Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مع ذكرى اقتحام الكابيتول... الديمقراطية الأميركية تحت التهديد

تجديد الحزب الجمهوري مستحيل تحت زعامة ترمب وانتخابات 2024 حاسمة

تحل الذكرى الأولى لاقتحام أنصار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب مبنى "الكابيتول" في السادس من يناير (رويترز)

منذ نحو عام، اقتحم حشد عنيف مبنى "الكابيتول" بالعاصمة الأميركية واشنطن في محاولة لوقف التصديق الأخير على فوز جو بايدن بالرئاسة، عبر إلغاء انتخابات 2020 لصالح دونالد ترمب، وعلى الرغم من فشل هذا التمرد، فإن أصداءه لا تزال تتردد حتى اليوم، ففي حين يواصل البعض في الحزب الجمهوري إنكار محاولة الانقلاب أو التقليل منها، وينغمس الكونغرس ووزارة العدل في إجراء التحقيقات حول ما حدث في ذلك اليوم، تبدو آثار هجوم السادس من يناير (كانون الثاني) غائرة في نفوس الأميركيين، ليس لأنهم لم يستوعبوا الدرس حول أسباب الهجوم أو كيف فشلت المؤسسات الحكومية في الرد على العنف، وإنما لقلقهم بشأن صحة ديمقراطيتهم وما إذا كانت ستنجو من الخطر الذي يهددها في أي اختبار مقبل.

علامات الخطر

بعد أقل من أسبوع، تحل الذكرى الأولى لاقتحام أنصار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب مبنى "الكابيتول" في السادس من يناير، لكن ما يثير قلق الأميركيين، ليس ما تكشف عنه نتائج التحقيق حول جذور التمرد الذي أجبر أعضاء الكونغرس على الفرار حفاظاً على حياتهم، وما إذا كانت الفوضى التي حدثت في ذلك اليوم جزءاً من خطة متماسكة، وإنما الأجواء الملبدة بالغيوم التي تتراكم يوماً بعد يوم داخل أركان البيئة السياسية الأميركية وتحمل كثيراً من نذر الخطر.

أبرز علامات الخطر تعكسها استطلاعات الرأي التي أجريت في الأسابيع الأخيرة، والتي كشفت عن أن ما يقرب من 40 في المئة من الناشطين السياسيين في الحزبين الجمهوري والديمقراطي يعتبرون أن أعضاء الحزب الآخر سيئون وأشرار، بينما يرى 60 في المئة أنهم يشكلون خطراً على البلاد، في حين يعتقد أكثر من 80 في المئة أن النظام السياسي في الولايات المتحدة يحتاج إلى تغييرات كبيرة أو عملية إصلاح كاملة.

مخاوف الحرب الأهلية

ويبدو أن مخاوف البعض من اضمحلال الحياة السياسية الأميركية نتيجة للاستقطاب المستمر بين الحزبين وعرقلة كل طرف خطط الطرف الآخر في غالبية مشاريع القوانين، لم تعد تتناسب مع خطورة التهديد الذي يواجه الديمقراطية الأميركية، بعدما ذهب بعض علماء السياسة إلى حد التحذير من أخطار اندلاع حرب أهلية ثانية في الولايات المتحدة، التي تجلت بشكل خطير في الهجوم على "الكابيتول" قبل عام، ما أدى إلى إصابة 140 ضابط شرطة.

وازدادت هذه الأخطار وضوحاً بعد ذلك، فعقب بعض الانتقادات التي أعلنها عدد قليل من المشرعين الجمهوريين في الكونغرس آنذاك ضد اقتحام "الكابيتول" بفعل ثورة غضبهم خلال الحادثة، عاد معظمهم إلى تقديم الأعذار لدونالد ترمب، لأن ادعاءاته حول نتيجة الانتخابات الرئاسية التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 ترسخت بسرعة بين المحافظين والجمهوريين، واستمرت حتى اليوم، إذ لا يزال 70 في المئة من الناخبين الجمهوريين يعتقدون أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة قد سُرقت، بل إن شعبية ترمب تنقص عن شعبية بايدن بدرجة واحدة فقط في استطلاعات الرأي، ما يعني أنه بحساب هامش الخطأ وبحسابات المجمع الانتخابي ربما يتقدم ترمب في الانتخابات الرئاسية إذا جرت الآن.

حزبية متطرفة

ومع تنامي الحزبية المتطرفة ورفض الجمهوريين قبول نتائج الانتخابات، تشكلت حقيقة أساسية خطيرة في سياسات الحزبين ترفض الخسارة بسهولة في نظام يومي تغذيه سياسات الغضب، على الرغم من أن الديمقراطيين والجمهوريين يحتاج بعضهم إلى بعض حتى يعمل النظام الديمقراطي الأميركي، ولذلك يرى البعض أن صعوبة تدفق التجديد قد تقود إلى كارثة بسبب حقيقة التهديدات التي يتعرض لها النظام.

وتتمثل أعظم التهديدات في أن الإدارات المسؤولة عن الانتخابات في الولايات الرئيسة أصبحت تسيطر عليها الحزبية، فخلال الأشهر الأخيرة وبدعم ضمني وصريح من قادة حزبهم، كان النشطاء الجمهوريون في أريزونا وتكساس وجورجيا وبنسلفانيا وويسكونسن وميشيغان يعملون على تعزيز مواقعهم في أي انتخابات مقبلة من خلال عدة وسائل، من بينها إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية بما يخدم مصلحة المرشحين الجمهوريين، أو عبر إعادة صياغة قوانين بحيث تضمن سيطرة حزبهم على القرارات المتعلقة بإدارة الانتخابات، مثل بطاقات الاقتراع التي يجب عدها وأيها يجب استبعادها، والنتائج التي يتم التصديق عليها والتي يتم رفضها، بينما سعت بعض الولايات مثل جورجيا إلى سحب سلطة الإشراف على الانتخابات من مسؤولي الانتخابات السابقين الذين رفضوا ادعاءات ترمب بتزوير الانتخابات في ولايتهم، وأضافوا بدلاً من ذلك حججاً قانونية تهدف إلى السماح لمشرعي الولاية التي يسيطر عليها الجمهوريون بإحكام السيطرة على عملية إدارة الانتخابات.

اختبار الانتخابات

وفي ظل هذا الوضع، ستجرى انتخابات التجديد النصفي لمجلسي النواب والشيوخ في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وكذلك الانتخابات العامة الرئاسية والبرلمانية عام 2024، إذ يستعد الجمهوريون بقوة لاستعادة سيطرتهم على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما في نوفمبر المقبل، كما يمكن أن يستعيد ترمب البيت الأبيض بشكل شرعي في عام 2024.

لكن نتائج أي من هذه السباقات قد تكون محل نزاع من قبل أي من الجانبين، بخاصة عقب الانتخابات الرئاسية المقبلة، فإذا فاز الديمقراطيون، يمكن للجمهوريين استغلال آلية الانتخابات التي اعتمدوها في الولايات على أسس حزبية لمحاولة منعهم من تولي مناصبهم، وإذا فاز الجمهوريون، قد يعتقد الديمقراطيون أن السباقات المتنازع عليها قد سُرقت، ومن المرجح أن كثيرين منهم سوف يستنتجون أن التغييرات التي اعتمدها الجمهوريون قلبت التوازن، لا سيما عندما يلاحظون عدد المرات التي يفشل فيها الفائزون بالتصويت الشعبي في الفوز بالمنصب، حينئذ سوف سيتولد لدى الحزبين اقتناع راسخ بعدم وجود شرعية للانتخابات، ما ستكون له تداعيات كارثية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويحذر ريتشارد هاسن، أستاذ القانون والعلوم السياسية بجامعة كاليفورنيا في "إيرفين"، من أن الديمقراطية الأميركية تمر بحالة طوارئ الآن، مشيراً إلى الخطر الجسيم في أن الديمقراطية الأميركية التي يعرفها الناس الآن يمكن أن تنتهي في عام 2024 إذا لم يحدث أي إجراء عاجل.

هل من حلول؟

وفي حين تحتاج الديمقراطية في الولايات المتحدة إلى تحرك واجب من خلال تعزيز نظام التصويت قبل فوات الأوان، فإن المشكلة تبدو أعمق من ذلك، فعلى الرغم من أن الأميركيين يقولون إنهم يريدون إصلاح التصويت، فإن الأطراف المختلفة تقصد معاني متباينة حينما تقول ذلك، إذ يرغب الديمقراطيون في تسهيل عملية الانتخابات وتمكين الناس من التصويت بكل السبل الممكنة، لكن الجمهوريين قلقون من الاحتيال، ويرغبون في تعزيز التحقق من النتائج، ولهذا يرى خبراء الانتخابات أنه يجب توافر حل وسط يضمن كلا الأمرين عبر استصدار قانون للانتخابات ووضعه على رأس جدول الأعمال التشريعية لعام 2022، ومع ذلك، فإن إقرار تشريع من هذا النوع يفترض التوافق بين الحزبين، وهو في حد ذاته أمر غائب، كونه يعد السبب الجذري لتدهور الديمقراطية في أميركا.

ولهذا يبدو لغالبية الديمقراطيين وقليل من الجمهوريين أن السبيل لإنقاذ الديمقراطية سوف يتأتى من الطريقة التي ستحدد مستقبل الحزب الجمهوري، وليس من الحزب الديمقراطي بالنظر إلى أن مَن هاجم الديمقراطية وشكك في نزاهة الانتخابات ويطعن في آلياتها على طول الخط هو الرئيس ترمب، الذي جعل الحزب أشبه بحزب الرجل الواحد، بعد أن نجح في إقصاء وعزل الجمهوريين الذين صوتوا لإدانته في الكونغرس عقب الهجوم على الكابيتول في السادس من يناير الماضي.

صعوبة التجديد

وما يزيد من صعوبة تجديد الحزب، أن أي شخص يعتقد أنه قادر على توجيه ترمب قد انتهى به الأمر إلى نبذه وازدرائه، مثل النائب آدم كينزينغر، أحد الجمهوريين العشرة في مجلس النواب الذين صوتوا لصالح إدانة ترمب، الذي أعلن تقاعده عن العمل السياسي، وحتى أولئك الذين اعترضوا على تقويض نتيجة الانتخابات في البداية، امتنعوا عن إدانة ترمب علناً بمن فيهم ميتش ماكونيل زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ، كما أن الجمهوريين الذين تمكنوا من الفوز بانتخابات حاسمة من دون دعم قوي ومباشر من ترمب، مثل غلين يونغكين الذي فاز بمنصب حاكم ولاية فرجينيا في نوفمبر الماضي، يرون الآن أن "الترمبية" هي الوسيلة الوحيدة المتاحة لتعزيز مصالحهم.

ولهذا فإن أي أمل ولو ضئيل في تجديد الحزب الجمهوري، سيكون أقل احتمالاً أن ينبع من المحافظين الذين وقفوا في وجه ترمب، بينما ستكون نسبة التأثير أكبر نسبياً من هؤلاء الذين مكنوه ووقفوا في ظله، لكنهم لا يشاركونه تشويه الواقع ولا يؤيدون اعتقاده بأن النتيجة المشروعة الوحيدة للانتخابات هي النتيجة التي يفوز فيها.

عودة ترمب

ومع ذلك، تبدو احتمالية تجديد الحزب ضئيلة في الوقت الراهن، مع استمرار شعبيته الجارفة بين المحافظين والجمهوريين، ولو قرر ترمب في النهاية أن يخوض انتخابات الرئاسة بخاصة إذا استعاد المرشحون الجمهوريون الذين يدعمهم السيطرة على الكونغرس، فسوف يفوز بترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة في عام 2024، ولن يكون بمقدور أي خصم كسر هيمنته، ولن تمنع محاولات مقاضاته عزمه على الترشح، بل سيضاعف ذلك من إرادته لاستعادة السلطة.

ومع تغير ميزان القوى، من المرجح أن يختلف الأمر كثيراً بعد إغلاق صناديق الاقتراع في الخامس من نوفمبر عام 2024، فإذا خسر الانتخابات وهو بعيد عن السلطة التنفيذية، فإن محاولته الانقلاب للمرة الثانية ستكون مختلفة عن الأولى، إذ ترى صحيفة "ذا أتلانتيك"، أنه سوف يعتمد على تغيير نتيجة الانتخابات أكثر من العنف، عبر التخلص من آلاف أو ملايين الأصوات في الولايات التي يسيطر جمهوريون على مجالسها التشريعية، لتحقيق التأثير المطلوب، ومن ثم يصبح الفائز هو الخاسر، والخاسر هو الرئيس المنتخب، ومن خلف ترمب ستكون هناك أول حركة سياسية جماهيرية أميركية مستعدة للقتال بأي وسيلة ضرورية، بما في ذلك إراقة الدماء، من أجل قضيتها بعدما اقتنعت بادعاءاته بأن الأعمال الأساسية للديمقراطية فاسدة، وأن الادعاءات المزيفة بالاحتيال صحيحة، وأن الغش وحده هو الذي يمكن أن يحبط فوزهم في الانتخابات، وأن العنف رد مشروع.

قد يكون هذا السيناريو الذي يروج له ليبراليون مبالغاً فيه، لكن احتمال حدوث انهيار ديمقراطي في الولايات المتحدة ليس بعيد المنال، لأن الأشخاص الذين يتوافر لديهم الدافع لتحقيق ذلك، يصنعون بالفعل الوسائل اللازمة لإنجاز أهدافهم.

المزيد من تقارير