Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خلافات اليسار التونسي تهدد بفرط كتلة الجبهة الشعبية في البرلمان

استقالة 9 نواب يساريين على خلفية الانقسام بين مرشحَين للرئاسة

قيادات الجبهة الشعبية في الذكرى السادسة لاغتيال شكري بلعيد (مواقع التواصل)

أودع ظهر الثلاثاء 28 مايو (أيار)، تسعة نواب من كتلة "الجبهة الشعبية" اليسارية في مجلس نواب الشعب التونسي، استقالاتهم لدى مكتب المجلس إثر اجتماع للكتلة. وصرح النائب المستقيل من الكتلة عبد المؤمن بن عانس أن "الاستقالة هدفها الحفاظ على الجبهة وإصلاح الهياكل ورأب التصدعات بين المرشحين للرئاسة والتشريعية. وبيّن بن عانس أن "الاستقالات لن تصبح نافذة إلا بعد خمسة أيام" من تقديم مطلبهم، ما يعني أن كتلة الجبهة الشعبية لم تُحل بعد وأن هناك إمكان للتراجع عن الاستقالة.
وبخصوص الأسباب المباشرة للاستقالة، قال بن عانس إن "الخلافات التي مرت بها الجبهة في الفترة الأخيرة بخاصة تلك المتعلقة بالانتخابات التشريعية والرئاسية وتقييم أداء الجبهة فيها، تُعتبر من أهم الأسباب إضافةً إلى "سحب ترشيح النائب عن الجبهة منجي الرحوي عن طريق مجلس الأمناء عوض المجلس المركزي".
 

تشبث بالمواقف

 يُذكر أن الفصل 38 من النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب ينصّ على أن الاستقالة من الكتل النيابية لا تصبح نافذة إلا بعد خمسة أيام من إعلام موجّه إلى رئيس البرلمان، فيما ينصّ الفصل 34 على أنه يحق لكل سبعة أعضاء أو أكثر تكوين كتلة نيابية. 
وتفاقمت الأزمة بعد الجدل الواسع الذي اندلع داخل الجبهة الشعبية وخارجها على خلفية التشبّث بترشيح منجي الرحوي للانتخابات الرئاسية المتوقع إجراؤها في العام الحالي من جهة، والتفاف عدد من مكونات الجبهة حول "حمّة الهمامي" كمرشح وحيد لا جدال فيه.
وكان عضو المجلس المركزي للجبهة الشعبية وأمين عام التيار الشعبي زهير حمدي قال إن "الإشكال متعلق بالانتخابات الرئاسية ويتمثل في تمسك شِق من مكونات الجبهة بترشيح حمة الهمامي للرئاسة واختيار شق آخر ترشيح منجي الرحوي".
من جهة أخرى، اعتبر النائب المستقيل هيكل بلقاسم عضو كتلة الجبهة الشعبية في البرلمان أن "استقالة تسعة نواب من كتلة الجبهة الشعبية في هذا الوقت بالذات، تهدف إلى التعبير عن موقف صارم وإلى إحداث صدمة إيجابية يُفتح إثرها حوار جدي في صلب ائتلاف الجبهة"، موضحاً أن "هذه الاستقالات سببها الأزمة الحاصلة في الجبهة على مستوى آليات اتخاذ القرار". وأضاف بلقاسم أن "نواب الجبهة طلبوا في ثلاث مراسلات رسمية لقاءً عاجلاً مع مجلس الأمناء والناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية، حمة الهمامي، من أجل الحوار حول المرحلة المقبلة والاستحقاقات الانتخابية التي سيتوجب على الجبهة أن تواجهها، حتى تكون أكثر تماسكاً، غير أنه لم يتم الرد على تلك المراسلات".
وأقرّ "حزب الطليعة العربي الديمقراطي"، استقالة أحد قيادييه، النائب أحمد الصديق من رئاسة كتلة "الجبهة الشعبية"، وذلك "بسبب استحالة استمراره في الاضطلاع بدوره نتيجة ما وصل إليه الأمر داخل الجبهة الشعبية وانعكاس ذلك على الكتلة".
ودعا الحزب في بيان صدر الأربعاء، المجلس المركزي للجبهة إلى الانعقاد في أقرب وقت لفض الخلافات القائمة، مشدداً على أن "الاستقالة التي أودعها نواب كتلة الجبهة الشعبية لدى مجلس نواب الشعب لا تساعد على حل الأزمة"، داعياً إلى "العدول عنها والجلوس مجدداً إلى طاولة الحوار ليتحمل الجميع مسؤولية إنجاحه أو فشله".
كما دعا الحزب، الناطق الرسمي باسم "الجبهة الشعبية" حمة الهمامي إلى الاضطلاع بدوره في الحفاظ على وحدة الجبهة.

 

الركض وراء الزعامات

يبدو أن الوحدة وتوسيع جبهة اليسار التونسي وفق آراء مراقبين انعكسا عليها سلباً، بسبب الساعين خلف الزعامات وعدم القيام بالنقد والتقييم الداخلي والوقوف على الثغرات بخاصة بعد الانتخابات البلدية الأخيرة.
وليست تلك المرة الأولى التي يدعو فيها الرحوي ومن ورائه حزبه "الوطد" إلى ضرورة تغيير منهج عمل "الجبهة الشعبية" لضمان بقائها في المشهد السياسي، وبالتالي ضمن المشهد البرلماني، بل تكرّرت هذه الدعوات في مناسبات عدة منذ العام 2015 حين كان الصراع داخلياً لم يتجاوز مكاتب الجبهة ليصبح اليوم معلناً عبر استقالات قد تعصف بمستقبل الائتلاف اليساري، ما يطرح تساؤلاً حول وحدة اليسار التونسي بعد سنوات من التشتت.
 
الإنجاز التاريخي
 
في السياق، قال أستاذ التاريخ المعاصر في الجامعة التونسية الدكتور عبد الجليل بوقرة إن "اليسار التونسي سواء كان اليسار الاشتراكي أو اليسار القومي حقّق انجازاً كبيراً في مساره عندما توّحد في الجبهة الشعبية"، معتقداً أنه "أهم إنجاز تاريخي لليسار في تونس". إلا أنه يرى أن "هذا التيار السياسي والفكري ظلّ يعاني سنوات طويلة من مشكل كبير وهو مشكل التشّتت والانقسام والصراع". وأضاف بوقرّة "لا ننسى أنه عندما ظهر اليسار الجديد في العام 1963 مع حركة "بارسبكتيف" كان الهدف الأول لهذه الحركة توحيد اليسار التونسي بحيث ظلّ هذا الحلم قائماً حوالى نصف قرن ويبدو أن اليسار لم يستطع تجاوز إنجاز الوحدة. إذ أنه لم ينتشر في البلاد ويتمدّد كما كان يدعو إلى ذلك الشهيد شكري بلعيد أحد أهم مؤسسي الجبهة الشعبية ولم يركّز مكاتب جهوية ولم يستطع ابتكار آليات للعمل الحزبي والسياسي الميداني كما هو الشأن بالنسبة إلى بقية الأحزاب السياسية".
وتابع بوقرة قائلاً "لاحظنا بدايةً شروخاً في صيف العام 2015 عندما رفضت الجبهة السماح لمنجي الرحوي بالمشاركة في حكومة يوسف الشاهد، بعدما سبق لها أن رفضت السماح لزياد لخضر بتولي رئاسة مجلس النواب بالتحالف مع حزب نداء تونس".

الطريق الثالث

 

وتُعدّ "الجبهة الشعبية" ائتلافاً سياسياً تونسياً يضم ثلة أحزاب يسارية وقومية وبعض المستقلين، تأسس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2012 خلال اجتماع شعبي في قصر المؤتمرات في العاصمة التونسية. وأُسندت مهمة الناطق باسمها إلى الأمين العام لحزب العمال حمّة الهمامي.
وجمعت الجبهة عند تأسيسها عشرة أحزاب يسارية التوجه هي "حزب العمال"، و"حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد"، و"حزب القطب"، و"حركة البعث"، و"حزب الطليعة العربي الديمقراطي"، و"حزب النضال التقدمي"، و"الحزب الوطني الاشتراكي الثوري"، و"رابطة اليسار العمالي"، و"حزب تونس الخضراء"، و"الحزب الشعبي للحرية والتقدم"، إضافة إلى جمعيات وأشخاص مستقلين.
وتقدم الجبهة الشعبية نفسها باعتبارها تمثل طريقاً ثالثاً في مواجهة الاستقطاب الثنائي بين حزبَي "حركة النهضة" الإسلامية وحركة "نداء تونس" التي يعتبرونها من صلب حزب التجمع المنحل الذي كان يرأسه الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

المزيد من العالم العربي