Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"بحث في الهارموني" لرامو: نسف مبكر للحدود بين الفن والعلم

سيد الأوبرا الفرنسية يسخر من جهل روسو ويلحن نصوص فولتير

مشهد من عرض معاصر لأوبرا "الهند المضيافة" (موقع المسرحية)

قبل فترة نشرنا في هذه الزواية بعض التفاصيل المتعلقة بالسجالات الفنية الموسيقية التي دارت خلال النصف الأول من القرن السابع عشر بين المفكر والموسوعي الفرنسي جان جاك روسو ومواطنه الموسيقي جان فيليب رامو الذي إذا كان اشتهر بكونه المبدع الذي أمن للأوبرا الفرنسية حضوراً كبيراً في العالم وسط مناخ أوروبي تحتل الساحة الأوبرالية فيه أعمال ألمانية ضخمة تخوض منافسة قوية مع أوبرات إيطالية بحيث كاد يخيّل للناس أن فن الأوبرا فن ألماني - إيطالي لا غير، فإنه اشتهر أيضاً بكون تنظيراته في مجال الفن الموسيقي بدت فريدة في ذلك الزمن. والحال أنه هو نفسه كان يعتد بفرادته الفرنسية معتبراً الكتابة النظرية في المجال الموسيقي حكراً له لا يجوز لفرنسي آخر الدنو منها. ومن هنا، وكما ذكرنا يومها في هذه الزاوية كان غضبه كبيراً حين وجد روسو يتنطح لكتابة المقالات الموسيقية لموسوعة ديدرو – دالمبير. كما كانت سخريته أكبر حين قرأ تلك المقالات فوجدها عن حق عامرة بالأخطاء التي وصلت أحياناً إلى حدّ الترهات.

روسو يعتذر ورامو يؤنب

وهكذا، كما يمكننا أن نستنتج، وفر له روسو مادة غنية تمكنه من نسف "تطفل" صاحب "الاعترافات" و"إميل أو التربية" وكأنه يقول له مؤنباً: ماذا لو تبقى في حدود إمكاناتك الفكرية وتترك الموسيقى لأربابها؟ والحقيقة أن روسو سرعان ما أقر بهزيمته في تلك المعركة، ولو متأخراً بعدما طوّر نفسه في مجال المعرفة الموسيقية طوال ما يقرب من عقدين تاليين، وندم، من دون أن يعلن ذلك بالطبع على الاستفزاز الذي كان من الواضح أنه يوجهه إلى رامو حين كتب بنوع من طفولية واثقة من نفسها أن "ليس ثمة من ميلودي في الموسيقى الفرنسية، لأن اللغة الفرنسية نفسها غير ذات قابلية لذلك، ومن هنا يبدو الغناء الفرنسي أشبه بنباح متواصل لا تطيقه أية أذن غير نبيهة، ولأن الهارموني فيها فظة خالية من التعبير تفوح منها فقط رائحة حشو متأت من تلميذ مبتدئ، ولأن التغريدات الفرنسية ليست تغريدات، والإلقاءات المنغمة ليست إلقاءات منغمة".

كان من الواضح إذاً، أن هذا الكلام موجه إلى رامو الذي كان في ذلك الحين، الفرنسي الوحيد الذي يعمل في التأليف الموسيقي الفرنسي ويدافع عنه، ومن هنا كانت المعركة شرسة وعنيفة.

صراع "عائلي"

والمدهش أن رامو أكثر مما اضطر إلى خوض ذلك النوع من المعارك ضدّ إيطاليين وألمان كانوا يتفاخرون على الفرنسيين بإبداعاتهم المعترف بها عالمياً، اضطر إلى خوض المعركة، بخاصة ضد فرنسيين كانوا لا يؤمنون به ولا بإمكانية أن يطلع موسيقي حقيقي في فرنسا؛ ومنهم طبعاً روسو الذي عرف رامو كيف يردّ بشدة وعنف - كما يفيدنا مؤرخ الموسيقى الغربية إميل فييّرموز – على "سفاهاته"، كاشفاً من دون رحمة، الأخطاء الفادحة في المقالات الموسيقية التي تجرأ صاحب "الاعترافات" على نشرها في "دائرة المعارف"... فرامو كما أسلفنا، لم يكن موسيقياً فقط، أبدع خصوصاً في فن الأوبرا، بل كان واحداً من أبرز المنظرين لفن الموسيقى في زمنه... يشهد على هذا كتاب له كان وضعه منذ عام 1722 بعنوان "بحث في الهارموني مختصرة في عناصرها الطبيعية"، كما تشهد عليه نصوص نظرية أخرى منها "أسلوب المرافقة" و"بحث في الموسيقى الهارمونية والشعرية" و"برهان وشرح مبدأ الهارموني"... ويجمع مؤرخو الموسيقى عادة على أن هذه الأعمال النظرية ثبّتت القواعد الأساسية للغة الموسيقية، خصوصاً أن"نظرياته حول الاتفاقات الناشئة عن الرنين الطبيعي للأجسام الصائتة، والمبنية بركم ثلاثيات عليا وثلاثيات دنيا، وتفسيره الهارموني للتحولات، وتصوره للنغمية، لا تزال لها إلى اليوم قوة القانون" وفق فييّرموز.

دين رامو على الموسيقى

وفي هذا الإطار يمكننا أن نقول، إذاً، إنه إذا كان رامو يعتبر واحداً من كبار مؤلفي الموسيقى في زمنه إلى جانب لولي وغلوك وهايدن وموتسارت، فإن الموسيقى تدين له، في الوقت نفسه، بكثير من النظريات التي سمحت بالتطور اللاحق لمعظم الأشكال الغنائية والأوركسترالية. وهو، إذ كان ابناً لفكر القرن السابع عشر، عرف كيف يقيم أفكاره على أسس علمية وعقلانية منطلقاً من طبيعة الصوت نفسه، تلك القاعدة التي عليها بنى تصوّراً للهارموني. وهذا ما يجعل من المنطقي القول إن جان فيليب رامو قد افتتح فصلاً جديداً في الموسيقى الغربية، بخاصة أن تعليماته وأفكاره هي التي مكنت السوناتا، ذات الشكل الأكثر كلاسيكية في الموسيقى الكلاسيكية، والتي تقف في جذور السمفونية، تعثر على الإطار الهارموني الأمثل الذي لاءم لعبة الموضوعات الأنيقة التي كانت في حاجة إليها.

حين تكون الموسيقى علماً

بشكل أساسي، ينطلق رامو في كتابه "بحث في الهارموني" من مبدأ يقول إن "الموسيقى علم يتعين أن تكون له قواعد مؤكدة. قواعد يجب أن تستخلص من مبادئ واضحة، لكن هذه المبادئ لن يكون في الإمكان التعرف إليها من دون اللجوء للرياضيات". واستناداً إلى هذه الفكرة الفيثاغورية، يرى رامو أن نقطة الانطلاق في الموسيقى هي المرافقة التوافقية. المرافقة التي تجد تفسيرها في ظاهرة الرنين الفيزيقية. ويرى رامو هنا أن ثمة نمطين من الرنين: الأعلى والأدنى. وإذ يفسر لنا الباحث هنا الفوارق التقنية بين الرنين الأعلى والرنين الأدنى رابطاً إياهما بتعريف ينطلق من إعادتهما إلى أرقام تتتالى منعاً لاهتزازات الوتر الطبيعية، يقول لنا إن هذه النغمات يمكنها أن تتخذ أشكالاً تبعاً للنوطات وترتيبها. من هنا، تنبع نظرية "القلب" Renversement الأساسية التي سيستخدمها رامو، بكل إدراك، كوسيلة تعبير جديدة. بالتالي يستتبع هذا القول إن المرافقة هي منبع الهارموني نفسه... بالتالي تكون الموسيقى بأسرها قائمة على الهارموني، لا على الميلودي. ومن الواضح هنا أن هدف رامو كان يقوم في الانطلاق من حقيقة طبيعية مبرهن عليها، للعثور على الموسيقى نفسها بعدما شرح طبيعتها. وفي معرض شرحه هذا يفيدنا رامو بأن للنغمات المرافقة المنسجمة والمتنافرة، في نهاية الأمر، قيمة تعبيرية حقيقية. وهو من هنا ينصح باستخدام النغمات المنسجمة للتعبير عن الفرح والرضى، والنغمات المتنافرة الصغيرة للتعبير عن العذوبة والحنان، طالما أن هذه النغمات ليست مهيأة لترجمة اليأس والأهواء.

الذوق محرّك أول للفن

مهما يكن من أمر هنا، فإن رامو، على رغم علمية كتابه ورجوعه المنطقي إلى الرياضيات والعقلانية، يقول في نهاية الأمر إن "الذوق هو، بعد كل شيء، المحرك الأساس والأول لكل علاقة بالموسيقى"، والذوق الذي يعنيه رامو هنا هو، في المقام الأول، ذوق المؤلف الموسيقي. ومع هذا، فإن الباحث يعبر فوراً بعد هذا عن أن طموحه الأساس، من وضعه هذا الكتاب، إنما يكمن في إزالة الحاجز الذي يفصل بين الفن والعلم. ومن المؤكد أنه نجح في الوصول إلى هذا الطموح طالما أن الكتاب قُرئ على نطاق واسع، بل اعتبر من الباحثين، على مدى تاريخ الموسيقى، لحظة انعطافية في تاريخ الفن الموسيقي "إذ منه ولد الهارموني الحديث الذي هيمن على فن الموسيقى طوال ثلاثة قرون اختتمت، وفق الباحثين الفرنسيين بثورة كلود ديبوسي". وهذا موضوع آخر بالطبع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في رفقة فولتير

ولد جان فيليب رامو عام 1683، في مدينة ديجون الفرنسية ابناً لعازف أورغن لا شك في أنه كان أستاذه الأول في توجهه نحو الموسيقى. ولقد خاض الفتى مهناً موسيقية عدة. وتنقل بين كنائس الكثير من المدن الفرنسية، عازفاً على الأورغن وعلى غيره من الآلات قبل أن يستقر عام 1706 في باريس ويبقى فيها حتى رحيله، عجوزاً في عام 1764. وهو بعد أن كتب الكثير من القطع والدراسات النظرية، كرس نفسه منذ عام 1730 لكتابة الأوبرا والباليه، معيداً إلى فن المسرح الغنائي الفرنسي تقاليد كانت أُهملت منذ سلفه الكبير لولي. ومن أشهر أعمال رامو "هيبوليت وآرييسي" ثم "شمشون" التي كتب نصها فولتير لكن عروضها منعت بتحريض من السلطات الدينية. و"الهند المضيافة" (التي تعتبر اليوم من أكثر أعماله تقديما)، و"كاستور وبولوكس" و"أفراح هيبيه" و"هيكل المجد" و"أميرة نافار" و"زرادشت"، والأعمال الأخيرة كلها لحنها رامو انطلاقاً من نصوص لفولتير نفسه، وهذا إضافة إلى عشرات الأعمال الأخرى التي كان آخرها "أولاد إله ريح الشمال" العمل الذي توفي هذا الموسيقي والمنظّر الكبير من دون أن ينجزه كلياً.

المزيد من ثقافة