Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإجبار الديمقراطي لتلقي اللقاح يعيد الاعتبار لقيم الديكتاتورية

يقول البعض إن الزعيم المحبوب يجد شعبية لقرار إلزامية التطعيم والرئيس المكروه يرى مواطنوه أن تعميمه قمع لحقوقهم

حتى عامين فقط مضيا كان أكثر ما يهدد الديمقراطية وينذر بالديكتاتورية أخطار تتراوح بين فرض نظام حكم غير مرغوب فيه هنا، أو هيمنة ديمقراطية النخبة هناك، أو مقايضة التصويت لفلان بإطعام علان هنا وهناك. لكن منذ حط "كوفيد-19" رحاله على الكوكب، والديمقراطية تجد نفسها في مهب ريح اللقاح وجرعاته، والمتحورات ومنشطاته، وقرارات الحكومات في شرق العالم وغربه بإلزامية اللقاح المباشرة تارة والمقنعة ثانية، وترك الأمور "تضرب تقلب" تارة ثالثة.

جرعة نكئ الجراح

الجرعة الثالثة لتلقي اللقاح، أو ما تسمى بالتنشيطية، نكأت جراح الديمقراطية بشكل واضح. خروج اللقاح الأول لمواجهة كورونا بالصين في ديسمبر (كانون الأول) عام 2020 لم يطرح تهديداً حقيقياً لها. فقد كان الوباء في أشهره الأولى، وكانت الجهات الصحية، سواء الأممية أو الوطنية، ما زالت في أول طريق التخبط الذي اتضح أنه طويل جداً. وقتها، لم يطرأ على بال الدول المصدومة والشعوب المكروبة أن الوباء باق ومتحوراته مقبلة والحياة باتت قيد الجرعات وحبيسة التلقيح.

وحين يصبح المصنف الأول عالمياً في التنس الصربي نوفاك يوكوفيتش حبيساً في مركز لاحتجاز المهاجرين في أستراليا التي سافر إليها للمشاركة في البطولة المفتوحة بسبب شكوك حول عدم تلقيه اللقاح، فإن هذا يعني أن معايير الديمقراطية ومقاييس الحرية الشخصية التي كان يعرفها العالم قبل الوباء لم تعد سارية في عصر ما بعد الوباء.

إطاحة الديمقراطية

عصر ما بعد الوباء يشهد اتجاهاً متزايداً من قبل أعتى الدول ديمقراطية إلى إطاحتها، وتطبيق ديكتاتورية اللقاح عبر التطعيم الإجباري. يوكوفيتش ينتمي إلى فئة المعارضين للتطعيم الإجباري. اللاعب الصربي العالمي قال العام الماضي "إنه يعارض مبدأ الإجبار في التطعيم".

خدش قواعد الديمقراطية بدأ بإعلام استثناء اللاعب من تدابير الحصول على اللقاح، وهو ما أدى إلى غضب كثيرين من الأستراليين، بينهم معارضون للتلقيح الإجباري، احتجاجاً منهم على التفرقة في المعاملة. فتدابير البطولة جعلته شرطاً للمشاركة سواء للاعبين أو الموظفين. وفي الوقت نفسه، تمنع التدابير الأسترالية غير الملقحين من السفر بين ولايات البلاد أو الخارج، وهو ما أغضب كثيرين، حيث الديمقراطيات تمنع الاستثناءات وتحمي الحريات.

حرية يوكوفيتش من عدمها في تلقي اللقاح أعادت طرح مسألة التلقيح الإجباري التي باتت شوكة في حلق قواعد الديمقراطية. القواعد تتعرض لموجات متلاحقة من الرياح العاصفة، أحدثها وليس أولها مبدأ الإجبار المباشر أو غير المباشر (المنع من السفر أو التردد على المصالح الحكومية أو ركوب المواصلات العامة إلخ) في تلقي اللقاح.

"الإجبار" بين الديمقراطية والسلطوية

أستاذ السياسات العامة في الجامعة الأميركية في القاهرة إبراهيم عوض تطرق إلى الديمقراطية والسلطوية في إجراءات الوقاية من الوباء في مقال له، جاء فيه، إن "إجراءات الوقاية هي التي تثير مسألة الأساليب الديمقراطية أو السلطوية، إغلاق المطارات وعزل المدن وإجراء الاختبارات والحجز فى المنازل وفرض لبس الكمامات وإغلاق المصانع والمتاجر والمطاعم والمقاهي والفنادق هي أساليب تحد من الحريات العامة، لجأت إليها نظم سلطوية وديمقراطية على السواء".

ويتابع، "في النظم السلطوية لا مشكلة في ذلك، فليس فيها برلمانات تُسأل أو آراء عامة تحتج وتطالب. أما بالنسبة لنظيرتها الديمقراطية فإن الإجراءات المتخذة وإن كانت تحد من الحريات العامة فهي تحقق غاية أسمى هي حماية الصالح العام".

"مناشدات" حماية الصالح العام من طريق ارتداء الكمامات والتباعد الاجتماعي والتلقيح بجرعاته المختلفة لم تسفر عن الغاية المنشودة في أغلب دول العالم سواء كانت مصنفة ديمقراطية أو سلطوية. فبين تشبث البعض بمبدأ الحرية الشخصية وحرية الاختيار وإيمان ثان بأن الفيروس ولقاحاته وتحوراته مؤامرة ضد البشرية، ولا مبالاة فريق ثالث بالمرض وتبعاته والعدوى وآثارها، بلغت نسبة الملقحين بجرعة واحدة على الأقل في الكوكب خلال الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي 59 في المئة، وعدد الجرعات التي تم إعطاؤها 9.37 مليار جرعة، وعدد الجرعات التي يجري إعطاؤها يومياً 30.16 مليون جرعة. وعلى الرغم من أن الأرقام لا تكذب فإنها تتجمل أحياناً، فنسبة من حصلوا على جرعة واحدة من اللقاح على الأقل في الدول منخفضة الدخل لا تزيد على 8.9 في المئة من السكان!

معادلة اللقاح والحريات

لكن سكان العالم في الدول منخفضة ومتوسطة ومرتفعة الدخل يجدون أنفسهم في مستهل العام الثالث من عمر الوباء أمام معضلة حقيقية، حيث المعادلة بين الحريات الشخصية والمدنية من جهة والسلامة والصالح العام صعبة التحقيق. وعلى الرغم من أن نسبة  تأييد السكان في الدول الديمقراطية للقيود الموقتة التي تفرض ثم ترفع ثم يعاود فرضها وهلم جرا مرتفعة، فإن استمرار الوباء والمؤشرات الدالة على بقائه لحين إشعار آخر، إضافة إلى موجة التضييق المتصاعدة من أجل تلقيح أكبر عدد ممكن بدأت تلقي بظلال وخيمة، بعضها يتعلق بالتشكيك في الديمقراطية والاعتراض على ما يسميه البعض بـ"تقييد الحريات" وفرض قيود غير دستورية وانتهاك حق من حقوق الإنسان المنصوص عليها في مواثيق حقوق الإنسان ألا وهو حق الاختيار.

استراتيجية التنغيص

لكن في العام الثالث من عمر اللقاح، اختيار التطعيم يجعلك مواطناً صالحاً في حين الاعتراض عليه يجعلك غير ذلك. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيس إحدى أعتى الدول في الديمقراطية واحترام الحقوق ومراعاة الحريات قال قبل أيام لصحيفة "لو باريزيان"، "إنه يريد حقاً أن ينغص على غير الملقحين حياتهم،  بالتالي ستواصل حكومته المضي قدماً في هذا الطريق (طريق التنغيص) حتى النهاية".

ربما لا يكون وضع الكوكب الحالي مؤذناً بعد بنهاية الديمقراطية، لكنه حتماً مؤذن بتعكير صفوها ووضعها في اختبارات بالغة الصعوبة ودفعها دفعاً لمواجهة نفسها بنفسها بما في ذلك خوض تجربة ديكتاتورية الغالبية.

 ماكرون أجاب عن سؤال حول كيفية تقليص عدد الفرنسيين الرافضين للقاح بأن "غالبية المواطنين أي ما يقرب من 90 في المئة أيدوا التطعيم ضد فيروس "كوفيد-19"، عدا قلة قليلة رافضة" وجار "تضييق الخناق عليهم أكثر". ويبدو أنه أراد أن يخفف من وطأة التنغيص والتضييق فأردف، "أنا ضد تضييق الخناق على الفرنسيين. بالعكس كل يوم أدافع عنهم عندما يعانون مشكلات إدارية" ثم عاد إلى المنهج ذاته، قائلاً، "أما بالنسبة لغير الملقحين، فرغبتي تتمثل في التضييق".

الحديث عن التنغيص على مواطني دولة عاصمتها "عاصمة النور والحرية" كان يبدو ضرباً من الخيال قبل 2020، لكن في العام ذاته يجد آذاناً صاغية وقلوباً متقبلة وعقولاً مستوعبة وإجراءات منفذة.

الإجبار متعدد الوسائل

تنفيذ الإجبار تدور رحاه بطرق شتى، منها المموه غير المباشر، حيث قرارات منع غير الملقحين من الحصول على الخدمات، ومنها نصف المباشر، حيث ضرورة تقديم شهادة "بي سي آر" تثبت سلبية الشخص قبل ارتياد مقهى أو حجز سينما أو دخول مركز تجاري، ومنها المباشر الصريح حيث الحرمان من الخدمات.

"رفض الديكتاتورية الطبية" هو الشعار الأكثر انتشاراً بين جموع متظاهرين في دول أوروبية غربية عدة أبرزها فرنسا وهولندا. حق المواطن في اختيار التلقيح أو رفضه بات الشوكة الأكثر إيلاماً في حلق الديمقراطية الغربية، المملوءة بالكثير، مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت قالت في ديسمبر الماضي، "إنه لا ينبغي تحت أي ظرف فرض اللقاحات بشكل إجباري". لكن حديثها حمل معنيين متضادين. فقد تطرقت إلى توفير اللقاح بكلفة ميسرة شرطاً للإلزام، وفي الوقت نفسه ذيلت الحديث بقولها "إنه في جميع الحالات لا يجب فرضه بالقوة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتظل "القوة" سؤالاً أكثر منه تعريفاً. فهل المقصود بالقوة هو تقييد المواطن وتلقيحه بالقوة الجسدية، أم أن المقصود المعنوية منها، حيث التضييق على المواطن بشكل لا يجعل أمامه خياراً سوى الخضوع للتلقيح؟!

ضبابية مصير الديمقراطية

وتزداد ضبابية مصير الديمقراطية في ضوء ما ذكرته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قبل أشهر من أن "التطعيم الإلزامي ضروري في مجتمع ديمقراطي". وكانت مجموعة من ذوي أطفال رفضت دور حضانة قبولهم لعدم تلقيهم اللقاح لجأوا إلى المحكمة التي ذكرت في حكمها أن "التطعيم الإلزامي للأطفال في التشيك ضد تسعة أمراض بينها، (الدفتيريا والتيتانوس وشلل الأطفال) لا يشكل انتهاكاً لأحكام الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان في شأن "الحق في احترام الحياة الخاصة". وأضافت "أن سياسة التطعيم تسعى إلى تحقيق الأهداف المشروعة المتمثلة في حماية الصحة والحقوق الأخرى، إذ إنها تحمي من يتلقون اللقاحات المعنية والذين لا يتلقونها لأسباب طبية".

هذا الحكم يفتح كثيراً من السجال حول مستقبل الديمقراطية كما عهدها العالم في زمن ما قبل كورونا وما ستؤول إليه في كنف الوباء. فمثلما للأفراد الرافضين لتلقي اللقاح دون أسباب طبية الحق في الرفض، فإن لبقية أفراد المجتمع، الحق في الحماية من العدوى بسبب المعارضين. هذا المنعطف الديمقراطي يضع عديداً من الدول التي تفاخر بها في مأزق يستدعي الانتباه والاهتمام.

وجدير بالاهتمام الطريقة التي تعتمد عليها إندونيسيا في التطرق إلى جدلية احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان وفي الوقت نفسه الإلزام باللقاح، حيث يتم الترويج لفكرة أن الحكومة الإندونيسية تعمل على ضمان حقوق الإنسان لمواطنيها عبر ضمان الحق في الحياة والحق في الصحة اللذين لن يتحققا إلا باللقاح.

تقدير الديكتاتورية

اللقاح والوباء قلبا حال الديمقراطية رأساً على عقب، وأضفيا، بعلم أو من دونه، هالة من الاحترام والتقدير حول الديكتاتورية. منصة "أوبن ديموكراسي" (الديمقراطية المفتوحة) التي تم تأسيسها عنكبوتياً في عام 2001، وظلت على مدار ما يزيد على عقدين تعنى بالديمقراطية بشكل أصولي وتدعم "الربيع العربي" بكل ما لديها من قوة، تشير في ورقة حديثة إلى أنها "على مدار سنوات عملها ظلت مؤمنة بضرورة مناقشة عولمة العالم. واليوم بعد الانهيار المالي والكوارث العسكرية وصعود الاستبداد" غيرت المنصة اللحن الذي تعزفه وأعلنت التزامها التحقيق في الأخطاء والفساد الذي يمثل التهديدات الكبرى للديمقراطية.

وترى المنصة أن التهديد الأكبر حالياً على الإطلاق هو احتمالات ظهور نوع أكثر فتكاً بالبشرية من المتحورات الحالية لـ"كوفيد-19". وأضافت أن القائمين عليها يعلنون أن على الجميع دعوة كل حكومات العالم إلى العمل معاً من أجل تحصين العالم أجمع في عام 2022.

تحصين العالم فيه إلزام

تحصين العالم أجمع ينطوي على ملامح الإلزام المناقض بشكل أو بآخر لملامح الديمقراطية. تحت عنوان "حان الوقت للتطعيم الإلزامي" نشر موقع "دويتشه فيله" مقال رأي للكاتبة أينس أيزل، جاء فيه، "أن ما يقال سياسياً من أن جعل اللقاح ملزماً من شأنه أن يوسع الانقسامات في المجتمع ما هو إلا حجة يتفوه بها البعض حين يريد الهروب من اتخاذ قرارات غير سارة". وتصف الكاتبة "حجة التخوف من انقسامات المجتمع بـ(الهراء)".

وأضافت أن "المجتمع المتجانس هو دائماً وسيظل ذا بناء نظري. المجتمع الحقيقي هو غير المتجانس وفيه كثير من الأخطاء. بل يمكن القول إنه الذي يتسم بالانقسام"، الكاتبة تدعم التوجه نحو الإجبار في التطعيم. وتمضي بالقول "إنه في الحالات الاستثنائية مثل حالة وباء كوفيد-19، فإن الحق الفردي في السلامة الجسدية يأتي في المقام الثاني بعد حق حماية صحة وحياة الآخرين".

وبينما ينتظر العالم ما سيسفر عنه الفيروس ومتحوراته ولقاحاته وجرعاته التعزيزية من آثار على دعائم الديمقراطية، يثير البعض نقطة طريفة. فالزعيم المحبوب الذي يحظى بتأييد شعبي يجد قراره بجعل اللقاح ملزماً صدى شعبياً رائعاً، إذ يتم توصيفه باعتباره أفضل الزعماء وأكثرهم حرصاً على صحة شعبه وأعتاهم تمسكاً بقواعد الديمقراطية. أما الزعيم الذي لا يحظى بشعبية معقولة، فإن إلزامية اللقاح في بلده تعد قمعاً وقهراً وسلباً لأكثر حقوق الإنسان بديهية حقه في اختيار تلقي اللقاح من عدمه.