Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العشيقة الصغيرة تتسلل كالشبح إلى حياة الزوج الخمسيني

رواية النمساوية لورا فرويد نتالر تكشف الصراع النفسي لدى المرأة عند وقوع الخيانة

الروائية النمساوية لورا فرويدنتالر (صفحة الكاتبة على فيسبوك)

المراهقة الثانية، ظاهرة رصدها علم النفس، لدى العديد من الرجال، في سن متأخرة، في مختلف الثقافات وفسر أسبابها. ولكن كيف تتعاطى زوجة، مع علاقة زوجها بامرأة ثانية، لا سيما إن كانت لا تملك من الأدلة، إلا حدسها وتفاصيل أخرى؛ لا تعزز سوى الريبة ولا تقترب من اليقين؟ هذه الحال من الشك والألم والتداعي؛ رصدتها الكاتبة النمساوية لورا فرويد نتالر، في روايتها "قصص الأشباح"، الحاصلة على جائزة الاتحاد الأوروبي للآداب، وقد ترجمتها أخيراً رضوى إمام تحت عنوان "أعيش مع شبح" (دار العربي).

بدأت الكاتبة رحلتها من عنوان مراوغ، يدفع القارئ إلى توقع طابع خيالي للنص. ثم ما لبثت أن كشفت عن اتجاه مغاير للسرد، ينحو منحى واقعياً، طرقت عبره قضايا نفسية واجتماعية. وحتى ما مررته في نسيجها من أجواء الفانتازيا؛ لم يكن إلا في خدمة الواقع، ومن أجل تعزيز قضية بعيدة كل البعد عن الرعب أو الإثارة.

وعلى رغم بروز "أنّا" كشخصية محورية وصاحبة البطولة الأولى في النص، اختارت الكاتبة أسلوب الراوي العليم، لترصد شخوصها بعين خارجية؛ تتيح الأهمية ذاتها لسلوكها، وأيضاً لما يعتمل في دواخلها. وتقف من خلالها على مسافة واحدة من كل الشخوص.

كانت النمسا فضاء مكانياً للأحداث التي توزعت بين الشمال والجنوب، لتبرز نتالر في خلفية السرد جغرافيا تلك البقعة. وتنقل ملامح المدينة، ومعالم أخرى تميزها كالغابات والبحيرات. وعلى رغم التدفق الأفقي للسرد، عاد صوت الراوي في ارتدادات زمنية عكسية إلى الخلف. وامتزج التسلسل المنطقي للأحداث مع ومضات الاسترجاع، مجسداً تنوعاً زمنياً، من دون الإخلال بانسيابية السرد.

سيكولوجية الرجل والمرأة

شرّحت الكاتبة النفس الإنسانية، وأبرزت سيكولوجية رجل في الخمسين من عمره، وامرأة في العمر نفسه، من دون أن تشيطن أياً من شخوصها، أو تعرضها للإدانة المباشرة، وإن أبدت انحيازاً وتعاطفاً ضمنياً مع "أنّا"، المرأة التي انصرف عنها زوجها "توماس" وتورط في علاقة بفتاة أصغر سناً. وبدا عبر هذه العلاقة السرية؛ متمرداً على الملل، الذي وسم زواجه، وساعياً خلف البهجة والحياة. وهي عادة الدوافع النفسية ذاتها، التي تقف خلف كل مراهَقة ثانية، يعيشها الرجل، في أي مجتمع إنساني. وهي أيضاً أسباب الرجال، في كل علاقة يقيمونها خارج الزواج. لكن "توماس" على رغم هذا التمرد، استمر في الحفاظ على زواجه. ولم يحاول أن يضع علاقته الثانية، في غير سياق العلاقات العابرة... "يظن توماس أن رائحة الفتاة تتغير في فترة الإباضة، ولذلك يتوخى الحذر، وينصرف عنها في تلك الأيام من الشهر، بل وأحياناً لا يقابلها البتة" ص160.

أما المرأة "أنّا"، فبلَّغت الكاتبة شعورها بالوحدة، والألم، وفقدان الرغبة، والحب. وكذا صعودها وهبوطها وفق منحنيات الشك واليقين. وأبرزت كذلك حدسها الذي أنبأها بخيانة الزوج، على رغم غياب الأدلة. وكان الحدس؛ المدخل الذي أتاح للكاتبة استدعاء الفانتازيا، لتصبح جزءاً أصيلاً، من مكونات بناء شديد الواقعية. فجسدت فتاة "توماس" في هيئة شبح، يتسلل إلى منزل زوجته، عبر هاتفه المحمول. فيعبث ببيتها وحياتها معاً. وربما يشير تجهيل اسم الفتاة، وتجسيدها في بعض مواضع السرد، في صورة شبحية؛ إلى فلسفة الكاتبة، ورؤية مفادها؛ أن مؤسسة الزواج قد تتعرض للانهيار، نتيجة شعور زائف وشخوص غير حقيقية.

النوستالجيا والمقابلة

تخلل السرد في مواضع عدة؛ حال من النوستالجيا والحنين إلى الماضي. فكلا الزوجين يؤثر كلاسيكيات السينما والموسيقى. كذلك تعيش "أنّا" نوستالجيا أخرى، عبر حنينها إلى العلاقات القديمة، لدى جيل الآباء والأمهات. إذ كانت زيجاتهم تنعم بدفء يستمر حتى مع تقدم أعمارهم. بينما لم تحظ زيجتها بالدفء نفسه، وإنما تسرب مع تدفق الزمن ومرور الأيام. وحل الملل بديلاً عنه. وقد تجلت هذه النوستالجيا أحياناً، عبر تمرير إعجاب صريح بالماضي؛ "لا يزال يفضل تلك الأفلام القديمة لأن سحرها يكمن في بساطة الناس والحياة وتآلف السرد من دون حوار معقد، أو أحداث غامضة" ص143. وأحياناً أخرى، أبرزتها الكاتبة عبر ما ساقته من مقابلات ومقارنات، عقدتها "أنّا" بين تقارب كل من أبيها وأمها، وانفصالها هي عن زوجها، بينما يعيشان في المنزل ذاته "تعكس الصور ولاءنا للأحبة، وتجعلنا نألف وجوههم، ولهذا السبب تحاصر الأم نفسها بالصور من كل اتجاه، أما أنّا فقد أنزلت كل الصور من حوائط بيتها منذ فترة" ص115.

تقنيات سينمائية

 

عززت نتالر حالات الإيهام والتماهي، والحبكة الدرامية في سرديتها؛ باستخدام التقنيات السينمائية. إذ تجلت حركة الكاميرا في التقاط تفاصيل الصور، التي نقلتها الكاتبة عبر لغة بصرية. وعمدت في مواضع من نسيجها؛ إلى تقطيع المشاهد. واستخدمت السرد المتزامن، في نقل أحداث وقعت في فضاءين مكانيين مختلفين، في الوقت نفسه، مقسمة صورتها إلى مشهدين متوازيين، أحدهما ظهرت فيه الزوجة والآخر ظهر فيه "توماس" وفتاته. وقد زادت هذه التقنيات من جاذبية البناء وعززت متعة التلقي. "أما توماس والفتاة فقد اختبآ معاً تحت مظلة كبيرة في تلك المدينة الشرقية. نظرت أنّا إلى السيدة، وتلاقت العينان ولم تُبد الأخرى أي إيحاء لسابق معرفتهما. جلس توماس والفتاة معاً..." ص94.

لم تكن السينما الفن الوحيد، الذي استدعت الكاتبة بعض تقنياته، وأضافتها إلى السرد. وإنما كان الفن التشكيلي أيضاً، رافداً من روافد النص. إذ بدت السردية مثل لوحة فنية، جسدت الكاتبة في خلفيتها، صوراً أقل وضوحاً، عبر شذرات سردية، قد لا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأحداث، لكنها وردت في إطار من السيمولوجيا والرمزية، التي ترمي إلى تعزيز رؤى الكاتبة، والحال الشعورية للشخوص. فكثيراً ما انعطفت نتالر عبر صوت الراوي من سياق الأحداث، لتحكي عن الطحالب، التي انتشرت في الشوارع. وباتت كبقع سوداء على الطريق، لتعزز شعور بطلتها بالاستياء من تطفل الفتاة الصغيرة على حياتها، واستئثارها بزوجها. وحين كررت الكاتبة انعطافاتها السردية وجسدت صورة شاب الشارع الغاضب، الذي يصرخ ويضرب الأرض بساقيه، ويلكم عمود النور، أرادت أن تجسد الانهيار الداخلي للزوجة، وحال الغضب الصامت، والعاجز عن الانفجار، أمام الطبيعة العقلانية للشخصية، ومحاولاتها للتماسك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مرة أخرى أبرزت الكاتبة المشاهد ذاتها في الخلفية، في ما التقطته من صورة لطفل يصرخ إلى جانب أبيه، وجوارهما قطعة حلوى ملقاة على الأرض؛ لتعزز عبر هذه الصورة، افتقاد "أنّا" شعور الامتنان، تجاه ما يقوم به الزوج من دفع بعض نفقاتها، مقابل إهمالها وخيانتها. وعبر هذه المشاهد أبرزت الكاتبة حالة الصراع الداخلي الذي تعيشه "أنّا" بين الغضب والاستسلام، العجز والرغبة في التمرد، الرفض والقبول، النقمة على الزوج الخائن وجلد الذات والشعور بالمسؤولية عن تصدع الزواج. وأضاءت صراعاً آخر في العوالم الداخلية لشخصية الزوج بين رغبته في الفتاة الصغيرة ودعمه لها، وعدم الرغبة في الإنجاب منها، كدلالة على عدم جديته، ورغبته في تجنب انهيار زواجه. وإلى جانب الصراع الداخلي للشخوص، جسدت الكاتبة صراعاً آخر بين "أنّا"، وشبح الفتاة. وأكسبت هذا الصراع خصوصية فريدة، إذ منحته عبر هذه الفانتازيا؛ سمات وضعته في منطقة وسطى بين الصراع الداخلي والخارجي. فالشبح لا يعدو كونه أكثر من حيلة نفسية، أفرزتها الشخصية؛ للتمرد على استسلامها، أمام خيانة الزوج. وهي لا تصارع شخصية حقيقية، لكن الصراع في الوقت نفسه، يحدث خارج النفس وفي مرمى عين المتلقي.

يعكس النسيج الروائي حالاً من وحدة الخطايا، التي يتشاركها الإنسان في ثقافات مختلفة، فأعطاب النفس وهشاشتها وانكساراتها؛ لا تفرق بين مجتمع وآخر، ولا ثقافة وأخرى. والنساء في كل العالم يتحدثن لغة واحدة، هي لغة الألم، حين يتعرضن لخيانة الشريك. وربما ينبئهن حدسهن عن الخيانة، بالطريقة نفسها: "لم يدرك أن اهتمامه بغذائها إشارة كافية لخيانته" ص24. وعلى رغم أن أحداث الرواية وقعت في النمسا، فإنها طالما تكررت، من دون أن يستأثر بتكرارها شرق أو غرب، ففي كل بقعة من العالم هناك رجل يخون وأمراة قد تستسلم، وفتيات تدفعهن المصلحة لاختراق حجرة في قلوب الرجال، والتطفل على آلام زوجاتهم.

المزيد من ثقافة