Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"لا تنظر إلى الأعلى"... هذا العالم الكارثي الذي نعيش فيه

الفيلم الذي يحدث سجالاً عالمياً يطرح قضية الفساد السياسي وعدم احترام الحياة

ميريل ستريب في دور الرئيسة غير المبالية (الخدمة الإعلامية)

لكل مرحلة زمنية حكاياتها وقضاياها وانشغالاتها وظواهرها الاجتماعية وبالتالي أفلامها. هذه حقيقة يبدو أن المخرج الأميركي آدم ماكاي أدركها جيداً عندما قرر إنجاز فيلمه الأبوكاليبتي "لا تنظر إلى الأعلى" الذي بدأ عرضه على "نتفليكس" عشية عيد الميلاد. فالعمل ابن عصره، ولذلك ليس من المستغرب أن يولد كل هذا الجدل بين رواد وسائط التواصل الاجتماعي ويحدث كل هذا النقاش بين طرفين، أحدهما انتصر لهذه الكوميديا الساخرة والآخر عارضها، علماً بأن هناك أيضاً من وقف في منتصف الطريق بين الجهتين، في مسألة تحديد قيمته الفنية وبلاغة خطابه السياسي. الفيلم تربع على لائحة أكثر الأفلام مشاهدة في نحو مئة بلد حول العالم.

الحكاية تختصر ببضعة أسطر: باحثان في إحدى جامعات ميشيغان هما راندل مايندي (ليوناردو دي كابريو) وكايت ديبياسكي (جنيفر لورانس) يكتشفان وجود مذنب يتجه إلى الأرض ليضرب كل مظاهر حياة عليها في غضون ستة أشهر. همهما الوحيد منذ اكتشافهما الخطر الذي يهدد البشرية، هو جذب الانتباه إلى الكارثة المرتقبة وخلق وعي عند الناس إزاء ما سيحدث لهم. لكن في هذا الزمن الغارق في السطحية والتفاهة والإنكار والأخبار المزيفة والتدليس السياسي، أصبح من الصعب لفت الانتباه بالأخبار العلمية، في حين فضائح نجمات وسائل التواصل ومغامراتهن العاطفية تتصدر وسائل الإعلام. والنتيجة أن لا أحد يكترث بما سيحل بالأرض: السلطات تماطل، الإعلام يهزأ، الناس يشككون. والطامة الكبرى تتجسد في تصرف رئيسة أميركا (ميريل ستريب)، التي تنحاز إلى مصالح شركة تكنولوجية كبرى بدلاً من الانتصار لحق المواطنين في العيش. نحن هنا في عمق الثقافة المركانتيلية التي تتبع قوة واحدة: النفعية.

العالم يشاهد

قبل الخوض في تفاصيل العمل، من اللافت أن الجميع هنا اكتشف الفيلم في توقيت واحد؛ الأمر الذي ما كان ممكناً في الماضي القريب، عندما كانت الأفلام تعرض في المهرجانات ثم تشق طريقها إلى الصالات بعد فترة. وعندما نقول الجميع نشير إلى النقاد والجمهور، الجهتين المعنيتين بإبداء الرأي. مع تغير سبل المشاهدة، ودخول السينما كل بيت عبر المنصات الإلكترونية، باتت وسائط التواصل المكان الجديد للنقاش الشعبي حول الأفلام، بالتزامن مع رأي النقاد فيها. في المقابل، هذه المنابر تسمح لمن هب ودب أن يعبر عن رأيه في ما شاهده، وهذا يحيلنا على كلام شهير للكاتب الإيطالي أومبرتو إيكو الذي قال ذات مرة، قبل بضع سنوات من وفاته "منصات مثل تويتر وفيسبوك تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، من دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فوراً. أما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل. إنه غزو البلهاء". وفي حوار أجريته مع المخرج والسيناريست الكبير تشارلي كوفمان، قال لي عن المسألة نفسها "هناك هوس اليوم يجعلنا نتفحص في كل لحظة هاتفنا لنرى من الذي بعث لنا برسالة قصيرة أو لمعرفة ماذا يجري من حولنا. هذا يمنعنا من لذة الانقطاع عن العالم والتمعن بالوحدة. فجأة، تجد أنك تفتقر إلى هذه العزلة التي لطالما كانت مكوناً أساسياً في حياة البشر. في اعتقادي أن هذا كله يدمرنا".

لمَ هذه المقدمة في الحديث عن فيلم وما الفائدة من ذكر إيكو وكوفمان في هذا السياق تحديداً؟ الجواب الأقصر هو أن جزءاً أساسياً من الفكرة التي يقوم عليها "لا تنظر إلى الأعلى" هو عن انتشار هذه الآفة التي تسمى وسائط التواصل، التي هي مصدر لكثير من الشعبوية والأفكار المغلوطة والتمترس السياسي والانقسام الذي يحدث على المستوى الاجتماعي، لدرجة أن كل شيء بات له فريقان: فريق مؤيد وفريق معارض. حتى الفيلم كان له نصيب مما يدينه، وكأن الآراء التي قيلت فيه أكدت خطاب المخرج. ويبدو أن هذا الهوس الاجتماعي بالتفاهة التي يغرق فيها زمننا الحالي، ما كان ممكناً رصده بهذا الشكل الساخر لولا مرور دونالد ترمب في البيت الأبيض. فالفيلم يتغذى كثيراً من عهد الرئيس المشاكس، وهو لا شك أنه كان مصدر إلهامه الأول، في اعتباره ذروة مرحلة ما عادت تملك أي ضوابط أخلاقية وسلوكيات إنسانية، إذ إن كل شيء صار في خدمة السياسة والمصالح المالية.

مهاترات سياسية 

فكرة الفيلم مستوحاة من المهاترات حول الاحتباس الحراري الذي لم يعد من الأولويات، خصوصاً في زمن التصدي للجائحة. هي فكرة بسيطة في خطوطها العريضة ومتشعبة في عدد الأبواب التي تفتحها لإقحامنا في عيوب العالم الحالي وأزماته المتنقلة من قارة إلى قارة. أما الأحداث التي نتابعها فهي مقتبسة من "وقائع من المحتمل أن تحدث" كما يعلنها الملصق الترويجي للفيلم، موضحاً النبرة الكاريكاتورية التي تدنو في بعض الأحيان من الكوميديا السوداء. من مسألة الخصوصية وإعطاء الصلاحيات الكاملة لرئيس أوحد، إلى الذكاء الاصطناعي الذي بات يتحكم بكل تفاصيل حياتنا اليومية، مروراً بالسياسة التي لم تعد أكثر من استعراض، فالإعلام الذي يلهث خلف الرايتينغ، ثم الانقسامات التي تعكس حال الدنيا.… هذا كله يجتمع في عمل سينمائي لاذع، صدامي، لا يوفر شخصية أو ظاهرة، ضمن توليفة "بارودية" تقع في مكان ما بين "الدكتور ستراينغلاف" لستانلي كوبريك و"المريخ يهاجم" لتيم برتن. وطبعاً، كما عهدنا ماكاي في أفلامه السابقة، فالضحكة التي يضحكها من خلف الكاميرا… صفراء!

فهم ماكاي أن للهجاء السياسي سطوة كبيرة على وعي المشاهد. فيلمه يحمل سمات السينما النضالية التي تسعى إلى التغيير، ولكن من دون قبضات مرفوعة، لكون هذا النوع ما عاد يخاطب وجدان الإنسان الحالي في زمن الفضاء المفتوح. فالإنسان الحالي الجالس قبالة الشاشات ليلاً ونهاراً، ينبغي مخاطبته بالوسائل التي بات يألفها. وفي هذا المجال، يظهر مشروع ماكاي محدودية ما، لأنه يصبح في النهاية ما يدينه: عملاً شعبوياً ينظر إلى العالم بسطحية ومن زاوية ضيقة جداً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الهوس بنهاية العالم أو الخطر الذي يأتي من خارج كوكبنا من التيمات المتكررة في السينما الأميركية، خصوصاً في هوليوود التي طالما حولت هذا الهوس الأميركي المحض إلى سينما ترفيهية، بإمكانات ضخمة وخطاب أيديولوجي يؤكد حرص أميركا على حماية البشرية. لكنها في الواقع سينما تطمح إلى تسلية الجماهير وبيعهم الأوهام والفوشار. في "لا تنظر إلى الأعلى"، تأخذ المسألة هذه طابعاً توعوياً، فيدق من خلاله المخرج ناقوس الخطر. وما شخصية الباحثة ديبياسكي سوى نسخة عن الناشطة البيئية غريتا تونبرغ بسخطها وصراخها وجديتها المفرطة التي تمثل الوعي حسب الفهم الغربي الحديث له.

لكن بعيداً من فكرة الخطر الخارجي الذي يشهر سلاحه في وجه البشرية التي استهلكتها هوليوود منذ نشأتها، فهذا الفيلم يعتبر نقلة نوعية في قدرته على القول إن الإنسان هو الذي بات خطراً على نفسه أكثر من أي مخلوق فضائي، لأنه اختار الاستسلام وجلس في سجنه يراقب النهاية. وفي حين أن الفيلم يظهر الاصطفافات المضحكة التي باتت شيئاً متوقعاً في كل قضية رأي عام، لا بد أن نشعر بهذه المبالغة الأسطورية وقد فتكت بكلا الطرفين: الطرف الذي ينكر وجود كارثة تلوح في الأفق، والطرف الذي ينتظر نهاية العالم وهو يجلس إلى مائدة الطعام فيصلي صلاة أخيرة قبل الصعود إلى فوق.

المزيد من سينما