Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حين رسم ماتيس حكايته المتبدلة مع امرأته في عدد من أجمل لوحاته

هل كانت "المحادثة" خاتمة كئيبة لتلك العلاقة وهزيمة لسعادة لم تطل؟

لوحة "المحادثة" لهنري ماتيس   (غيتي)

كان ظرياً ذلك المفكر الذي ما إن انتهى ذات يوم من قراءة الكتاب الذي وضعته زوجة الكاتب الروسي الكبير ليف تولستوي عن مرارة حياتها الزوجية والصراعات التي خيضت بينها وبين صاحب "آنا كارنينا" و"الحرب والسلام"، فيما هو يحاول أن يكتب بهدوء وطمأنينة باحثاً عن لحظة دعة تمكنه من ذلك، ما إن انتهى من قراءته حتى أطلق تنهيدة وهو يتمتم، "يا لهم من محظوظين، أولئك الكتاب والمفكرون الذي آثروا العزوبية!". لسنا ندري طبعاً ما إذا كان صاحبنا على حق في ذلك التعليق، لكننا نعرف من خلال استعراضنا حكايات عائلية رويت عن عدد كبير من المفكرين والمبدعين، بدءاً من حكاية سقراط وصولاً إلى تولستوي، أن معاناة كبيرة ومتواصلة طبعت حياة معظمهم العائلية وبخاصة الزوجية. لم تشذ حياة الرسام الفرنسي هنري ماتيس عن تلك القاعدة. لكن ما تميز به، في هذا السياق بالذات كان تحويله تلك الحكاية التي بدأت عاطفية مبهرة، إلى مجموعة كبيرة من لوحات، ربما يعد معظمها من أجمل أعماله وأشهرها، رسمها على مدى سنوات طويلة لتبدو لنا اليوم حين نستعرضها في تراتبيتها التاريخية أشبه برواية مصورة نتابع فصولها، حتى القطيعة التي وإن لم يكن ماتيس قد عبّر عما تلاها رسماً وتلويناً، فإنه أوصلها إلى ذروة بتلك اللوحة التي يمكن أن يكون قد رسم فيها فعل القطيعة نفسه!

كيف بدأت الحكاية؟

ولنوضح ذلك: ففي شهر أكتوبر (تشرين أول) 1897 التقى الرسام الشاب في عرس لبعض معارفه صبية في الخامسة والعشرين لا تتميز لا بجمال مبهر، ولا بسحر خفي، لكنّ قسطاً كبيراً من الذكاء والفهم يشع منها. كان اسمها إميلي. وربما لإعجابه بالاسم نفسه تقرب منها وقرر أن يتخذها زوجة. وافقت هي على الأمر وتزوجا بالفعل بعد أقل من ثلاثة أشهر لتصبح رفيقته وزوجته وحتى موديله، ناهيك عن أن ولعها بالسفر قد حرك فيه ولعاً مشابهاً، ولم يعد يُرى إلا في رفقتها متجولين بين مدينة وأخرى، بل بين بلد وآخر. ولسوف تدوم تلك الحال ثلاثين عاماً، لتنتهي بتركها إياه دون رجعة في عام 1937، بعد قيامه بتلك الرحلة الشهيرة التي قادته وهو عجوز في الثامنة والستين إلى تاهيتي، وكانت واحدة من أول سفرياته الكبيرة التي لم يصطحبها فيها هو الذي كان قد توقف منذ سنوات عن رسمها مبدلاً إياها بصبايا راح يرسمهن طوال تلك السنوات الأخيرة من علاقتهما، كما راح يتخذ من بعضهن عشيقات له من دون أن تبالغ هي في احتجاجها، وقد تلهت عنه وعن رفقته بافتتاحها محلاً للأزياء أمن لها بعض استقلالية مالية. ولكن كيف حدثت القطيعة ولماذا؟

مثل كل الحكايات ولكن

الجواب عن هذين السؤالين ليس ما يهمنا كثيراً هنا. فهو سيشبه في نهاية الأمر معظم حكايات الحيوات الزوجية العادية. لكن ما ينبغي أن يستوقفنا حقاً أن ذلك الفنان المرهف الذي في مرحلته الما بعد الانطباعية على الأقل، ووصولاً إلى مرحلته الأخيرة، "التزيينية" الشكلية البحت، رسم عشرات اللوحات لإميلي، عبر في لوحة أخيرة يفترض الباحثون أنه رسمها فيها، عن لحظة القطيعة بالتحديد. لتكون لوحة يمكن أن يكون عنوانها "الفصل الأخير في حكاية زوجية" لكن ماتيس عنونها "المحادثة". والمهم هنا أنها تعود إلى عام 1911، أي إلى أكثر من ربع قرن سبق الفراق النهائي بينهما.

ومن هنا إذا كان ما يحكيه الباحثون ومؤرخو حياة ماتيس عن أن الشخصين الماثلين في اللوحة هما بالتحديد الرسام وزوجته، مفترضين كما أشرنا أن اللوحة تصور ذروة القطيعة، سيكون في مقدورنا أن نستنتج بأن السعادة الزوجية التي تواكبت مع استلهام ماتيس لملامح زوجته وحبه لها لم تستغرق سوى أقل من عقد ونصف العقد من السنوات، ليكون عام 1911 نقطة النهاية التي عاش بعدها الفنان وزوجته سنوات طويلة في ما يشبه القطيعة ونهاية الحب. والحقيقة أن تأملاً لهذه اللوحة قد يكون من شأنه أن يقول ذلك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تسجيل ملون لنهاية السعادة

تعد "المحادثة" من لوحات ماتيس الضخمة، إذ يبلغ ارتفاعها نحو 177 سم، فيما يصل عرضها إلى 217 سم، وتوجد منذ زمن طويل في متحف الإرميتاج في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية كجزء من مجموعة لوحات لماتيس يملكها المتحف إرثاً من عدد من كبار الجامعين الذين اقتنوا في باريس وغيرها عشرات اللوحات تنتمي إلى المدارس الفنية الحديثة في وقت بدايات القرن العشرين ونهايات سابقه، كان فيه المشترون الروس من أمثال شوشكين وموتوزوف يشكلون أفضل زبائن تلك اللوحات مدخلين الحداثة الفنية إلى روسيا بوتيرة متسارعة ومكثفة. وضمن هذا الإطار باتت هذه اللوحة "العائلية" متوافرة للمشاهد الروسي أكثر من توافرها لسواه. ولكن هذا ليس موضوعنا هنا بالطبع. الموضوع هو الكيفية التي يمكننا أن ننظر بها إلى "المحادثة" بوصفها تسجيلاً إبداعياً لما انتهى إليه شأن تلك العلاقة التي كانت قد بدأت مثالية بين فنان وامرأته.

تطور عبر ثلاث لوحات

لقد كان الباحث والناقد بيار شنيدر الذي يعد في فرنسا واحداً من كبار المتخصصين بفن ماتيس وحياته، من بين أوائل الذين وجدوا في هذه اللوحة ذلك الارتباط بحياة الزوجين ماتيس، لا سيما إذ قارنها بلوحتين "منزليتين" للرسام، لهما العنوان نفسه "الحلوى بعد الطعام" تعود إحداهما إلى عام 1897 والثانية إلى عام 1908، ورأى أن الأولى تصور مشهداً على الطعام تبدو فيه المرأة منهمكة في تحضير المائدة لشخصين بحماس شديد، فيما الثانية تصور المرأة نفسها إلى مائدة طعام شهية لكنها جالسة تأكل وحدها دون مبالاة بكونها وحيدة. ولئن قد طغت الألوان الحية الفرحة على اللوحة الأقدم، فإن الأحمر لون الوحدة قد طغى على الثانية. وأما الثالثة التي نحن بصددها هنا فيطغى عليها اللون الكحلي الذي يعرّفه شنيدر بكونه المعبر عن الخصام والممهد للقطيعة!

ولسنا ندري هنا ما إذا كان يمكن لعلماء التحليل النفسي والسلوكي أن يوافقوا الباحث الفني الكبير على هذا التفسير، لكنه يبدو مغرياً إلى حد كبير في سياق الحكاية التي نتحدث هنا عنها. وما يزيد من حدة هذا الإغراء تأملنا في اللوحة وما فيها.

ما في اللوحة إذاً، رجل وامرأة. هو واقف في نوع من الاستسلام اليائس وقد وضع يديه في جيبي منامته، فيما هي جالسة تنظر إليه باستعلاء وأنفة وقد استندت بمرفقيها إلى مسندي كرسيها وكأنها تقول له: وماذا بعد؟ ماذا يمكنك بعد أن تقول؟ ومن الواضح هنا أن الطريقة التي يتواجه بها هذان الزوجان بالشكل الذي رسمه ماتيس تكاد تنم عن انتهاء كل إمكانية للحديث بينهما، ما يجعل عنوان اللوحة "المحادثة" محملاً بنوع من السخرية والمرارة، ناهيك عن أن وضع كل من طرفيها ينم عن انتفاء أي إمكانية لأن يكون ثمة مستقبل للعلاقة. فهي في جلستها المستريحة تبدو الآن جزءاً من العالم "الخارجي" الواعد بخضرته الزاهية، التي تتساوق مع لون جزء من ردائها يكاد، في رأي شنيدر على الأقل، يعلن بدء انتمائها إلى ذلك العالم الربيعي الخارجي بعيداً من عالم الخريف الداكن الذي يسود في الداخل، وقد بدا أن الرجل لا يزال منتمياً إليه بذوبانه الكلي في "عتمة" اللون الداكن الذي يطبع الغرفة كما يطبع حياته بالتأكيد.

ومع ذلك لا بد من إشارة أخيرة هنا إلى أن ثمة في اللوحة وحتى في اللون الكحلي الذي يطغى عليها نوعاً من بعد "ديني" يربطها، من ناحية، بالأيقونات البيزنطية التي كان ماتيس كثير الاشتغال عليها في ذلك الحين، ومن ناحية ثانية بألواح حمورابي المنصوبة إحدى أبرزها في متحف اللوفر، التي كان هنري ماتيس (1869 – 1954)  يبدو فائق الاهتمام بها. فهل كان الرسام يريد في نهاية الأمر هنا أن يقول إن ثمة في حياته الزوجية الآن ما بات ينتمي إلى ماض ليس لامرأته فيه مكان؟ وهل ثمة من في إمكانه أن يجيب عن هذا النوع من الأسئلة سوى الرسام نفسه، هو الذي آثر أن يكون جوابه في عمله وعلى طريقته تاركاً للمفسرين حرية التكهن والافتراض؟

المزيد من ثقافة