الحرب السورية تفرض نفسها سينمائيا... "العين الذهبية" لمعاناة حلب

وثّقت إصابات المدنيين في أقسام الإسعاف وآخر لحظات الحياة وشوارع المدينة 

مشاهد من دمار مدينة حلب (اندبندنت عربية)

حصد فيلم "إلى سما" للمخرجة السورية وعد الخطيب، جائزة "العين الذهبية" لأفضل وثائقي عُرض في مهرجان "كان"، وذلك مناصفة مع فيلم "سلسلة الأحلام" للتشيلي باتريسيو غوسمان. فوز الفيلم في كبرى المهرجانات الدولية يوحي إلى أي حدٍ لا تزال القضية السورية، والحرب الدائرة تفرض نفسها سينمائياً.

رسائل إنسانية

ويحتفي السوريون المعارضون منهم للسلطة بنجاح الفيلم، لما يحاكي رسائل إنسانية، وفق ما يصفه نقاد، وتجسيده بالصوت والصورة لأكثر السنوات دموية في مدينة حلب قبل عام 2016، وسردها قصص المدنيين وتصوير معاناتهم من أتون الحرب المستعرة.

ولم تترك الصحافية وعد الخطيب، مدينة حلب خلال الحرب، وبقيت إلى جانب زوجها، الطبيب في أحد مستشفيات المدينة.

وثّقت خلال هذه السنوات بكاميرتها إصابات المدنيين في أقسام الإسعاف والعناية المشددة وشوارع المدينة، وتبرز في لقطاتها أصعب لحظات الحياة التي عاشها الناس في المدينة الثانية بعد العاصمة دمشق، من حيث عدد السكان، إذ يقطنها خمسة ملايين نسمة.

حكاية الفيلم

يحكي الفيلم السوري "إلى سما" قصص مدينة حلب في قسمها الشرقي، التي سيطرت عليها في حينها المعارضة، ودارت على محاورها معارك قاسية خلّفت وراءها دماراً واسعاً، وتبادل أطراف النزاع القصف لتتساقط القذائف على طرف ثالث محايد، المدنيين، الذين تحولوا لضحايا حرب.

من جانبها، أعلنت المخرجة السورية وعد الخطيب، صانعة الفيلم، أنه شاركها في الإخراج البريطاني المخرج إدوارد واتس، وأنها قدمت خلال الفيلم رسالة لابنتها "سما"، قصة بقائها هي ووالدها في حلب معرضين حياتها وحياتهما للخطر، في مدينة وُصفت قبل سنوات بـ "أكثر المدن خطورة في العالم".

وتروي المخرجة خطيب، خلال فيلمها، قصة لابنتها على شكل رسالة، قساوة ظروف الحياة، خصوصاً أن لديها طفلاً، مغامرة بحياتها لتوثيق المزيد من القصص الإنسانية.

وتمكنت وعد الخطيب، من توثيق أصعب لحظات الحروب، لتلتقط تفاصيل المستشفيات التي تستقبل المصابين وتظهر دموع الأطفال والدماء النازفة، ولحظات الموت، ساعدها وجود زوجها الطبيب "حمزة" في مستشفى إسعافي، مشجعاً إياها، ووقف إلى جانبها لإنتاج عملها هذا.

إنتاج وثائقي

في المقابل لم تجد المخرجة الخطيب، وهي في عقدها الثالث من العمر، إلا أن تضيء على مخزونات وكم من الصور الإيجابية، فكما وثّقت عدستها حكايا الموت وسقوط المدنيين على أعتاب الحرب، رصدت أيضاً إرادة الناس للحياة وحبهم لها، وكأنها، بعملها هذا، تشير إلى قدرة السوري على الحب والعطاء لأرضه.

من جهتهم، رأى مراقبون للعمل أنه على الرغم من الحالات الإنسانية التي تطرق إليها الفيلم بكل جرأة، واقتنص فيها الموقف الإنساني ليبرزه للمشاهد، إلا أنه يؤخذ عليه كونه وثّق حياة حلب المدينة من طرف واحد وعين واحدة، ومهما أظهر الفيلم الحالة الصعبة في القسم الشرقي لمدينة حلب، إلا أنه غيّب مأساة المدنيين في القسم الغربي من المدينة.

ويتساءل مراقبون "هل تقصّدت وعد أن تتناسى في المقابل وجود مدنيين في القسم الغربي كانوا يتعرضون للقصف بالقذائف من قبل المعارضة أو حتى التنظيمات الإسلامية التي دخلت القسم الشرقي وسيطرت على المدينة، في وقت كان الكثير من المدنيين أيضاً في هذا القسم من المدينة ضحايا الاشتباكات والقذائف.

حلب وجوائز بالجملة

شكلت حلب مادة ملهمة للكثير من صناع الأفلام الوثائقية، وفازت وعد الخطيب بجائزة "إيمي"، الدولية للأخبار لعام 2017، عن سلسلة التغطيات الإخبارية المصورة التي وثّقت الأحداث الدائرة في حلب. وعرضت أفلاماً وصوراً للدمار والقصف في المدينة وسط ظروف غاية في الصعوبة، انعدمت فيها مقومات الحياة الأساسية.

وفي بريطانيا حصدت الخطيب جائزة "روري بيك" السنوية، التي تمنح لأفضل المصورين والصحافيين المستقلين، وكانت الجائزة عن أفضل تقرير إخباري عنوانه "المستشفى الأخير"، رصدت فيه الصحافية وعد الخطيب جملة من الأحداث والمشاهد الإنسانية من داخل أحد مستشفيات مدينة حلب، قبل التهجير في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2016.

وألهمت مشاهد الدمار والحرب في حلب، بوصفها عاصمة الشمال السوري، لتنتج مزيداً من الأفلام وتحصد معها نجاحات مع التكريم الدولي، إذ نالت جائزتين في فرنسا وللمرة الثانية عن أفضل تقرير إخباري لعام 2017 بعنوان "آخر مستشفى في حلب"، أما الجائزة الثانية فكانت نتيجة تصويت طلاب الإعلام في مدينة بايو، بمنطقة نورماندي.

وعد الخفية

أخفت وعد الخطيب وجهها وصورتها أثناء تغطياتها الميدانية في القسم الشرقي من المدينة، وبقيت هذه الصحافية ومنتجة الأفلام الوثائقية خفيّة من دون ظهور على الشاشة، لكن بقي صوتها خلال تعليقها على ما تنتجه من وثائقيات.

ومع ازدياد إنتاجها لقصص إنسانية تحوي في مضمونها مشاهد ألم المدنيين ودمائهم، ظلت وعد تخفي وجهها ولا تظهر في اللقاءات التلفزيونية لتبث أفلامها، إلى أن كُرّمت بشكل واسع النطاق في أضواء مهرجان "كان" السينمائي.

المزيد من سينما