Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جابر عصفور فكك الخطاب المتطرف ورصد مظاهره روائيا

من "بلاغة المقهورين" إلى أعمال نجيب محفوظ والطاهر وطار ويوسف إدريس وسعدالله ونوس وسواهم

جابر عصفور في إحدى صوره الأخيرة (صفحة  فيسبوك)

دأب المفكر والناقد الراحل جابر عصفور على مناهضة الفكر الأصولي المتشدد والظلامي، في جميع مظاهره، الثقافية، والدينية، والسياسية، وسعى إلى تفكيك خطابه، وفضح آلياته، ونقد مبادئه التي تناقض المعطيات الدينية التاريخية. واعتمد في مشروعه التنويري هذا، أكثر من منهج في التحليل والمقاربة النقدية الجذرية، تاريخياً وفكرياً ودينياً. وعمد أيضاً، إلى رصد ظواهر مواجهة هذا الفكر المتعصب في الأعمال الأدبية والمسرحية، مختاراً أعمالاً كانت سبّاقة في أداء هذا الدور النقدي الفاعل. ومن هذه الأعمال روايات ونصوص لنجيب محفوظ، والطاهر وطار، ويوسف إدريس، وعبدالحكيم قاسم، وسعدالله ونوس، وسواهم.

وإن كان تلميذ الرائد طه حسين، جعل من أعمال هؤلاء منطلقاً للكشف عن التجليات الأدبية للإرهاب، فهو قد وجد فيها أيضاً ذريعة لقراءة ظاهرة هذا الإرهاب ورصد معالمه والمقارنة بين واقعه الملموس وتمثلاته الروائية والقصصية والمسرحية. ومعروف أصلاً أن عصفور لم يكتفِ بدور الناقد والمحلل للأعمال الإبداعية، بل عمد إلى التصدي لظاهرة الإرهاب فكرياً وثقافياً، أولاً من خلال بضعة نصوص هي أشبه بالمفتتحات التي تقدم الظاهرة، ثم عبر المقاربة النقدية نفسها.

الإرث السردي

عمل عصفور على موضوعة، أو "تيمة" الإرهاب مذ صدمته - كما يعبر - الأحداث الإرهابية التي حصلت "زوراً وبهتاناً" تحت غطاء الدين الإسلامي. ولعل البحث الذي نشره في عام 1992 بعنوان "بلاغة المقموعين" يندّ عن مدى تعمقه في ثقافة القمع والاستبداد والطغيان والتعصب في التراث، وفي "الإرث" القصصي والسردي الذي صنعته الأعمال القديمة التي تناولت هذه الظواهر من مثل أعمال ابن المقفع، و"إخوان الصفا"، و"ألف ليلة وليلة"، ناهيك بالأدباء الذين سردوا وقائع القمع والاستبداد، ومنهم الأصفهاني، والأزدي، والمرزوي، والتميمي، وسواهم.

لم يتأصل السرد القصصي تراثياً في مواجهة القمع واحتجاجاً عليه مصادفةً، بحسب عصفور، فالأدباء لم يتوانوا عن المقاومة بالنصوص، وعن انطاق "المسكوت عنه" عبر الرموز والتوريات، وسواها من أدوات "بلاغة المقموعين". ويرى عصفور أن ميراث المقاومة تواصل عبر العصور، وتعاقبت حلقاته. فرواية مثل "أولاد حارتنا" التي تقاوم رمزياً ظواهر القمع الفكري والاجتماعي، لم تنطلق من عدم، بل هي خير وارثة للتراث السردي العربي البعيد المتمثل في "كليلة ودمنة"، و"حي بن يقظان"، وللتراث السردي القريب المتجلي في أعمال لفرنسيس مراش، وفرح أنطون، وسواهما.

يسجل عصفور على الرواية العربية الجديدة نُدرة تطرقها إلى "نموذج" المتطرف الديني، فالكتابة الأدبية عن الإرهاب الديني، كما يقول، "أقل كمّاً وكيفاً من الكتابة التي واجهت الأشكال المدنية من الإرهاب السياسي أو الفكري". هذه "الندرة" التي يبررها عصفور بـ"الخوف الذي ترسّخ وتأصّل في نفوس كثير من الكتاب"، ناجمة عن كون نموذج المتطرف الديني (الإرهابي) ما زال نموذجاً "نائياً عن الوعي المحدث"، والسبب انحياز الرواية إلى الأبطال المحدثين الذين "وضعتهم في الصدارة". ويرى عصفور أن هذا النموذج ظل "مسجوناً في قالب جاهز" أسهمت في ترسيخه "أجهزة إعلام مُعادية". ويأخذ على الأجهزة الأيديولوجية للدولة (العربية) تصويرها ظاهرة الإرهاب الديني ونموذج المتطرف الإرهابي معزولَين عن الأسباب التي أدت إلى تكونهما. ويشير عصفور إلى وقوع ظاهرة التطرف الديني في خانة "المحرم" (التابو)، مما جعل تناول شخصية المتطرف الديني والنفاذ إلى أعماقه "ضرباً من المغامرة التي لا تعرف عواقبها".

آليات الإرهاب

إلا أن الكتاب الذين يتناول جابر عصفور أعمالهم استطاعوا أن يفضحوا بجرأة، "آليات الإرهاب ودوافعه"، وهم وضعوا شخصيات الإرهابيين، وأفعال العنف الوحشي، في "مرايا الأنواع الأدبية". وفي هذه المرايا انعكست الصور البشعة لهؤلاء الإرهابيين، وانعكست كذلك أفعالهم وأفكارهم. ولم يركز عصفور بشكل خاص على الرواية التي واجهت الإرهاب، إلا إيماناً منه بأن الزمن الأدبي الراهن هو "زمن الرواية"، لكنه لم يهمل القصة والمسرحية، وحتى السينما والتلفزيون، تبعاً لما تقتضي المعالجة من استكمال للمشهد الإبداعي المقاوم للإرهاب. هكذا تناول عصفور أعمالاً روائية عدة لنجيب محفوظ، ورواية "الزلزال" للطاهر وطار، ورواية "المهدي" لعبدالحكيم قاسم، ورواية "الأفيال" لفتحي غانم، مثلما تناول قصة يوسف إدريس "اقتلها"، أو مسرحية سعدالله ونوس "منمنمات تاريخية"، أو فيلم "الإرهابي" للينين الرملي.

وإن أشار جابر عصفور إلى أن نجيب محفوظ هو أول من سعى إلى فضح آليات الفكر الذي أسهم في إرساء القمع الديني منذ ما قبل السبعينيات، فهو يعتبر أن رواية الكاتب الجزائري الطاهر وطار "الزلزال" تظل الرواية العلامة على هذا المستوى، ولا تُوازيها رواية مماثلة في الهدف، أو مشابهة في المنظور. فالرواية هذه هي الوحيدة عربياً التي جعلت من المتطرف الديني بطلاً رئيساً، وقد غاصت في وعيه ولا وعيه كاشفةً عن مكوناته الداخلية ونوازعه. أما قصة يوسف إدريس "اقتلها"، فحاولت، على خلاف رواية وطار، أن تستبطن مشاعر الإرهابي، ولكن خارجياً، وضمن إمكانات القصة القصيرة نفسها، لكن هذه القصة تنبّأت في نحو مباشر باغتيال الرئيس أنور السادات، وقد حصل الاغتيال بعد شهرين من نشر القصة في "الأهرام". ولم يكن من المصادفة أن تصدر رواية فتحي غانم "الأفيال" قبل الاغتيال أيضاً، وأن تتزامن مع قصة يوسف إدريس، وتكشف عن أسباب عدة أسهمت في صنع ظواهر التطرف الديني، وفي طليعتها ظاهرة الإرهاب. وهؤلاء الكتاب لم يكونوا وحدهم في المواجهة، فالروائي المصري عبدالحكيم قاسم كتب "المهدي" في أواسط السبعينيات، متناولاً ظاهرة التطرف الديني في وسط الريف المصري. وكتب سعدالله ونوس مسرحيته "منمنمات تاريخية" في منتصف التسعينيات، رابطاً الهزيمة بالتطرف الديني، وجامعاً بين قمع المتعصبين واستبداد الحكم في التراث العربي.

لا تقتصر معالجة نجيب محفوظ لظاهرة "الإرهاب" على روايته الشهيرة "أولاد حارتنا" التي نشرها متسلسلةً في "الأهرام" عام 1959، بل تصدّى لهذه الظاهرة لاحقاً عندما أتم السبعين، وتحديداً في نهاية السنة التي اغتيل فيها أنور السادات. ويلحظ عصفور أن رؤية الجد، أو الأب تغلب على منظوره الروائي في تناوله النماذج الإرهابية الشابة. ولم ينثنِ محفوظ من خلال هذه النماذج عن نقد الزمن الساداتي، بعد أن كان قد انتقد سابقاً سلبيات الزمن الناصري. في "المرايا" (1972) مثلاً يجعل محفوظ من شخصية عبدالوهاب إسماعيل مرآةً رمزيةً لأحد قياديي "الإخوان المسلمين". وفي "التنظيم السري" (1984)، و"يوم قتل الزعيم" (1985) و"صباح الورد" (1987)، تبرز نظرة محفوظ إلى الإرهاب في كونه "نهاية التتابع المتصاعد لدرجات الحدّية في التعصب الذي انطوت عليه نماذج المثقف التقليدي، داعيةً الدولة الدينية". وهكذا، يتولد التطرف في عقول الشبان الذين يعميهم التعصب، وخصوصاً بعد أن يُطلقوا لحاهم، ويندفعوا وراء "حرية الفكر الذي يَسِمُ المُغاير له والمُختلف معه بالكفر". ولعل "اللقيا" النقدية التي يخلص إليها عصفور هي مقارنته بين الشاب الذي حاول اغتيال محفوظ والشبان الذين حفلت بهم أعماله تلك. ويرى أن المسافة ليست بعيدة بين شكري سامح في "صباح الورد" والشاب الذي حاول ذبح نجيب محفوظ بسكين صدئة مساء الجمعة 14 أكتوبر (تشرين الأول) 1994. وهذا الجرم هو دليل ملموس على ما انتهى إليه نموذج المثقف التقليدي.

"الزلزال" الجزائري

يتوقف جابر عصفور طويلاً أمام رواية "الزلزال" للجزائري الطاهر وطار (مواليد 1936)، وكانت قد نُشرت في بيروت عام 1974، معتبراً إياها الرواية العربية الوحيدة التي تقدم "نموذجاً بشرياً دالاً" من النماذج التي تُعادي التقدم، والتي تكشف عن الآلية التي يتحول المثقف التقليدي من خلالها إلى متطرف دينياً، علاوة على غوصها في مكونات وعي هذا النموذج ولا وعيه على السواء. وبعد مرور عقود على صدورها تبدو الرواية، وفق عصفور، بمثابة "استشراف لما حدث في الأقطار العربية". ويرى عصفور أن مستويين يتجليان فيها: الأول يمثله الشيخ عبدالمجيد بو الأرواح، بطل الرواية المتعصب الذي تخرّج في الزيتونة، ومدير المدرسة الثانوية، وهو "نموذج المثقف التقليدي الذي يبدأ من دائرة التقليد الاعتقادية، وينتهي في التعصب الديني، ومن ثم في التطرف الذي يُفضي إلى الحضّ على ممارسة العنف العاري". أما المستوى الثاني من البُعد الاستشرافي فهو يرتبط بمؤسسات الدولة الوطنية التي انتزعت الاستقلال من الاستعمار، رافعةً شعارات التحول الاشتراكي والثورة الزراعية، إلا أنها لم تستطع إلا بناء مجتمع حافل بالمتناقضات التي انتهت إلى الكارثة الكبيرة.

يخص عصفور رواية عبدالحكيم قاسم "المهدي" بمقاربة نقدية بديعة يقرأ فيها عناصر الرواية وبنيتها وتقنياتها ورموزها وأبعادها، ويلقي ضوءاً على "الأمثولة" التي خلصت إليها. فهذه الرواية أرادها صاحبها أن تكون احتجاجاً على بداية تصاعد التطرف في أوساط الجماعة الدينية في مصر، وجنوحها إلى العنف، تأكيداً لحضورها السياسي. وتبرز الرواية، كما يعبر عصفور، النتائج الوخيمة والقبيحة للتعصب من خلال "النهاية الفاجعة للأمثولة المضفورة بمتناصات دينية لافتة"، وتلفت (الرواية) إلى سعيها في استعادة "لوازم الإسلام السمح الذي يدعو إلى المجادلة بالتي هي أحسن، ويؤكد وجود الاختلاف ويحضّ عليه".

"أفيال" فتحي غانم

أما رواية "الأفيال" للكاتب المصري فتحي غانم، التي صدرت قبل أشهر قليلة من اغتيال السادات، فهي ذات فضاء رمزي يشير إلى "نهاية كل الأطراف التي اشتركت في صنع ظاهرة التطرف". ويرى عصفور أن الرواية ظاهراً هي رحلة إلى مكان مجهول يقضي فيه الإنسان إجازة سعيدة، لكنها واقعاً، رحلة إلى "مكان يجمع الخاسرين الذين انتهى مسعاهم في الحياة إلى الذل والإهانة...". ويركز عصفور في بحثه المتعمق على دلالات التباس المكان في الرواية، مقارناً بين سلوك "الفاشلين" ودبيب الأفيال عندما ترتحل إلى مكان تعرفه بالغريزة لتموت فيه.

يخص جابر عصفور النص المسرحي "منمنمات تاريخية" للراحل سعدالله ونوس بقراءة عميقة أيضاً تصلح فعلاً لأن تكون مدخلاً إلى العالم المتناقض الذي تنطوي عليه هذه المسرحية الجريئة. ويتصدى عصفور لما يسميه ثلاث رُؤى في النص الدرامي: الرؤية الأولى تتجسد في أفكار الشيخ برهان الدين، وهو "رجل النقل الذي يُعادي أهل العقل"، والثانية تجد معادلها في أفكار ابن خلدون، صاحب "المقدمة" الشهيرة، رجل العلم الواقعي الذي وصف "الغروب" الشامل، وشهد عليه، والثالثة تنهض انطلاقاً من أفكار آزدار، نائب القلعة، وهو الجندي الذي يرفض الاستسلام، ويختزل وجوده في حماية النظام الذي يعرفه من دون أن يحلم بنظام جديد. ويرى عصفور أن وسط هذه الرؤى الثلاث، وفي مُوازاتها، يبرز علماء وأعيان وتجار همّهم الغنيمة والوجاهة والسلطة، لكن الجميع يسقطون في ما يشبه الهزيمة الشاملة أمام جحافل المغول، وهي الهزيمة التي سببها الفساد المستشري في الداخل. إنها "الهزيمة التي تبدأ دائماً من الداخل". وفي رأي عصفور أن مسرحية ونوس تدين عصرها الذي تومئ إليه بما ينطوي عليه من "مخاطر التقليد التي تهدد حرية الاجتهاد"، ومن "تعصب النقل الذي ينفي تسامح العقل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تبدو كتب جابر عصفور النقدية التي تناولت ظاهرة الإرهاب الأصولي، شديدة الجرأة، وأحياناً أشد جرأة من الروايات والقصص التي تناولت هذا الإرهاب، والتي تناولها الناقد بدوره راصداً تجليات الإرهاب روائياً وقصصياً ومسرحياً. فالعمل النقدي هنا لا يقوم على التحليل والشرح والتفنيد مقدار ما يجعل من النص الإبداعي ذريعة ليبني خطابه الذي يتصدى لظاهرة الإرهاب. مثل هذه النصوص تندرج في نتاج الناقد التنويري المثابر والدؤوب، الذي يبدو شديد الالتحام والانصهار ومُلتئماً تمام الالتئام تحت عنوان واحد: التصدي النقدي لظاهرة الإرهاب من خلال الأعمال الأدبية. واللافت في النصوص اعتماد عصفور أكثر من منهج وإعطاء كل نص المقاربة المنهجية التي يفترضها، والتي من شأنها أن تسبر أعماقه، وتضيء زواياه، وتفكك بنيته، وتواكب شخصياته.

وقد دمج عصفور بين النقد الأيديولوجي والسياسي، بحسب مقولة الناقد البريطاني تيري إيلغتون، صاحب كتاب "النقد والأيديولوجيا" (1976)، والنقد الأدبي على اختلاف مذاهبه (التاريخي، والسيري، والبنيوي، والجمالي...)، والنقد الحدسي الذي تجلّى أكثر ما تجلّى لدى كبار الأدباء والشعراء من أمثال سارتر وكامو وفاليري وبروست، وهو قائم على ما يسميه ف. هيلينز "العلاقات المتناغمة بين الأفكار والحساسية المرهفة". ولعل قارئ جابر عصفور يشعر فعلاً بأنه أمام نصوص نقدية ذات طموح إبداعي. فاللغة التي يعتمدها عصفور بعيدة من مضارب الجفاف الأكاديمي. أما نصوصه النقدية فهي تجمع بين "متعة" القراءة التي تحدّث عنها رولان بارت، والدقة في التحليل والتفكيك، والبراعة في السبك والنسج. ويمكن القول إن جابر عصفور يعتمد منهجاً هو منهجه الخاص أولاً، وهو ثانياً منهج "استخلاصي" حمله صاحبه خلاصات كثير من المناهج.

المزيد من ثقافة