Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أرقام مقلقة لمستويات العنف والجرائم في كردستان

الأزمات السياسية والاقتصادية والأعراف الاجتماعية تقف في مقدمة الأسباب

كردستان العراق تعاني تحت وطأة العنف والجريمة  (أ ف ب)

ودع إقليم كردستان العراق عام 2021 في ظل بيانات مقلقة إزاء ظواهر سلبية في عدة مستويات، منها ظواهر العنف الأسري، والجرائم المتعلقة بقضايا المرأة والقتل والسرقة والابتزاز وحالات النصب والاحتيال، والهجرة المتواصلة، فيما تعاني القوى الكردية الحاكمة ضغوطاً شعبية لمواجهة خلافاتها السياسية في ظل أزمة اقتصادية خانقة، والنقمة من حالة سوء الإدارة والفساد. 

فالإقليم شبه المستقل عن بغداد، الذي يتولى إدارته الحزبان التقليديان "الديمقراطي" بزعامة مسعود بارزاني و"الاتحاد الوطني" الذي كان يتزعمه رئيس الجمهورية الراحل جلال طالباني، عاش سنوات انتعاش واستقرار لافت بعد سقوط النظام العراقي السابق عام 2003، مستفيداً من وارداته النفطية، وحصته في الموازنات الاتحادية خصوصاً تلك التي عُرفت بــ"الانفجارية" بين أعوام 2009-2013.

ثم واجه الإقليم أزمات سياسية واقتصادية في عام 2014، عندما سيطر تنظيم "داعش" المتشدد على مناطق عراقية شمالاً وغرباً وصولاً إلى مشارف مدن الإقليم، تزامناً مع قطع الحكومة الاتحادية حصة الإقليم في الموازنة إثر تأزم الخلافات حول الموارد، يضاف لها استمرار تداعيات التوترات السياسية داخل "البيت الكردي"، وسلسلة احتجاجات جراء النقمة الشعبية من تدهور الأوضاع.

وتصدرت حالات العنف ضد المرأة والهجرة والجرائم على اختلافها مقدمة إحصاءات عام 2021 الصادرة عن الدوائر والمؤسسات المعنية بشأن الظواهر المتعلقة بالعنف الأسري، وتداعيات الأزمات على الملف الاجتماعي عموماً، في إقليم لا يتجاوز عدد سكانه ستة ملايين ونصف المليون نسمة.

بيانات مقلقة

أعلنت مديرية شرطة الإقليم "تسجيل 215 جريمة قتل متعمد، و59 حالة قتل غير متعمد، وبلغت حالات الانتحار 287 حالة، وبلغت عمليات السرقة خمسة آلاف و530 حالة، وألفين و334 حالة سوء استخدام لأجهزة الاتصالات، و1300 حالة تزوير، وستة آلاف جريمة نصب، وألف و552 حالة تسول، وتسجيل ألف و51 حالة مصادرة للسلاح غير المرخص"، وأكدت "اعتقال 149 شخصاً بتهمة تعاطي المخدرات، و204 حالات إطلاق نار، وأربعة آلاف و670 حالة اعتداء، وخمسة آلاف و961 حالة شجار".

وحذر رئيس محكمة جنايات أربيل الأولى القاضي عبد الباسط فرهادي من "تزايد المشاكل الاجتماعية، نتيجة التزايد السكاني"، مؤكداً أن "هناك بطئاً شديداً في حسم القضايا في محاكم أربيل نتيجة قلة عدد القضاة الذين لا تتجاوز أعدادهم 300 قاضٍ"، معرباً عن أمله "في قرب صدور مرسوم لتعيين 50 قاضياً جديداً، لعله يخفف الضغط الواقع على المحاكم".

وفيما إذا كانت الإحصاءات طبيعية وفقاً للحجم السكاني، يرى الباحث الاجتماعي عضو منظمة "المسلة" لتنمية الموارد البشرية ومقرها أربيل، أحمد كاواني أن "هذه الأرقام يتم مقارنتها وفق إحصاءات السنوات السابقة على ألا تقل عن خمس سنوات، وهذه أيضاً تقارن مع ما قبلها للمدة نفسها، وإذا ما سجلت زيادة في أي ظاهرة يتم مقارنتها حسابياً مع عدد السكان"، مشدداً على أن "هذه الأرقام بمثابة جرس إنذار ومثار قلق إذا ما قورنت مع عدد السكان، صحيح أنها لم تصل إلى درجة خطرة للغاية، لكنها تتجه نحو التدهور، وإذا لم نضع حلولاً عاجلة للسنوات المقبلة، فإن العنف سيتضاعف". 

ارتفاع في شكاوى النساء

وتشير بيانات "المديرية العامة لمناهضة العنف ضد المرأة" الحكومية إلى تصاعد مستوى العنف ضد النساء في الإقليم، فمنذ مطلع عام 2021 إلى شهر أغسطس (آب) منه، سجلت عشر حالات قتل سبع منها نفذها أشخاص داخل العائلة، و41 حالة انتحار، إضافة إلى تسجيل 45 حالة حرق، و77 حالة اعتداء جنسي". لافتة إلى "تسجيل أكثر من ثمانية آلاف و850 شكوى تقدمت بها نساء"، في ارتفاع ملحوظ بالمقارنة مع عام 2020 الذي سجلت فيه خمسة آلاف و275 شكوى. 

ويؤكد نشطاء أن البيانات توحي كأن ظاهرة العنف ضد النساء في تفاقم، بينما السبب الفعلي يعود إلى زيادة عدد الشكاوى المقدمة إثر تنامي الوعي لدى النساء والتحلي بالجرأة في تقديم الشكوى والتبليغ لدى الدوائر المعنية، لكن ما زالت الكثيرات يتخوفن من تبعات التقدم بالشكوى مراعاة للتقاليد والعادات الاجتماعية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سوء استخدام أجهزة الاتصال

وتعد وسائل الاتصال الحديثة، كالإنترنت والهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي المتاحة، خصوصاً من قبل الأفراد القاصرين في ظل فضاء مفتوح بعيداً من الرقابة، إضافة إلى بث مسلسلات وأفلام سينمائية يتعارض محتواها مع عادات وأعراف المجتمع الكردي، من أهم أسباب تفاقم المشاكل الاجتماعية، يضاف إليها التوترات السياسية والأزمات الاقتصادية وضعف جهود التوعية، وفق نواب ومتخصصين في الشأن التربوي.

رئيسة برلمان الإقليم ريواز فائق أكدت خلال مؤتمر خاص "باستراتيجيات تمكين المرأة" الذي عقد أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أن "50 في المئة من العنف الممارس ضد المرأة يتم عبر أجهزة الاتصال المتطورة وأدوات التقدم التكنولوجي". منوهة بأن "أساليب العنف ضد المرأة متنوعة، والبيانات الصادرة في السنوات الخمس الأخيرة تبعث على القلق على الرغم من أن هناك تذبذباً في النسب، وقد بدأت أسباب العنف تتغير، ويأتي في مقدمتها التطور التكنولوجي الذي على الرغم من جوانبه الإيجابية فإنه بات أداة مؤثرة في ممارسة العنف".

ويؤكد متخصصون وحقوقيون أهمية تنفيذ بنود قانون رقم 8 لسنة 2021 الخاص بمكافحة العنف الأسري للحد من حالات العنف المتفاقمة، ويشكون ضعف تطبيق القوانين المشرعة المتعلقة بهذا الملف، وأقرت فائق أن القانون "تعتريه ثغرات زادت من الحالات، ما يتطلب تعديله، وقد باشرنا فعلياً بالتنسيق مع وزارة الداخلية"، واستدركت أن "الأنشطة الموسعة للمؤسسات المعنية بحقوق المرأة ووسائل الإعلام لعبت دوراً مؤثراً في التوعية للحد من الظاهرة، وهناك مؤشرات إيجابية".

ويحذر الباحث كاواني من أن "البيانات المتعلقة بالعنف عبر وسائل الاتصالات ستشهد ارتفاعاً خلال السنوات المقبلة مع تطور وعي الفرد واللجوء إلى القانون والمحاكم، لأن النسب الآنية غير حقيقية والأغلبية تتردد في تقديم شكوى لاعتبارات تتعلق بالأعراف والتقاليد الاجتماعية المتحفظة". وزاد "يلاحظ أن الكثير من حالات الانتحار بين الشباب خصوصاً الفتيات قد تكون نتيجة ابتزاز عبر إحدى وسائل الاتصالات المتطورة". وأوضح أن "القوانين الخاصة بهذه الظاهرة لا تطبق كما يجب، ومن السهولة أن يتخفى أي مستخدم بشتى الأساليب لممارسة الابتزاز وانتهاك الخصوصيات، وظاهرة سوء الاستخدام منتشرة بشكل جلي وأفرزت مشاكل اجتماعية جمة، ويبدو أن جهود التوعية المبذولة بشأن الاستخدام الأمثل لهذه الأجهزة لم تحقق النتائج المرجوة".

ابتزاز خطير

 وفي مطلع العام الجديد أعلنت مديرية شرطة إدارة منطقة سوران، شمال شرقي أربيل، عن اعتقال متهم "خطير ابتز عشرات الفتيات والنساء عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعد أن أقام علاقات غرامية معهن". ودعت "المواطنين خصوصاً النساء إلى اليقظة في الاستخدام الأمثل لمواقع التواصل الاجتماعي، وعدم التردد في الاتصال بالشرطة لحمايتهن"، وأكدت في وقت متزامن إقدام رجل في قضاء رواندوز ضمن إدارة سوران، على قتل زوجته وهي أم لثلاثة أطفال، قبل أن يسلم نفسه للشرطة".

جرائم الشرف

وأصدر نائب رئيس حكومة الإقليم قوباد طالباني في وقت سابق، قراراً لمنع "دفن النساء اللواتي قتلن بدافع غسل العار، إلا بعد التحقق في قضاياهن واعتقال المتهمين في ارتكاب الجريمة"، وتقول الجهات المعنية إن القرار بدأ تطبيقه في محافظة السليمانية التي تضم مقابر خاصة للضحايا من النساء، ولا تدون أسماءهن على قبورهن بهدف إخفاء هويتهن "حفاظاً على سمعة أسرهن من العار". 

وشهدت السليمانية مطلع ديسمبر الماضي، مقتل ضابط وإصابة ثلاثة أفراد من دائرة "مناهضة العنف ضد المرأة"، أثناء محاولتهم تقديم المساعدة لامرأة طلبت النجدة بسبب عنف منزلي، وتنفيذ أمر باعتقال أحد أفراد أسرتها، قبل أن يرد المطلوب بإطلاق النار. 

ويقول كاواني إن هناك "11 مديرية متخصصة، والبيانات التي تصدرها حول مستوى العنف، قد لا تكون ذات جدوى في حال عدم تطبيق القوانين، الكثير من المتهمين بقتل النساء يتمتعون بحرية من دون أن يتعرضوا حتى للمساءلة، ومع أي مشكلة نهرع نحو إجراء تعديل على القوانين، في حين أن قوانيننا أفضل بكثير من دول الجوار، لكن المشكلة تكمن في عدم تطبيقها، وكذلك تدني وعي الفرد"، وأعرب عن خشيته من "تفاقم المعاناة في السنوات المقبلة، عسى أن نشهد تحسناً مع تولي الجيل المقبل زمام الأمور".

ارتفاع ملحوظ

من جانبه كشف "اتحاد علماء الدين الإسلامي الكردستاني" عن تسجيل "1700 حالة طلاق من قبل لجنة فتوى الإقليم، مقابل 584 حالة صلح بين الزوجين، وحل ألفين و486 مشكلة عائلية"، كما تشير الإحصائيات السابقة لمجلس القضاء في الإقليم للأعوام 2017-2020 إلى ارتفاع ملحوظ في حالات الطلاق بشكل مضاعف، وإلى أن نسبة الطلاق في عام 2012 لم تتجاوز ستة آلاف و79 حالة، في حين قفزت النسبة في عام 2019 إلى عشرة آلاف و883 حالة.

معنفون

برهان فرج رئيس "اتحاد رجال كردستان" كشف عن "تسجيل 68 حالة انتحار بين الرجال، فيما قتل ستة آخرون من قبل نساء بمساعدة آخرين، وهو عدد كبير يضاف إلى ضحايا العنف الذي يمارس ضد النساء أيضاً". مبيناً أن "هناك تراجعاً طفيفاً بنحو 30 حالة مقارنة بـ2020". لافتاً إلى "تسجيل 31 حالة طرد لمسنين، و47 حالة خيانة، وثماني حالات عنف جسدي، و199 حالة تدخل الأقرباء في الحياة الزوجية، و11 حالة ناجمة عن ضغط نفسي وجنسي واقتصادي، و219 حالة تتعلق بحضانة الأطفال بعد الطلاق".

ووفقاً للاتحاد فإنه منذ عام 2014 "قتل 42 من الرجال من قبل زوجاتهم بمساعدة آخرين، بينما تجاوز عدد المنتحرين 560، ونحو 3800 حالة عنف".

وأوضح فرج أن "الشكاوى التي سجلناها متعددة، بين من طردته زوجته، وآخرون يتعرضون لضغط أو مضايقة من أهلها، وكذلك التعنيف الجسدي واللفظي، ناهيك بالخيانة". وأرجع ارتفاع حالات العنف من هذا النوع إلى "الظروف المعيشية والأزمات الاقتصادية والسياسية وغياب العدالة (التي يعانيها الإقليم)، إضافة إلى تبعات قانون الأحوال الشخصية الجديد الذي ساوى بين الرجل والمرأة في عدة أمور، أهمها إلزام الزوج إعالة الأسرة ومنح المرأة حق التصرف في وارداتها الشخصية". 

ارتفاع معدل الهجرة

من جهة أخرى كشفت منظمة "القمة" المعنية بشؤون المهاجرين واللاجئين عن ارتفاع معدل هجرة مواطني الإقليم وأعداد الذين لقوا حتفهم خلال رحلتهم إلى دول اللجوء.

وقدرت المنظمة عدد الذين هاجروا خلال عام 2021 "بنحو 53 ألف شخص، فيما لقي 53 آخرون حتفهم"، مشيرة إلى "ارتفاع ملحوظ في المعدل بالمقارنة مع عام 2020، إذ بلغ عدد المهاجرين 34 ألفاً، فيما صرع 18 مهاجراً، وفقد 17 آخرون".

وتظهر بيانات المنظمة "التقديرية" تذبذباً في أعداد المهاجرين بين ارتفاع وانخفاض منذ عام 2015 لغاية عام 2021، وبمجموع كلي يزيد على 495 ألف مهاجر، لقي منهم نحو 313 شخصاً حتفهم، فيما سجل 190 آخرون ضمن أعداد المفقودين.

ويطرح كاواني رؤية متشائمة إزاء الجهود المبذولة للحد من ظواهر العنف، قائلاً إن "الحكومة والمؤسسات والمنظمات المعنية وضعت مئات البرامج والخطط وشرعت العديد من القوانين وأسست دوائر متخصصة ونظمت حملات واسعة في مجال التوعية، وصرفت ملايين الدولارات للحد من ظواهر العنف، لكن لو قارنا هذا الجهد الواسع مع الخط البياني والإحصائي المتصاعد، يتضح أننا لم نستطع أن نوصل الرسالة كما يجب إلى المواطن". مضيفاً أن "الفارق على مستوى الجندر في أوج أزمته أو حتى في بعض الملفات الأخرى، فإن هناك تراجعاً سواء في مجال حرية التعبير والتربية أيضاً".

وأرجع ظواهر الهجرة والسرقة والطلاق إلى عدة أسباب "في مقدمتها الأزمة الاقتصادية، وكذلك غياب فرص العمل التي أدت إلى ازدياد تعاطي المخدرات بين فئة الشباب، فضلاً عن أسباب أخرى منها تدني مستوى الوعي لدى الفرد لافتقاره إلى منهج تربوي محترف وتسلط العقلية الذكورية، فبعض الرجال لا يستطيعون هضم التطور الحاصل في المفاهيم العصرية، ما يدفعهم إلى اتباع أسلوب العنف"، وزاد "كما أن غياب العدالة، حيث من البساطة أن تقتل امرأة بسب رسالة قصيرة ثم يتم حسم القضية عبر صلح عشائري، وهذه من تداعيات عدم فرض القانون".

المزيد من تقارير