Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ريتشارد رايت... الروائي الذي لم تفسد السياسة مواهبه الأدبية

من "ابن البلد" إلى "القوة السوداء" والتأمل الموضوعي في معجزة باندونغ

ريتشارد رايت (غيتي)

رحل ريتشارد رايت، الكاتب الأميركي من أصول أفريقية عن عالمنا في عام 1961 فرنسياً غاضباً على بلاده الأميركية مغضوباً عليه منها وحتى من نخبتها التي كان من المفترض بها أن تكون حليفته. رحل وكانت توني موريسّون، صاحبة روايات رائعة مثل "محبوبة" و"سولا" و"أكثر العيون زرقة" لا تزال في سن المراهقة لم تفكر حتى بأن تصبح كاتبة وتكون أول امرأة سوداء تفوز بجائزة نوبل الأدبية. في سن مؤكد أنها لم تكن لتتيح لها حتى أن تسمع باسمه أو بطبيعة اختياراته الفكرية التي جعلته، حين انتقل إلى باريس، يبدّي الجناح اليساري في وجودية سارتر على هواه الشيوعي الأميركي القديم.

شبح من أزمنة قديمة

ولكن في الكتاب الأخير، الذي صدر لتوني موريسّون بعد فترة من رحيلها وفيه جُمعت مقالات ودراسات لها حول أدبها وأفكارها وعنوانه "ينبوع الكبرياء"، يبدو ريتشارد رايت شبحاً يحوم حول عدد كبير من صفحات الكتاب. بل يبدو كواحد من قلة من كتّاب رجال تبدو موريسّون راضية عنهم، وهي التي كثيراً ما نددت في كتاباتها ومحاضراتها حتى بأكثر الكتّاب تقدمية سواء كانوا سوداً أو بيضاً، إذ عجزت عن أن تجد في كتاباتهم ما يشفي غليلها في المعارك التي خاضتها طوال العقود الأخيرة وبخاصة في أدبها الرائع، من أجل الإنسان الأميركي - الأفريقي كما من أجل المرأة، وبشكل مزدوج حين تكون المرأة نفسها من أصول أفريقية فيكون اضطهادها واضطهاد تاريخها مزدوجاً بل مثلثاً وأكثر. ريتشارد رايت، الشبح الذي لم تقابله توني موريسّون أبداً يبدو من ناحيته شريكاً لها في نضالاتها كافة، حتى وإن كان من الصعب القول إن قضية المرأة كانت رائجة في زمنه. كانت نضالات رايت، وتحديداً كما تراها توني موريسّون وربما أيضاً كما لن يفوت باراك أوباما أن يراها ويمجدها لاحقاً، وهو الذي كان مراهقاً بدوره يوم رحل صاحب "ابن البلد"، نضالات حقيقية وباهظة الكلفة.

المعركة واحدة

فالحال أن معركة توني موريسّون التي قربتها كثيراً من أوباما وحرضتها على خوض معركته الانتخابية في دورتي رئاسته، كانت معركة رايت نفسها، في جوهرها في الأقل. وانطلاقاً من الغضب نفسه، الغضب الذي جعل رايت ثائراً على طريقة بالغة الخصوصية، ودفعه لخوض تلك النضالات الوطنية التحررية التي نعرف أنها أعطت العالم آمالاً كبيرة في سنوات الخمسينيات والستينيات مرتبطة بأسماء قادة كبار ارتبط ريتشارد رايت بواحد منهم في الأقل، وكان من "حظه" أن رحل عن عالمنا قبل أن تتحول الآمال التي بثوها إلى خيبات بل كوارث ما زال العالم يعانيها حتى اليوم، ولو مع قدر مدهش من الحنين إليها وإليهم. ونعرف أن الزعيم الذي ارتبط به رايت كان كوامي نيكروما صديق وحليف اليوغوسلافي تيتو والمصري عبد الناصر والهندي جواهر لال نهرو. ونعرف أيضاً أن رايت قرَن القول بالفعل فوضع عن نكروما وعن بلد نكروما، الذي كان يسمى ساحل الذهب قبل أن يصبح غانا، ولكن كذلك عن مؤتمر باندونغ الذي أوصل آمال شعوب العالم إلى ذروتها، كتابات عديدة، أبرزها وأبقاها كتاب "القوة السوداء" وكتاب "باندونغ" اللذان لا تخفي توني موريسّون أنها قرأتهما جيداً، كما لا يخفي أوباما أنهما كانا من أكثر الكتب الأدبية/ السياسية تأثيراً في شبابه وتكوينه الفكري.

توقعات للزمن المقبل

في كتاب "القوة السوداء" يجري الحديث في اتجاه الأمل وتوقعات الغد المشرق، إنما من دون أن تغرب عن بال الكاتب، ضرورة التنبه والتفحص العقلاني قبل الإقدام على أية خطوة من الخطوات. في هذا الإطار، يمكننا أن نضع ريتشارد رايت في صف واحد مع فرانز فانون، ذي الأصل الأفريقي بدوره. فهما معاً كانا من الذين يرون باكراً ما لا يراه الآخرون، إلا متأخرين، وينبهون قبل أن يصبح الندم سيد الموقف. ونحن بهذا الكلام كأننا نختصر كتاب "القوة السوداء". ولكن قبل أي شيء آخر، يمكن القول عن كتاب "القوة السوداء" إنه كتاب في أدب الرحلات، لأنه، في الأصل، تقرير مطول عن زيارة قام بها الكاتب إلى ذلك البلد الأفريقي عام 1953، ونشر الكتاب للمرة الأولى في الولايات المتحدة عام 1954. وكانت تلك الحقبة هي تحديداً، الحقبة التي حصل فيها ذلك البلد على استقلاله الذاتي بعدما كانت بريطانيا تحكمه منذ عام 1844. وشهد ريتشارد رايت بأم عينه وكضيف مكرّم كما يروي، رئيس حكومة ساحل الذهب، نكروما، يقدم إلى المجلس التشريعي قانوناً يطالب بالتحول من الاستقلال الذاتي إلى الاستقلال التام وهو ما لن يحصل عليه نكروما إلا في عام 1957. لقد كانت تلك الزيارة أول احتكاك لريتشارد رايت بأفريقيا. غير أنه سيقول لنا ما لم نكن ربما في حاجة إلى أن يقوله، أي أن اهتمامه بأفريقيا وبالجذور الأفريقية للسود الأميركيين، يعود إلى زمن أبعد كثيراً. فهو منذ بدء ممارسته الكتابة والنضال في وقت واحد، وفي كل كتبه سواء كانت روائية أو سياسية أو ما شابه ذلك، كان يركز على ذلك الجذر الأفريقي معبّراً عن ضرورة الاتصال به. ومن هنا كان ذلك الاحتكاك له بساحل الذهب، وبكوامي نكروما، عام 1953، أشبه بتحصيل حاصل، غير أن الزيارة لم تدم سوى أسابيع قليلة، ومع ذلك تمكن رايت من أن يضفي على مشاهداته، التي دونها في فصول الكتاب، نكهة سياسية نظرية مؤكدة. ولعل أبرز ما قاله رايت في هذا السياق، هو استحالة أن يتمكن المثقفون المعارضون، من إزاحة نكروما للحلول محله في السلطة، على الرغم من قيمتهم الفكرية والجامعية وشعبيتهم في أوساط النخبة. ولعل الفصل الذي يحكي فيه رايت عن هذه المسألة، هو واحد من أهم فصول الكتاب. بل لربما يكون من أفضل ما كُتب حول مسألة الزعامة في العالم الثالث. ذلك أن ريتشارد رايت يفسر لنا هنا كيف أن نكروما، كان الزعيم الوحيد الذي تمكّن من أن يحيط الانقسامات القبلية بغلاف سياسي منظم. وهو الذي لم يستغل القبائل ويحرضها على بعضها بعضاً، بل اكتفى بأن يغلف حياتها بالحد الأدنى من التنظيم السياسي، ما جعل حركته، التي لم ترجح قبيلة على الأخرى، قادرة على أن تقدم نفسها ممثلة لكل القبائل. وجعل أي حديث عن غلبة لفريق سياسي آخر، ومهما كانت نياته طيبة، هو أشبه بالحديث عن صراع بين قبيلة وكل القبائل الأخرى.

المستقبل أولاً

لكن هذا لم يكن كل ما يهم رايت من نظرته. فهو بالتدريج راح يقلّص من حديثه عن الماضي والحاضر، ليبدو أكثر وأكثر اهتماماً بالمستقبل، بحيث بدا في نهاية الأمر أن هذا المستقبل هو الهم الرئيس للكتاب، وضمن هذا الإطار بات واضحاً أيضاً أن واحداً من هموم رايت الرئيسة هنا، العثور على حلول تخلّص هذه المناطق، مستقبلاً، من الوقوع في فخ ازدواجية الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية، وبالتالي بين الشرق والغرب. وهذا الهم هو الذي جعل الكاتب قادراً في نهاية تحليله على أن يقدم صورة نموذجية، تبدو مستقاة من أفلاطون والفارابي في آن معاً، للحاكم الذي يمكن أن يكون ديكتاتوراً تقدمياً أو مستبداً عادلاً يكون من أولى مهامه أن يخرج بلده من البؤس، بعيداً من التطاحن السياسي، وأن يقوده إلى درب المستقبل ودخول زمن العالم. ولعل في إمكاننا أن نجد هذا الهم نفسه يشغل بال ريتشارد رايت في ذلك الكتاب الآخر، الذي يحوي الأفكار نفسها ولكن موسعة لتشمل البلدان التي كان زعماؤها اجتمعوا في باندونغ. وهذا الكتاب الذي صدر عام 1955، كان يحمل بالتحديد عنوان "باندونغ".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تحت ضغط الماكارثية

إلى سنوات قليلة إذاً، كان ريتشارد رايت منسياً تماماً، حتى وإن كانت كتبه الرئيسة ظلت في البال، وفي مقدمها "ابن البلد" و"بو اللا منتمي". فالحال أن أموراً كثيرة كانت تبدلت منذ بداية عقد الستينيات حين رحل هذا الكاتب الأميركي - الأفريقي، وهو بعد في الثانية والخمسين من عمره. كما أن مبارحته الولايات المتحدة باكراً، تحت ضغط الماكارثية إلى فرنسا، التي منذ أقام فيها ونال جنسيتها، راح ينشط في اتجاهات عدة: بدءاً من رفد الأدب الوجودي بمناخ نضالي كتابي حقيقي، وصولاً إلى مساندته حركات التحرر الوطني، التي أدت إلى استقلال بلدان عدة في آسيا وأفريقيا، مروراً بالانجذاب إلى حيز الحياد الإيجابي كما يروي لنا في الكتابين اللذين نتحدث عنهما.

كاتب كبير أولاً

والحال أنه إذا كان هذان الكتابان فاجآ كثراً من قراء ريتشارد رايت الذي كانت شهرته الأساس قائمة على رواياته الكبرى، فإن الذين اطلعوا على سيرته، كانوا يعرفون أن رايت المولود عام 1908 ليرحل عام 1960 في فرنسا، بدأ حياته مناضلاً سياسياً، في سبيل قضية الطبقة العاملة أولاً، ثم في سبيل قضية السود الأميركيين، فالشعوب النامية. وإنه ما بدأ يكتب الروايات والقصص، إلا خدمة لأفكاره السياسية، حتى وإن كان سيقال لاحقاً إن كل تلك الأفكار لم تتمكن من أن تفسد موهبته الأدبية التي تجلت في أعمال لا تزال تُقرأ على نطاق واسع حتى الآن، ومنها، إلى ما ذكرنا "أبناء العم توم" وبـ"إجازة ضارية" وبـ"الحلم الطويل" وبـ"قانون أب" وبـ"8 رجال"... إلخ.

المزيد من ثقافة