ذاكرته، مدونًا كلّ شيء عنها قبل أن تجرفها أمواج النّسيان، وفي "قلب من السّاتان"، يكتب كامبرت عن رسام عجوز يحترف رسم بورتريهات للعجائز وكبار السّن في بيوت المسنّين، مدوِّنًا ملامحهم قبل أن يذيبها الموت في عتمة القبور.

في آخر مقابلة صحافيّة أجريت معه في العام 2012، حيث يكره شاعرنا إجراء هذه الحوارات الصحافية، سئل ريمكو كامبرت، الذي يعيش حاليًا مع زوجته الثالثة ديبورا بأمستردام، متفرغًا للكتابة كما كان طوال حياته: "هل تخاف الموت؟ بخاصة بعد رحيل جميع شعراء وكُتَّاب جيلك"؟ فأجاب قائلًا: "الموت في حدّ ذاته لا يخيفني، ما يخيفني هو لحظة الاحتضار، لا أعرف كيف سأموت، وأحيانًا ما تشغلني فكرة الموت فأبدأ أتساءل: هل سأموت بعد مرض في فراشي مثلًا، أم سأسقط هكذا ميّتًا فجأة، الموت ذاته عبارة عن فكرة مجرّدة، لكن لحظة الاحتضار نفسها تثير فضولي".

 

المزيد من ثقافة