Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ضغوط التضخم ترمي بثقلها على ممارسات الاقتصاد العالمي

مؤشرات ارتفاع الأسعار تحقق أرقاماً تاريخية لم تحدث منذ عقود

سيظل التضخم أبرز التحديات التي ستواجه صُناع السياسات الاقتصادية والنقدية على مستوى العالم في عام 2022 ( رويترز)

بينما سيظل التضخم أكبر المخاطر التي تستدعي المراقبة من صُناع السياسات الاقتصادية والنقدية على مستوى العالم في عام 2022، يظل السؤال الذي يطرح نفسه وبكل إلحاح ما إذا كان سيسهم ذلك في تغيير ممارسات الرأسمالية في الاقتصاد العالمي لتصبح أكثر توازناً بعد تداعيات جائحة كورونا السلبية. وفي هذا الصدد، قال متخصصون لـ "اندبندنت عربية"، إن قضية التضخم وارتفاع مستويات الأسعار ستظل من أبرز تحديات العالم في العام الحالي، مشيرين إلى أن استمرار توقعات التضخم المرتفع يضع حياة الأفراد اليومية والشركات محل ضغوط مستمرة. وأوضحوا أن الرأسمالية العالمية تطورت منذ ثمانينيات القرن الماضي لإبقاء معدلات التضخم تحت السيطرة، إلا أن الخطر الآن يتمثل في أن الرأسمالية بدأت في تغيير نظامها الاقتصادي العالمي. والتضخم هو معدل الزيادة في الأسعار خلال فترة زمنية معينة، عادة ما يكون التضخم مقياساً واسعاً، مثل الزيادة الإجمالية في الأسعار أو الزيادة في تكلفة المعيشة في بلد ما. ولكن يمكن أيضاً حسابها بشكل أضيق، بالنسبة لسلع معينة، مثل الطعام، أو الخدمات، على سبيل المثال. أياً كان السياق، يمثل التضخم مدى ارتفاع تكلفة مجموعة السلع أو الخدمات ذات الصلة خلال فترة معينة. وللتأكيد أن التضخم يمثل أكبر تحد في المستقبل القريب، هو ما كشف نيكولاي تانجين رئيس أكبر صندوق سيادي في العالم الصندوق السيادي النرويجي عن أكثر ما يعانيه الاقتصاد العالمي في 2022 بعد اقرار جيروم باول رئيس الفيدرالي الأميركي الذي قال: إن التضخم ليس مؤقتاً "كما كان يرى"، بل ويجب التعايش معه قبل علاجه تدريجاً. 

التضخم المستمر 

وزاد معدل التضخم بشكل كبير هذا العام بسبب نقص السلع الأولية والسلع الجاهزة ومساحات الشحن والوقود الأحفوري، ما أدى إلى ما يسميه المحللون الآن "التضخم المستمر"، كما أسهم تضخم الأجور كذلك في الأزمة، وسط ما يسمى بـ "موجة الاستقالات الكبرى" التي حدثت بالتزامن مع نقص العمالة. وستحتاج البنوك المركزية إلى تقليل التوسع النقدي ورفع أسعار الفائدة، إلى جوار بعض الإجراءات النقدية الأخرى التي تستهدف التضخم خلال الفترة المقبلة. وتقود الولايات المتحدة هذا الاتجاه، مع إعلان الاحتياطي الفيدرالي اعتزامه إجراء ثلاث زيادات في أسعار الفائدة خلال 2022، ومن المتوقع أن تتبعها الصين قريباً، كما ألمح البنك المركزي الأوروبي أنه قد يحذو حذوها في عام 2023.  

تهديد اقتصادي  

ومن جانبه، قال عضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد "تشارترد للأوراق المالية والاستثمار" وضاح الطه، إن التضخم أصبح يشكل تهديداً للاقتصاديات المتقدمة وخصوصاً الاقتصاد الأميركي، حيث إن مشكلة التضخم الأساسية هي إضعاف القدرة الاستهلاكية، بالتالي عدم قدرة أصحاب الدخل المحدود على شراء السلع والخدمات. وأضاف أن ميزان الرأسمالية مال بشدة لصالح رأس المال خلال العقود القليلة الماضية، وكان من تبعات ذلك إبقاء التضخم تحت السيطرة، والآن، بعد أن تسببت الجائحة في اضطراب أسواق العمل، يبدو أن العمال، خصوصاً أصحاب الأجور الأقل، يستعيدون قوتهم. وأشار إلى أن مشكلة التضخم في الولايات المتحدة هي متسارعه حيث كان المستهدف وصوله 2 في المئة، ولكنه وصل إلى 6.8 في المئة، والمعتقد لدى الفيدرالي أن ذلك "مؤقت" ولكنه أيضاً أصبح غير ذلك، موضحاً أن ما يقال إن الارتفاع التضخمي سببه ارتفاع أسعار النفط "غير مقنع" وهذا سببه أن ارتفاع أسعار السلع الغذائية شارك بنسبة كبيرة في هذا الارتفاع القياسي للتضخم. وأكد أنه لذلك يجب أن يقلل الفيدرالي ضخ السيولة الرخيصة، بالتالي الاتجاه إلى رفع الفائدة أكثر من 3 مرات، مشيراً إلى أن الفيدرالي لا يريد إحداث صدمة في الأسواق المالية التي وصلت لمستويات قياسية في عام 2021. ولفت عضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد "تشارترد للأوراق المالية والاستثمار"، إلى أن تخفيف حزم التحفيز المالي تدريجاً خلال العام الجديد سيؤدي إلى ارتفاع قيمة الدولار، بالتالي الحد من التضخم، مشيراً إلى أنه مع رفع الفوائد ستضطر بعض الدول العربية كالسعودية والإمارات وباقي دول المنطقة لرفع الفائدة أكثر من مرة على الرغم من أن التضخم في تلك الدول نسبته معقوله وخصوصاً في الإمارات. 

جرعة زائدة 

وبدوره، قال المحلل الاقتصادي الدكتور محمد راشد، إن الإفراط في سياسة التيسير النقدي منذ بدء أزمة كورونا هو ما انعكس على زيادة حجم المعروض النقدي بشكل كبير غير متناسب مع الزيادة في الإنتاج. موضحاً أن الوباء أثر بشكل سلبي على الجهاز الإنتاجي جراء الإغلاقات التي تمت كجزء من الإجراءات الاحترازية التي تم اتخاذها لمواجهة فيروس كورونا علاوة على التغيرات المناخية من جفاف في أميركا اللاتينية وروسيا علاوة علي فيضانات في أماكن أخرى ما أثر سلباً على إنتاجية المحاصيل الزراعية والمواد الغذائية. وأشار إلى أن ذلك انعكس على ارتفاع تلك السلع الأساسية بشكل ملحوظ بجانب الارتفاع الذي حدث في أسعار الطاقة سواء البترول أو الغاز الطبيعي، الذي ارتفعت أسعاره في أوروبا بنحو 300 في المئة، كما عزز من معدلات التضخم والضعف الذي أصاب سلاسل الإمداد والتموين وتراجع كفاءتها بسبب الوباء. ولفت إلى أنه يمكن تلخيص وضع الاقتصاد العالمي بأنه أشبه بحالة لمريض حصل على جرعة كبيرة من السيولة الزائدة دون زيادة إنتاج،  بالتالي يتعين سحب الجرعة تدريجاً ودعمه ببعض السياسات المحفزة للإنتاج ليعود بالتالي توازنه من جديد، فالمراقب جيداً للموقف سيصل إلى نتيجة مؤداها أننا أمام خلل حقيقي بين سوق النقد وأسواق السلع أو ما نطلق عليه السوق الحقيقيةوأكد راشد على أن الرأسمالية العالمية لا يهمها إلا مصالحها الخاصة وارتفاع التضخم سيجعلها أكثر توحشاً للحفاظ على ثرواتها ومكتسباتها وحمايتها من تراجع قيمتها الحقيقية، بالتالي سينعكس ذلك على انسحاب جزء من الاستثمارات من المجالات الإنتاجية إلى أخرى مضاربية كالمضاربة على أسعار السلع الغذائية والعملات المختلفة، لا سيما العملات المشفرة التي تحقق قفزات قياسية لهذا السبب وكذلك المعادن. 

 

وفي هذا الصدد، قال محمد مهدي، مستشار أسواق الأسهم العالمية، إن الاقتصاد العالمي أمام مشكلة حقيقية معلنة من قمة الهرم في أكبر صندوق سيادي عالمياً وأقوى البنوك المركزية لتشكل رؤيتهما معاً للأمر ناقوس خطر رسمي قد تهتز على وقعه أسواق المال بعصبية واسعة في الربع الأول من 2022، وذلك إذا ما استفحلت بيانات التضخم أكثر سوءاً سوف يتطلب ذلك تحولات في نماذج السياسات إذا ما أريد لها أن تحل. في جميع الاحتمالات .وأكد أن التضخم الراهن ارتدى عباءته الداكنة مبكراً منذ الأزمة المالية العالمية مروراً بتقلبات أسعار النفط والحرب التجارية وصولاً لتداعيات الوباء المستشري في مفاصل الاقتصاد العالمي ليشير أننا أمام لحظة محاسبة للنظام الرأسمالي برمته من خلال مواجهة معدلات التضخم المتراكمة على جدار أحداث السنوات الماضية. وأشار إلى أنه بناءً على ما يعيشه العالم حالياً فإن الاقتصاد أمام خيارات عدة متشائمة، أقلها أن يتعافى اقتصاد المعمورة ظاهرياً و إعلامياً بتجاهل الوباء، وبضخ مزيد من السيولة المطبوعة، بالتالي الدخول في فقاعة تضخم مزمن يؤدي إلى انهيار محتوم في النهاية. وأوضح أن من تلك الخيارات أن يستمر الوباء لسنوات لحين إحكام السيطرة على الموجة التضخمية في دول العالم المتقدم وتصدير آثارها السلبية للدول النامية، وهو ما يعد تأجيلاً مصطنعاً لأزمة تفرض وتؤكد نفسها مع الوقت وعلى الجميع. وبين أن الخيار الأخير لتلك الأزمة أن تصحح الرأسمالية من ممارساتها الخاطئة ذاتياً، عبر كبح جماح توحشها في تعظيم الأرباح لأقليتها الحاكمة فقط، وهذا مستبعد لتنافيه مع بنية النظام نفسه وتوجهات النخبة الآمرة فيه. 

مخاطر عديدة 

ومن جانبه، يقول المحلل المالي محمود عطا، إن الاقتصاد العالمي على مشارف مخاطرعدة قد تواجهه، وأهمها زيادة أسعار الفائدة الأميركية هذا بجانب أزمة القطاع العقاري الصيني وارتفاع معدلات التضخم عالمياً، بخاصة ارتفاع أسعار الغذاء، هذا بخلاف أزمة المتحور الجديد لفيروس كورونا "أوميكرون" كل هذه العوامل قد تتسبب في تغير ممارسات الرأسمالية بالنسبة للاقتصاد العالمي لتصبح أكثر توازناً.  ويرى عطا أن من السابق لأوانه إصدار أي توقعات خاصة بحركة الرأسمالية وخصوصاً أنها لم تتحدد حتى الآن المخاطر المتعلقة بالمتحور الجديد، لافتاً إلى أن النقطة المضيئة في حالة عدم الإغلاقات هي عودة الأنشطة الاقتصادية لطبيعتها، ولا سيما عودة التوازن إلى الإنفاق الاستهلاكي مرة أخرى خلال عام 2022. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول المحلل المالي طاهر مرسي، إن تداعيات وارتدادات الأزمة الحالية امتدت لتطول معظم دول العالم التي خلقت تغيرات أساسية بالأوضاع الدولية والعلاقات المالية والتجارية بين مختلف التكتلات العالمية ربما تؤدي لزعزعة النظام الاقتصادي العالمي والممارسات الرأسمالية، بما تتضمنه من قرارات وإجراءات تعمل على تقويض دور المؤسسات الدولية في إدارة الاقتصاد العالمي، وربما تؤدي لخلل في موازين القوى الاقتصادية والسياسية الدولية. وأوضح أن الأزمة تبدأ من الممارسات الاقتصادية الخاطئة التي تعتمد على حلول نابعة من اجتهادات فردية من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، التي ركزت على تقديم حلول آنية للأزمة، متجاهلة المشكلات البنيوية في النظام ذاته. وأشار إلى أن النظام الاقتصادي الرأسمالي يعاني بشكل أساسي من مشكلات هيكلية في تكوينه الأيديولوجي، أدت لتراجع معدلات النمو الاقتصادي العالمي، وذلك بسبب ارتفاع معدلات التضخم والمديونية العامة، إضافة إلى البطالة والفقر، يضاف لذلك تحجيم الرقابة في النشاط المالي. ولفت إلى أنه أنتج عن ذلك فجوة كبرى في الدخل والثروة التي تحققت نتيجة الممارسات الرأسمالية الخاطئة على مدى عقود وخلق طبقة واسعة من الفقراء تتحمل تكاليف الممارسات الخاطئة، متمثلة في التضخم والارتفاع الجنوني في الأسعار، مقابل طبقة من الأثرياء ازدهرت وتكدست ثرواتها على حساب العمال، عن طريق تعظيم رأس المال من خلال الاقتصاد المالي، على حساب الصناعة والإنتاج.  وأكد أن معدلات التضخم المرتفعة أدت إلى ضغط متزايد على العائلات الكبيرة التي تنتمي إلى الشرائح الفقيرة في المجتمع. ووفقاً لمكتب الإحصاء الأميركي، فإن بعض المجموعات الأميركية تعاني مستويات جوع عالية بشكل كبير. وأضاف مرسي أنه في النهاية وفي ظل الصراع الاقتصادي الحالي، لا تلوح في الأفق نهاية للممارسات الخاطئة، التي تتعمد الإضرار بالمنافسين، وغيرهم، ومن بينها تصاعد وتيرة الإجراءات الحمائية، وإذكاء البيئة التضخمية لتعجيز الأطراف المنافسة، مشيراً إلى أن الأزمة انتقلت من أزمة اقتصادية إلى حرب ضروس بحاجة إما لاتفاق الأطراف المتنازعة، أو إنهائها بالقوة.