بكين تتهم واشنطن بممارسة "الإرهاب الاقتصادي" في فرض الرسوم

تصاعد الخلاف بين القوتين يدخل الشركات الكبرى في قلب العاصفة السياسية

وسط تصاعد الخلاف التجاري بين أكبر قوتين اقتصاديتين، اتهمت الصين الولايات المتحدة بممارسة "إرهاب اقتصادي مكشوف" ضدها عبر فرض رسوم جمركية عقابية وعقوبات ضد شركاتها، في تصعيد جديد للهجة بكين في الحرب التجارية بين البلدين.

ويخوض أكبر اقتصادين في العالم نزاعا، بينما المحادثات التجارية متعثرة مع قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب في وقت سابق هذا الشهر زيادة الرسوم الجمركية على سلع صينية وإدراجه مجموعة الاتصالات العملاقة "هواوي" على لائحة سوداء. ونقلت وكالات أنباء أنه خلال مؤتمر صحافي تمهيدا لزيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى روسيا الأسبوع المقبل، قال نائب وزير الخارجية الصيني تشانغ هانهوي "نحن ضد الحرب التجارية، لكننا لا نخشاها".

وأضاف "هذا التحريض المتعمّد لأزمة تجارية هو إرهاب اقتصادي مكشوف وتعصّب قومي اقتصادي وتنمّر اقتصادي"، مشددا على أن الصين تعارض الاستخدام المنهجي للعقوبات والرسوم والحمائية. وحذر المسؤول الصيني من أنه "لا يوجد رابح في حرب تجارية".

اشتعال الحرب التجارية على مواقع التواصل

وردّت الصين بزيادة رسومها على البضائع الأميركية في قرار سيبدأ تطبيقه في الأول من  يونيو (حزيران)، بينما تحدثت وسائل إعلام رسمية عن قدرة الصين على وقف صادراتها من المعادن النادرة إلى الولايات المتحدة، ما يحرم واشنطن من مواد رئيسة تدخل في صناعة الكثير من منتجات التكنولوجيا المتقدمة. في تلك الأثناء صعّدت وسائل الإعلام الرسمية الصينية ومسؤولون نبرة خطابهم، في مسعى لإثارة الحماس الوطني، فيما يستعد الحزب الشيوعي لما قد يكون معركة طويلة مع الولايات المتحدة. وأجرت مذيعة لدى شبكة "تشاينا غلوبال" التلفزيونية الرسمية نقاشا نادرا مع مقدمة برامج من شبكة "فوكس بيزنس" بشأن الحرب التجارية بعد جدل على مواقع التواصل الاجتماعي.

واتّسم النقاش بين ليو شين من "تشاينا غلوبال"، وتريش ريغان من "فوكس بيزنس" بالوديّة. وقالت الصحافية الأميركية "أقدّر وجودك هنا"،  فيما دعتها المذيعة الصينية لزيارة الصين مؤكدة "سأرافقك في جولة في المكان"، لكن جهاز الدعاية الصينية صعّد نبرته.
وكتبت صحيفة "الشعب" في مقالة افتتاحية أمس "ننصح الولايات المتحدة بعدم الاستخفاف بقدرة الصين على ضمان حقوقها ومصالحها في التطوير، وعدم القول بأننا لم نحذركم"، مهددة من أنه يمكن استخدام المعادن النادرة كإجراء مضاد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


وتنتج الصين أكثر من 95% من المعادن النادرة في العالم، وتعتمد الولايات المتحدة على الدولة الآسيوية العملاقة فيما يزيد على 80% من وارداتها.
وردا على سؤال بشأن المعادن النادرة، قال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، في مقابلة، إن الأميركيين "خسروا وعانوا منذ عقود في ظل القواعد الحالية"، مؤكدا أن "الموضوع الوحيد الذي يركز عليه ترمب هو التصدي" للصين. وجدّد هجومه على "هواوي" قائلا إن هناك "ترابطا عميقا" بين الشركة والدولة الصينية لا مثيل له في النظام الأميركي. وصرح في المقابلة على شبكة (فوكس بيزنس) "في حال أراد الحزب الشيوعي الصيني الحصول على معلومات من تكنولوجيا موجودة لدى هواوي، فمن شبه المؤكد أن تقوم هواوي بتقديمها له".

إلى ذلك، رفضت هواوي الانتقادات وطلبت أخيرا من القضاء الأميركي إبطال تشريع يمنع الوكالات الفيدرالية من استخدام معدات الشركة. وقال تشانغ إن "هذه الحرب التجارية سيكون لها أيضا تأثير سلبي خطير على إنعاش الاقتصاد العالمي وتطوره". وفي أوج النزاع بين واشنطن وبكين، يستعد الرئيس الصيني للقاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين من 05 إلى 07  يونيو (حزيران) في وقت يسعى فيه العملاقان إلى تعزيز العلاقات.
وأشار تشانغ إلى أن هناك إجماعا واسعا ومصالح مشتركة بين روسيا والصين في قضية الحرب التجارية، مؤكدا أن "الصين وروسيا ستعززان حتما التعاون الاقتصادي والتجاري بينهما، بما في ذلك في مجالات مثل الاستثمارات الاقتصادية والتجارية"، وتابع أن الصين وروسيا "ستردّان بالتأكيد على التحديات الخارجية المختلفة، وستفعلان ما عليهما فعله، وتستمران في تطوير الاقتصاد وتحسين المستويات المعيشية بشكل مستمر لشعبيهما".

هل ستكون أبل الهدف التالي للصين؟

وفي ظل تصاعد الخلاف، يُنظر إلى شركة "أبل" على أنها الهدف الرئيس المحتمل للردّ الصيني على الخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة ضد شركة "هواوي" الصينية العملاقة للاتصالات، إلا أن الجذور التي أرستها الشركة في الصين كفيلة بأن تساعدها في التغلب على العاصفة السياسية.
وفيما تستهدف بكين شركة "أبل" في الحرب التجارية الدائرة بين البلدين، يعتقد خبراء أن حجم الشركة والسنوات التي أمضتها في ترسيخ علاقات الأعمال في الصين عوامل تحميها من أي ردّ انتقامي مباشر. ونقلت وكالة "أ.ف.ب." الفرنسية ، عن روب انديرلي، محلل التكنولوجيا في مجموعة "انديرلي غروب"، قوله إنه "فيما تستهدف الولايات المتحدة هواوي، أصبحت أبل هدفا مرجحا لانتقام الصين"، وأضاف "فيما تتصاعد الحرب التجارية، فإن أبل وهواوي هما الشركتان المرجحتان بأن تلحق بهما أضرار". وأصبحت هواوي في قلب التوترات المتصاعدة بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم اللتين تبادلتا فرض رسوم جمركية على سلع بمئات مليارات الدولارات.

وأثارت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب غضب بكين بوضع هواوي، عملاقة الهواتف الذكية والاتصالات، على القائمة السوداء بسبب مخاوف من أن الصين تستخدمها أداة للتجسس ومزاعم بانتهاك عقوبات متعلقة بإيران، وهو ما تنفيه الشركة. وذكر الرئيس الأميركي "إن مصير هواوي يمكن أن يكون ضمن أي اتفاق لإنهاء الحرب التجارية، إلا أنه تبين أن التوصل لمثل هذا الاتفاق أمر صعب، ولذلك تستمر التوترات". وصرح انديرلي أن هواوي تعتبر "كنزاً وطنياً" في الصين، كما أن لشركة أبل مكانة مشابهة في الولايات المتحدة. وأضاف "من الصعب دائما التعامل مع شركات تعتبر كنوزا وطنية".

وأشار إلى أن "هناك خطراً من أن يتصاعد التوتر إلى حدود تتجاوز المنطق". إلا أنه توجد العديد من النقاط في صالح أبل. فزيادة التكاليف أو عرقلة إنتاج أبل بشكل مباشر في الصين يمكن أن تلحق الضرر بالصين لأن معظم عمليات التصنيع تقوم بها أبل في الصين، كما يمكن أن تتسبب في فقدان الوظائف، بحسب محللين. وقال انديرلي إن "اللعب على المشاعر الوطنية بالقول إن الامتناع عن شراء منتجات أبل هو مؤشر على ولاء الصينيين، هو أمر يمكن أن تفعله الصين دون محاسبة".

إلا أن مقاطعة منتجات أبل، والذي بدأ في الصين العام الماضي، بسبب معاملة الولايات المتحدة لشركة هواوي لم يكن له تأثير كبير على الشركة الأميركية.
وفي مقابلة مع "بلومبرغ"  أخيرا، قال الرئيس التنفيذي لـ"هواوي"، إنه يعارض فكرة الدعوة إلى مقاطعة منتجات أبل في الصين.
وصرحت كارولينا ميلانيسي، من شركة "كرييتف ستراتيجيز"، بأنه "في النهاية فإن أبل تفعل الكثير في الصين، ومن الناحية الاقتصادية فإن ذلك يساعد الصين". وأضافت "أجد صعوبة في تخيّل أن تستخدم الصين أبل وسيلة للانتقام من الولايات المتحدة". وعلى موقعها على الإنترنت قالت أبل إنها خلقت 5 ملايين وظيفة في الصين، ترتبط 3 ملايين منها بالمتعاقدين والاستثمارات.

أكثر من 1.8 مليون موظف في متجر "أبل ستور" في الصين 

ويبلغ عدد موظفي الشركة في الصين مليون موظف، كما يعمل نحو 1.8 مليون آخرين في النواحي المتعلقة بمتجرها "أبل ستور" للمطورين الذين يصنعون المحتوى الرقمي أو الخدمات لأجهزة أبل النقالة، بحسب الشركة.
بينما تضر عرقلة إنتاج منتجات أبل في الصين باقتصاد ذلك البلد، فإن التسبب في ارتفاع أسعار هواتف "أيفون" المصدرة إلى الولايات المتحدة لن يشكل ضربة سياسية لإدارة الرئيس دونالد ترمب، بحسب فرانك غيليت، المحلل في "فوريستر".

وقال "من المرجح أن تستهدف الحكومة الصينية قاعدة ترمب الانتخابية"، وأضاف "الأضرار بالشركة التي مقرها كاليفورنيا لا يبدو أنه سيصب في مصلحة الصين، والمنطقي هو استهداف الزراعة والسلع اليومية الأميركية".

وأشار محللون كذلك إلى أن رئيس شركة أبل تيم، كوك، كان يدير لوجستيات سلسلة الإمدادات في الشركة قبل أن يخلف المؤسس الشريك للشركة الراحل ستيف جوبز في عام 2011.
وقالت ميلانيسي إن "توم كوك يعرف الثقافة في الصين وعمل بشكل وثيق على فهم التصرف بحذر لإحداث أثر أكبر هناك". كما أن خبرة كوك في سلسلة الإمدادات تجعل منه الرئيس التنفيذي المثالي لإيجاد طرق لإخراج عمليات التصنيع من الصين في حال لزم الأمر.
وتطلّب صعود أبل إلى القمة لتصبح واحدة من أكثر الشركات قيمة في العالم إقامة علاقات قوية مع مزودين ومصنعين آسيويين مثل "فوكسكون تكنولوجي"، التي مقرها تايوان، وشركة بيغاترون. وقال انديرلي "الجميع يحاولون إيجاد طرق لإخراج عمليات التصنيع من الصين، وتيم كوك متخصص في اللوجستيات، ولذلك فهو الأكثر قدرة على القيام بذلك".