Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أدباء عراقيون يهود يعلنون حنينهم إلى أرضهم التي غادروها قسرا

مجلة "بانيبال" تقدم مختارات بالإنجليزية من أعمالهم وترسم صورة عن هويتهم المنفصمة

أسرة عراقية يهودية قبل الهجرة (الأرشيف العراقي اليهودي)

تقدم مجلة "بانيبال"، الصادرة بالإنجليزية في لندن، إلى قرّائها في عددها الجديد (72 – خريف/ شتاء 2021)، مختارات أدبية لكتاب عراقيين يهود ومقالات متعلقة بهم ودراسات منجزة حول أعمالهم، وهم الذين غادروا العراق بعد النكبة الفلسطينية، وعاشوا منذ ذلك الحين صراعاً داخلياً وحنيناً وهجرةً قسريةً، وهي هجرة فكرية ولغوية ووطنية تتجلى في نصوصهم العربية أو العبرية التي اضطروا إلى الكتابة بها بعد خروجهم من العراق.

تنشر المجلة ترجمة لنصوص كتاب عراقيين يهود من أمثال سمير نقاش، وروني سوميك، وسامي ميخائيل، وشمعون بلاص، وأنور شاؤول، وشالوم درويش، وإسحاق بار موشيه، إلى جانب نساء كاتبات عربيات يهوديات من بينهن أميرة هس، ومنى يحيى، ومريم الملا. ويكتب صموئيل شمعون في افتتاحية العدد أن فكرة هذا العدد راودته عقب صدور مؤلف الباحثة خالدة حاتم علوان بعنوان "الروائيون العراقيون اليهود" (بغداد، 2014). وقد بدأ العمل فعلاً منذ ذلك الحين على ترجمة نصوص وقصائد ومذكرات، مناسبة ومهمة. ويحدد شمعون أن هذا العدد مميز وفريد من نوعه، فهو يقدم أعمال 17 كاتباً عراقياً يهودياً بين نساء ورجال، وقد تم تكريس العدد بأسره لهم، وهو أمر لم يسبق لـ"بانيبال" أن قامت به في أي عدد سابق.

يهود العراق

يكتب يهودا شنهاف - شهرباني ويوفال إفري في مقدمة عدد "بانيبال" عن مساهمات مفكري اليهود ولقرون طويلة في المشهد الثقافي والأدبي في العراق، وهم الذين أدوا أدواراً بارزة على الصعيد العربي بأسره، فخرج منهم روائيون وشعراء وبحّاثة وصحافيون وموسيقيون ومؤلفون موسيقيون ومغنون وفنانون.

ومعروف أن بغداد شهدت في العصر العباسي مثلاً الفترة الذهبية لتداخل الثقافات والحضارات والأديان، وكانت مركزاً ليهود العالم الذين توجهوا إليها في تلك الحقبة. حتى عندما دخل العثمانيون العراق، ظلت بغداد مركز الثقل اليهودي، فقد توجه اليهود للاستقرار فيها بأمان إلى جانب غيرها من كبريات المدن العراقية. ففي تاريخ العراق المعاصر كانت الغالبية العظمى من يهود العراق تسكن المدن، وكان لهم تأثير مهم ووجود بارز في المشهد الثقافي والفكري. إنما بعد نكبة 1948، وبخاصة بين سنتي 1949 و1951، هاجر معظم أفراد الجالية من العراق، متوجهين بمعظمهم إلى إسرائيل نتيجة للتضييقات التي تعرضوا لها، بينما آثر عدد منهم الرحيل إلى إيران أو الهند أو إلى دول آسيوية أخرى أو أوروبا وأميركا الشمالية، وبقي جزء صغير منهم في العراق حتى أواخر السبعينيات. ويرد في الإحصائيات العالمية التي يذكرها موقع "فرانس 24"، أن 96 في المئة من يهود العراق كانوا قد غادروه مع نهاية عام 1951.

وقد حرمت حركة الهجرة والنزوح العراق من حضور اليهود العراقيين في مشهده الثقافي والفكري. فحتى عام 1948، كتب يهود العراق أعمالهم الإبداعية والثقافية بالعربية الفصحى، إنما بعد عام النكبة وهجرتهم ظهرت ضرورة تغيير هذا التوجه اللغوي بشكل واضح. فبينما واظب عدد منهم على الكتابة بالعربية مثل سمير نقاش (1938-2004)، ومريم الملا (1927-2013)، وديفيد سيماح (1932-1997)، وغيرهم، رافضين تغيير انتمائهم اللغوي، أجبرت الأكثرية وبعد سنوات، على الرضوخ للأمر الواقع والكتابة بالعبرية، مثل سامي ميخائيل، وشمعون بلاص، لما حملته الكتابة بالعربية في إسرائيل من أحكام مسبقة وتهميش باعتبارها لغة العدو. فلجأ عدد من الكتاب العراقيين اليهود إلى الكتابة بالعبرية بالتدرج، بينما اعتزل عدد منهم الكتابة ككل، لما شكلت هذه الهجرة من صدمة ثقافية وإنسانية، ومن هؤلاء يعقوب بلبول (1920-2004).

بين اللغتين

إن الحقيقة المرة التي لا مفر منها هي أن الكاتب اليهودي الذي يكتب بالعربية لن يجد من يقرؤه، ففي الأمر تحدٍّ ومُساءلة للهوية في الوقت نفسه. فلا يمكن لكاتب يهودي أن ينال الاعتراف بأدبه، إن لم يكتب بالعبرية، ولن تلقى كلماته صدى لدى القراء، ولا لدى النقاد، كما أن الناشر اليهودي لا يهتم بالنصوص العربية، ولن يفعل، بخاصة أن الترجمة أساساً ضئيلة، وشبه معدومة.

وجد يهود العراق أنفسهم في منطقة No Man’s land منذ عام 1948، خصوصاً أن الهجرة لم تكن خياراً وارداً لدى معظمهم، هم الذين ساد بينهم تيار لا يوافق مشروع الصهيونية. وقد صور كتابهم في نصوصهم ومذكراتهم وقصائدهم ومقالاتهم التوتر والضغوط والصراعات التي عانوا منها، كما طرحوا أسئلة كثيرة حول الانتماء والهوية والوطن، ولا بد هنا من استعادة جملة سعد زغلول التي استخدمها أنور شاؤول في نص له في مجلة "المصباح": "الدين لله والوطن للجميع." وكذلك لا بد من التوقف عند حوار من رواية "نزولة وخيط الشيطان" للكاتب العراقي اليهودي سمير نقاش عندما كتب: "إني يهودي، ولكن لست بخائن، كيف أخون أرضاً (العراق) ممتزجاً بثراها رُفات آبائي وأجدادي؟! ‏هذه الأرض مصنوعة منّا يا علوان! ‏كنا فيها من قبل أن تُخلق أنت".

مختارات شاملة

يكتشف القارئ إذاً بفضل هذا العدد من مجلة "بانيبال" عن مختارات أدبية لـ17 كاتباً عراقياً يهودياً، من مختلف الأجيال والتيارات الفكرية، وتمت ترجمة نصوصهم إلى الإنجليزية، إما عن العربية، وإما عن العبرية. كتاب مولودون في معظمهم في العقدين الأولين من القرن العشرين، اضطرروا إلى العيش في حال من حنين وحزن وصراع بين هويتين. فهؤلاء كتاب تعرضوا لتغيير دراماتيكي طرأ على حياتهم، وأجبرهم على مغادرة بيوتهم وأوطانهم ولغتهم العربية. واقع سياسي واجتماعي جديد فرض نفسه عليهم، وحملهم على التخلي عن أصولهم وأرضهم وثقافتهم ولغتهم ليهاجروا وينتقلوا إلى أرض وثقافة ولغة قريبة جغرافياً، إنما بعيدة سياسياً وعقائدياً وفكرياً. وقد طرحت نصوصهم أسئلة لغوية ثقافية وجودية كثيرة لها علاقة بالانتماء والهوية. يقول سمير نقاش: "يجسد اليهودي الذي يكتب بالعربية مشاكل شائكة لا عد لها ولا حصر، وللناس جميعهم". وللأسف الشديد، يبدو نقاش محقاً ومُصيباً، إذ نجد أن العراق والعالم العربي بأسره اليوم يشهد خسارة ثقافية، بالأحرى يشهد تلاشياً لجزء مهم من وجهه الثقافي، وهو مساهمة الكتاب العرب اليهود في تياراته الفكرية والأدبية والإبداعية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من الجدير ذكره أن الكاتبة والناشرة البريطانية مارغريت أوبانك إلى جانب الكاتب العراقي صموئيل شمعون، هما مؤسسا هذه المجلة الفصلية التي تصدر ثلاث مرات في العام. وشمعون عراقي الأصل، غادر وطنه الأم، وتنقّل بين عواصم عربية متعددة قبل أن يستقل في لندن، حيث بدأ منذ عام 1998 بإصدار هذه المجلة. وقد حرص شمعون وأوبانك عبر مجلتهما "بانيبال" على تقديم نخبة الكتاب العرب وأفضل إنتاجهم الفكري للقارئ والناشر الأنغلو-ساكسوني، وهي مهمة بالغة الأهمية بالنسبة للكتاب العرب المعاصرين في غياب جهات تعنى بالترجمة، أو أقلّه تساعد على ترجمة أحدث الإصدارات العربية إلى الإنجليزية.

وتدأب المجلة منذ سنوات تأسيسها الأولى، وهي التي تحمل اسم آخر ملوك الإمبراطورية الآشورية ومؤسس أكبر مكتبة في العصور القديمة، على تقديم أبرز نصوص الأدب العربي إلى النقاد والناشرين والمترجمين الناطقين بالإنجليزية، وهو مشروع يجتمع حوله أبرز مترجمي الأدب العربي إلى الإنجليزية، ويسد شيئاً من الثغرة الموجودة في عجلة النشر والترجمة في الحقل الأدبي العربي. وقد نشرت المجلة خلال سنوات صدورها نصوصاً لأبرز الروائيين والشعراء العرب، مثل إبراهيم نصرالله، وعلوية صبح، وأحمد زين، وإدوار الخراط، وإدوار سعيد، وأنسي الحاج، وبدر شاكر السياب، ومحمد البساطي، ومحمد شكري، وواسيني الأعرج، وغيرهم.

المزيد من ثقافة