Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المواطن المصري يفتقد "حنان" الحكومة وينتظر "فطام" الدعم

بطاقة التموين وقوائم المستحقين وإعادة الهيكلة تجتاح أرجاء البلاد طولاً وعرضاً

رفع الدعم عن السلع الأساسية يلقي بالمسؤولية الكاملة على عاتق المواطن المصري  (أ ف ب)

ظل التودد إلى الفقراء وتطويع خط الفقر مرة إلى أعلى وأخرى إلى أسفل أدوات إدارة شؤون الحكم في مصر على مدى عقود طويلة، فهما ورقة رائجة طالما الفقر غالب والفقراء قاعدة شعبية عريضة. وحتى السنوات الأخيرة من حكم الرئيس الراحل محمد حسني مبارك كان كبار المسؤولين وصانعي القرارات لا يألون جهداً أو يرشدون وقتاً في إطلاق التصريحات وعقد الاجتماعات وشن الدراسات المتعلقة بالفقر والفقراء. عقود طويلة مرت، وتغيرات سياسية جرت، وتقلبات اقتصادية حدثت والمعضلة تفرض وجودها وتبسط هيمنتها وتقول "أنا ومن بعدي الطوفان".

طوفان الدعم

طوفان الدعم وإعادة هيكلته، وبطاقة التموين وتعديل مكوناتها، وقوائم المستحقين وجهود تنقيتها، ومنظومة المدعومين وكيفية حلحلتها تجتاح أرجاء مصر طولاً وعرضاً. فـ23 مليون بطاقة تموين تعني أن 23 مليون بيت مصري يعتمد بقدر ما في غذائه على سلع غذائية مدعمة. بمعنى آخر، نحو 64 مليون مصري ومصرية، أي ما يزيد على نصف المصريين البالغ عددهم حسب الساعة السكانية نحو 103 ملايين نسمة عيونهم مصوبة تجاه البطاقة التي أعيت، وفي أقوال أخرى سندت وساندت، حكام مصر منذ أوائل القرن الماضي. ويضاف إلى الـ64 مليون مصري المستفيدين من بطاقات التموين عشرة ملايين أخرى تحظى كذلك بدعم الخبز ليصل عدد المستفيدين من دعم الخبز إلى 74 مليون مصري ومصرية.

الرغيف وتناول اليد

التاريخ يقول إن جهود الإبقاء على سعر رغيف الخبز في متناول اليد تعود إلى العقد الأول من القرن العشرين، وتحديداً مع نهاية الحرب العالمية الأولى كانت الحكومة المصرية تستورد القمح من أستراليا وتبيعه في المحال الحكومية بأسعار أقل بكثير من سعره الحقيقي للإبقاء على سعر القمح منخفضاً. ومع الحرب العالمية الثانية، اضطرت الحكومة إلى اتباع سياسات الترشيد لمواجهة نقص المواد الغذائية. وتم دعم بعض المواد الغذائية بالإضافة إلى الوقود، لكنه كان غير دائم. ويمكن القول إن منظومة الدعم، تلك المنظومة التي تحولت عبر السنوات من إجراء طارئ ووسيلة مؤقتة لمساعدة الفقراء لحين تحسن أوضاعهم إلى تحصيل حاصل وحق من حقوق كل من يولد على أرض مصر، أصبحت سمة من سمات الحياة في ستينيات القرن الماضي. ويشير البعض إلى أن إرساء منظومة الدعم ظل على رأس قائمة "إنجازات" عبد الناصر وضمن أبرز أسباب شعبيته الجارفة.

لكن دعم القمح لم يكن مكلفاً لدرجة تجعل منه حملاً تنوء به ميزانية الدولة. لكن أتت السبعينيات بما لا يشتهي المستفيدون من الدعم. ورث الرئيس الراحل محمد أنور السادات منظومة الدعم، وعلى رأسها الخبز، لكن أسعار القمح كانت قد ارتفعت ارتفاعاً كبيراً في السوق العالمية. وبدأت منظومة دعم السلع الغذائية تستنزف جانباً معتبراً من ميزانية الدولة. وتظل قلاقل عام 1977 المعروفة بـ"تظاهرات الخبز" هي أول ما يقفز إلى الأذهان في كل مرة تفكر فيها حكومة مصرية في تقليص الدعم، لا سيما الخبز. وعلى الرغم من خطوات تقليص أو ترشيد الدعم على السلع في مصر طيلة عقدي الثمانينيات والتسعينيات، فإن الخبز ظل بمنأى عن أي تحركات اتقاء لشرور الغضب الشعبي.

عيش ثم حرية وعدالة اجتماعية

ويشار إلى أن الكلمة الأولى في الشعار الأبرز الذي انطلق في 25 يناير (كانون الأول) عام 2011 كان "عيش" ثم تبعته الحرية فالعدالة الاجتماعية.

لكن المخاوف من معاودة تفجر العيش والحرية والعدالة الاجتماعية في كفة، وفي الكفة الأخرى حمل ثقيل وصل إلى 115 مليار جنيه مصري (7.4 مليار دولار) في موازنة عام 2010-2011 وقت كان الدولار الأميركي الواحد بنحو ستة جنيهات مصرية. وقفزت كلفة الدعم في موازنة عام 2013-2014 إلى 204 مليارات جنيه مصري (15 مليار دولار)، ثم 233 مليار جنيه (13 مليار دولار) في موازنة العام التالي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن العام التالي وما بعده لم يكن ليحتمل المزيد من مقايضة الرضا الشعبي للقاعدة العريضة من الفقراء بمنظومة دعم تدلل الفقراء وتدعم ضخ المزيد من العيال حيث "العيل لا يأتي برزقه" فقط، بل يأتي كذلك بخانة إضافية في بطاقة التموين. ومع تواتر الإجراءات الصعبة، بدأ شبح تقليص الدعم يلوح في الأفق. وفي أقوال أخرى، بدأت الدولة تتخذ إجراءات الفطام الصعبة.

التعويم الصعب

تعويم الجنيه وتركه يخوض وحده تجربة العوم في محيط أسعار الصرف خلال نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2016 نجم عنه ارتطام الجنيه ليقفز سعر الدولار بين ليلة وضحاها من 8.88 جنيه مصري إلى 13.5 في اليوم التالي للقرار، ويواصل ارتفاعه ليصل 18.16 جنيه مصري قبل أن يهدأ قليلاً ويبدأ انخفاضاً هادئاً ليصل إلى 15.7 جنيه مصري هذه الأيام.

هذه الأيام لا تدق بطاقات التموين المنقحة وفواتير الكهرباء والمياه والغاز المحررة وأسعار الوقود المحلقة في سماء الأسعار العالمية على رؤوس القابعين عند منطقة خط الفقر، بل يلوح في الأفق شبح مستدير ساخن هو شاطر ومشطور من دون شرط وجود الطازج بينهما. إنه رغيف العيش، آخر معاقل منظومة الدعم، وأبرز ما تبقى من الحبل السري الرابط بين الحكومة والمواطن.

دقيق وماء وأمن قومي

رغيف الخبز هذا الكيان الذي يتصور البعض خطأ أنه دقيق وماء وخميرة ليس إلا المكون الرئيس لما يسد رمق ملايين. هذا المستدير الذي كان كبيراً ثم أضحى صغيراً هو أيضاً أحد عناصر أمن مصر القومي؛ تمسك بتلابيبه القاعدة الشعبية العريضة لأنه أمنها الغذائي، وتشاركهم في ذلك النخبة الحاكمة.

لذلك بدت إشارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أيام إلى مزيد من خفض الدعم وتقليص السند الغذائي وتضييق الخناق على ضخ المزيد من العيال أقرب ما تكون إلى المغامرة السياسية. فعلى الرغم من استحالة استمرار منظومة الدعم على حالها، حتى بعد تقلصها وإعادة هيكلتها مرات عدة على مدى الأعوام السبعة الماضية، فإن الاقتراب الذي يلوح في الأفق بالرغيف وما تبقى من بطاقة التموين يحمل مخاطرة سياسية معتبرة.

تطويق بطاقة التموين

اعتبر الرئيس المصري خلال افتتاح عدد من المشروعات في صعيد مصر قبل أيام قليلة أن بقاء حال بطاقات التموين ورغيف العيش على ما هي عليه من المحال. قال من دون مواربات سياسية أو محسنات نكهة اقتصادية إن "الدولة تعتزم التوقف عن إصدار المزيد من بطاقات التموين المدعوم، مع قصر عدد المستفيدين من البطاقات الحالية إلى فردين لكل بطاقة!".

حالة من الهرج والمرج سادت بين كثيرين من المستفيدين الحاليين من البطاقات وكذلك بين عاقدي العزم على الاستفادة منها عبر الزواج وتكوين أسرة وضخ المزيد من العيال، مع البقاء تحت أو على أو حول خط الفقر المؤهل للبطاقة والخبز المدعم.

المضحك والمبكي في آن، والمطمئن والمقلق أيضاً أن كثيرين يتمنون أن يكون حديث تقليص الدعم ووقف ضم المزيد إلى بطاقات التموين بالون اختبار معتاداً كالذي اعتادوه، أو تهديداً لفظياً وتخويفاً خفيفاً في محاولة للنجاح فيما فشلت فيه دعوات كبح جماح ضخ العيال.

حنان الحكومة

لكن حيث إن عملية الضخ تسير من دون هوادة، ولأن قيمة فاتورة الدعم في الموازنة الحالية تبلغ 87 مليار جنيه مصري (نحو 5.5 مليار دولار أميركي) 50 ملياراً منها لدعم الخبز و37 ملياراً لدعم السلع التموينية، وبما أن موازنة الدولة المصرية لم تعد تحتمل تصاعد هذا البند ليتواكب مع زيادة عدد السكان، لا سيما من مستحقي الدعم، فإن المؤشرات تقول إن 2022 هو عام المغامرة السياسية المتمثلة في حلحلة منظومة الدعم وفطام أكبر عدد ممكن من المصريين من "حنان" الحكومة.

حنان الحكومة حالياً قيد ما يدلي به وزير التموين والتجارة الداخلية علي المصيلحي بحرص شديد وكلمات مدروسة عن "أننا ندرس الرفع (الإلغاء أو التقليص) التدريجي لدعم الخبز مع تحديد الفئات الأكثر احتياجاً لتعويضها". وعلى الرغم من الكثير من شرح الرؤى الاقتصادية وسرد معلومات مهمة متخصصة في قواعد الإنفاق وأصول الموازنات والإسهاب في الحديث عن "كفاءة الدعم"، فإن "الكفاءة" الوحيدة التي تعني قاعدة عريضة من المستفيدين من منظومة الدعم المزمنة هي كفاءة الحكومة في إطعام الناس وتوفير سلعهم الغذائية، ويكفي أن الكفاءة القديمة وقت كان الرغيف بخمسة مليمات (القرش عشرة مليمات والجنيه مئة قرش) وبطاقة التموين عامرة بشاي وسكر وزيت وصابون بـ"رخص التراب" ولت وأدبرت.

منظومة رخص التراب

منظومة "رخص التراب" ومعها حبل الحكومة السري المربوط بالمواطنين مستحقي الدعم ستصبح قريباً بشكل أو بآخر صفحة مطوية من صفحات التاريخ. والمواطن الذي لا يعرف قيمة السلعة التي يحصل عليها من الدعم العيني سيعرفها شاء أو أبى، وزير التموين يحافظ على أجواء الإثارة. فـ"الحكومة لم تصل إلى قرار قاطع بعد في شأن رغيف الخبز المدعوم، لكن الدراسة موجودة". "الدراسة موجودة وربنا أيضاً موجود" هكذا علق فرد الأمن عماد مفتاح (42 سنة) صاحب العيال الخمسة الذي قال إنه اضطر إلى إخراج ثلاثة منهم من المدرسة ليساعدوه في توفير مصروفات الأسرة وربنا موجود إذا كانت الحكومة ترفض أن تطعمنا.

رفض أم عجز؟

"رفض" الحكومة إطعام القاعدة الشعبية من نسبة الـ29.7 في المئة من المصريين، وهي نسبة الفقر الرسمية في عام 2019-2020 التي تراجعت عن العام الماضي 2017-2018 حين بلغت نسبة الفقر 32.5 في المئة، في نظر البعض هو إصلاح اقتصادي تأخر كثيراً يعتمد على تعليم الفقير الصيد بدلاً من إعطائه سمكة يأكلها كل يوم ويخلد إلى النوم وهو يعلم أن سمكة جديدة ستأتيه في اليوم التالي.

هذه الرؤية تتفق ورؤية "البنك الدولي" الذي يشيد بمشروع تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي التي تم تدشينها في مصر منذ عام 2015 بقيمة 400 مليون دولار، ومعها تمويل إضافي بقيمة 500 مليون دولار لتصل إلى 3.4 مليون أسرة مصرية بواقع 12 مليون شخص. أبرز مكونات شبكة الحماية برنامج "تكافل وكرامة" للتحويلات النقدية المشروطة وغير المشروطة التي تهدف إلى تعزيز رأس المال البشري.

رأس المال البشري

لكن رأس المال البشري يعتبره آخرون يقفون على الضفة المقابلة أولوية تأتي قبل البنى التحتية وبناء الجسور والمدن الجديدة والمشروعات التنموية. وزير التموين الأسبق وأستاذ الاقتصاد جودة عبد الخالق اعتبر في تصريحات صحافية استمرار بطاقات التموين على حالها التزام حكومي لضمان العدالة الاجتماعية، إذ "إن ما يحصل عليه المواطن من خبز وسلع غذائية مدعمة تحافظ على التوازن الاجتماعي وتساعد في تحسين نوعية حياة الفئات الأكثر احتياجاً". وأضاف "تغيير هذه المنظومة يعني إحداث خلل اجتماعي كبير".

وإذا كان عبد الخالق يعبر عن مخاوف حدوث خلل اجتماعي من شأنه أن يعرض الأمن القومي والاستقرار الداخلي للخطر، فإن آخرين يتخذون من حديث تقليص الدعم وإشارات المساس برغيف العيش فرصة لإحياء القلاقل في مصر. قنوات إقليمية ومواقع إلكترونية وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي عاودت بعد فترة غياب الدق على أوتار الغضب الشعبي، ووصف إعادة هيكلة الدعم بأنها "إفقار للمصريين" والإجراءات المتوقعة بأنها "نذير انفجار شعبي قريب" ووضع قواعد جديدة لبطاقات التموين بأنه "مخطط لوقف تكاثر المصريين" وغيرها.

تسييس التموين

تسييس التموين والرقص على منظومة الدعم والدق على أوتار الفقر والفقراء ليست ظواهر جديدة. والاقتراب من منظومة الدعم المزمن والمساس برغيف العيش المقدس تعرض المقترب لأخطار جسيمة. في تلك الأثناء، تواصل الساعة السكانية الدق بلا هوادة، ويواصل مصريون إخراج الأبناء من المدرسة لمساعدة الأسرة كبيرة العدد على توفير الأكل والشرب مع إنجاب المزيد لتعويض "حنان" الحكومة المتلاشي وجهود الفطام القاسي.