Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ضجة في تونس حول الإصلاحات الاقتصادية الموجعة

تطلع لدعم صندوق النقد الدولي وسط إطلاق وثيقة حكومية تعتمد على الأسعار الحقيقية لسعر المحروقات والكهرباء وتجميد الأجور

أقرت تونس عدداً من القوانين والإجراءات الرامية إلى تسريع نسق توظيف طاقة الشمس والرياح لإنتاج الكهرباء (رويترز)

يتواصل الجدل الاقتصادي والاجتماعي في تونس حول ما تضمنته الأحكام الجديدة الواردة في قانون المالية والموازنة الجديدين، وما خلفته من انتقادات واسعة من عديد من المنظمات، وفي مقدمها الاتحاد العام التونسي للشغل، وعدد من المتخصصين وتداعيات الإجراءات على الاقتصاد التونسي، وبخاصة استحالة دفع الاستثمار الخاص، ومزيد من اهتراء القدرة الشرائية للتونسيين.

وتواجه حكومة نجلاء بودن انتقادات لاذعة في شأن صعوبة تعبئة الموارد المالية لتمويل الموازنة، لا سيما القروض الخارجية، علاوةً على أن الأحكام الواردة في قانون المالية الجديد لم تخدم مساعدة الشركات على تجاوز الصعوبات الاقتصادية الناجمة عن تداعيات جائحة "كوفيد 19"، بقدر ما تم اتخاذ إجراءات الغرض منها تعبئة الموارد المالية عبر الترفيع في عديد من الرسوم، وإثقال كاهل المواطن بالضرائب غير المباشرة والإتاوات.

وفي الأثناء يُصاب الرأي العام التونسي بصدمة جديدة تتعلق بمضامين الوثيقة الحكومية وما تضمنتها من إجراءات موجعة جداً، التي تعتزم الحكومة الحالية عرضها على صندوق النقد الدولي قصد "ترويضه" للوصول إلى اتفاق تتحصل بموجبه تونس على قرض بقيمة 4 مليارات دولار، والحصول على الضوء الأخضر من الصندوق للخروج على الأسواق المالية الدولية، لتعبئة الموارد الضرورية وتمويل الموازنة الجديدة.

إجراءات موجعة

تتضمن الوثيقة الحكومية الجديدة جملة من الإجراءات التي وصفها عدد من الباحثين بـ "الصادمة"، وقد تفرض في حال تطبيقها، كلفةً اجتماعية باهظة ستزيد من مصاعب عموم التونسيين، مرجحين حصول انفجار اجتماعي وغضب شعبي كبير.
وتحتوي هذه الوثيقة التي تمثل في الواقع برنامج الحكومة في الأربع سنوات المقبلة 2022/2026، وتحصلت "اندبندنت عربية" على نسخة منها، على جملة من "الإصلاحات للخروج من الأزمة" كما يحلو للحكومة التونسية تسميتها.
وتتعلق أبرز الإجراءات المزمع تطبيقها بتجميد الزيادة في الأجور في القطاع العام بين عامي 2022 و2024، إلى جانب تجميد الانتداب في الوظيفة العمومية والقطاع العام والتخلي عن الديون العمومية المتخلدة في ذمة الشركات الحكومية، إلى جانب مراجعة سياسة الدولة في علاقة بمساهماتها في رؤوس أموال الشركات الحكومية "غير الاستراتيجية" وصولاً إلى التفويت فيها بداية من 2022. 
كما سيتم رفع الدعم تدريجاً عن المحروقات إلى أن يبلغ سعرها الحقيقي المعمول به عالمياً في أفق عام 2026، علاوة على الترفيع في معاليم استغلال الكهرباء والغاز ووضع منظومة إلكترونية تسمح بالتسجيل والتصرف في التحويلات المالية للفئات المعنية بتلقي التعويض عن رفع دعم المواد الأساسية ابتداء من سنة 2023 .
وتوضح الوثيقة، مصادر تمويل عجز الموازنة لم يتم الإعلان عنها سابقاً، كوعود بتمويل من المملكة العربية السعودية بقيمة 2900 مليون دينار أي 1 مليار دولار، والضمان الأميركي مشروط بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي. 

وتحتوي الوثيقة على 50 صفحة باللغة الفرنسية، ويتناول الجزء الأول  منها "تشخيص الوضع الاقتصادي وأسباب تدهوره"، أما الجزء الثاني فقد تضمن "الحلول" الممكنة للخروج من الأزمة التي تعيشها البلاد من خلال الانتدابات ورفع دعم المحروقات على سبيل المثال.

وتنتقد المنظمات الوطنية وغير الحكومية في هذا السياق، عدم تشريك الخبراء مكونات المجتمع المدني والفاعلين السياسيين ورجال الاقتصاد في تونس في إعداد هذا البرنامج
 

معارضة شديدة من المنظمة النقابية القوية

من جهة ثانية، جدد الاتحاد العام التونسي للشغل المنظمة النقابية المُؤثرة جداً في تونس معارضته الشديدة والقوية لبرنامج الإصلاحات الاقتصادية المزمع اتباعه من طرف حكومة نجلاء بودن. واستنكرت المنظمة النقابية الفاعلة في آخر اجتماع لهيئتها الإدارية بتاريخ 5 يناير (كانون الثاني) 2022، "ما يكتنف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي من غموض وسرية وتعتيم وغياب لأي صيغة تشاركية داخلية".

ودعت إلى انتهاج الشفافية وحق النفاذ إلى المعلومة، وإشراك المنظمات الوطنية وسائر مكونات المجتمع المدني في تسطير مسار هذه المفاوضات بما يضمن وضوحها ونديتها وحفاظها على مصلحة الشعب والوطن، والإسراع بتدقيق تجربة المفاوضات السابقة قبل الخوض في جولة جديدة. وأكدت رفضها لأي مفاوضات لم يسهم اتحاد الشغل في إعداد أهدافها وبرامجها ووسائلها ومآلاتها.

من الصعب جدا تنفيذ الإصلاحات

وقال الباحث الاقتصادي عزالدين سعيدان، إن تونس تمر بصعوبات اقتصادية ومالية غير مسبوقة، مبرزاً أن البلاد تأخرت في إيجاد حلول. وأشار إلى وصول التداين العمومي والخارجي إلى مستوى خطير جداً مما يجعل وكالات التصنيف والجهات المانحة تشكك في مواصلة تسديد تونس لديونها بصفة طبيعية.

وكشف عز الدين سعيدان، أن نفقات الدولة في ميزانية 2022، خلافاً لما يتم تداوله في وسائل الإعلام ومن أعضاء الحكومة، سترتفع على الرغم من الوضع الاقتصادي الصعب بأكثر من 11 في المئة وفق رأيه.

من جهة أخرى، شدد الخبير الاقتصادي على أن صندوق النقد الدولي لم يفرض أي شيء على تونس وليس لديه إملاءات، مذكراً بتعهد تونس منذ 2013، بإصلاحات كانت تقدمت بها لصندوق النقد الدولي، ولم تلتزمها، ما أثر على مصداقيتها.

وخلص إلى أنه عند مقارنة الوثيقة التي تعد سرية، وستتقدم بها تونس إلى صندوق النقد الدولي، ستظهر الصعوبة الكبرى لتنفيذ الإصلاحات في ظل الوضع الاقتصادي والمالي والاجتماعي والسياسي الراهن لتونس.
 

إصلاحات جوهرية تتناغم مع طلبات صندوق النقد الدولي

وفي تعقيبها على مجمل الانتقادات التي طالت الوثيقة الحكومية المتضمنة لبرنامج الإصلاحات الاقتصادية، قالت سهام نمصية بوغديري وزيرة المالية التونسية، إن الوضع الاقتصادي خلال العقد الأخير كان دون المأمول واتسم بتسجيل نسب نمو مخيبة للآمال وضعيفة جداً. وأضافت في تصريح إعلامي أن الحكومة حرصت على تسطير إصلاحات جوهرية ستكون محور عملها على المدى القصير والمتوسط، موضحة أن مضامين قانون المالية والموازنة الجديدين يمثلان مؤشر انطلاق لهذه الإصلاحات.
ولم تنف الوزيرة أن هناك إصلاحات اقتصادية سيتم تفعيلها، وصنفتها ضرورية على غرار التحكم أكثر في كتلة الأجور وإصلاح منظمة دعم المواد الأساسية وتوجيهها نحو مستحقيها من الفئات الاجتماعية الهشة مع مزيد من إصلاح الشركات العمومية.
وبينت وزيرة المالية أنه منذ تركيز الحكومة الحالية، تم الاتفاق على الاشتغال مع صندوق النقد الدولي لغرض بلورة برنامج إصلاح برؤية تونسية صرفة،  دون إملاءات او شروط مسبقة من صندوق النقد الدولي. وكشفت في هذا الإطار أن حوالى 80 من كوادر الحكومة انكبوا خلال الفترة الماضية على إعداد وثيقة تتضمن الخطوط الكبرى لبرنامج إصلاحي كبير. وأردفت بالقول "الإصلاحات التي اشتغلنا عليها تنصهر ضمن طلبات صندوق النقد الدولي، وشرعنا في محادثات أولية مع مسؤولي الصندوق، ستأخذ طابعاً رسمياً في مطلع العام الحالي".