الرسام خوان ميرو يغزو نيويورك... بجمالياته الهيروغليفية

معرض استعادي ضخم يقيمه متحف موما

من لوحات ميرو في متحف موما الاميركي (اندبندنت عربية)

في المشهد التشكيلي للقرن العشرين، وحده الفنان خوان ميرو (1893 ــ 1983) قادر على منافسة مواطنه الكتالوني بيكاسو، سواء بغنى إنجازاته أو بامتدادها على نحو قرنٍ من الزمن أو باختلافها المدهش من عقدٍ إلى آخر. ومع أن الاثنين يتمتّعان اليوم بالقدر نفسه من الشهرة العالمية، إلا إن المقارنة بينهما تتوقف عند هذا الحد لاختلاف ميرو عن بيكاسو وسائر فناني عصره بمسعاه الشعري ولغته الصورية التي بقيت لغة رسامٍ شاعر قبل أي شيء.

ولكشف هذا الخيط الشعري الموجه لعمله، ينظّم متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) معرضاً مثيراً لهذا العملاق يحمل عنوان "ميرو، ولادة العالم" (يستمر حى 15 يونيو (حزيران) ويتضمّن عشرات اللوحات والرسوم والملصقات والمنحوتات والكتب المزيّنة بالصور التي تغطّي كافة المراحل التي عبرها بفنه، مع التركيز على المرحلة السورّيالية التي قرّر خلالها "العيش كشاعر" خلال عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، والمرحلة التالية التي انطلقت بعد الحرب العالمية الثانية وابتكر خلالها عالما مذهلاَ من الألوان النيّرة والخطوط الحرّة التي جسد بواسطتها أحلامه وهواجسه.

قبل هاتين المرحلتين، تأثّر المراهق ميرو بإرث الرسامين الانطباعيين والتوحّشيين والتكعيبيين والمستقبليين، ضمن سعي إلى تشييد حداثته الخاصة التي تغذّت بدايةً من الطبيعة البدائية الصامتة التي اختبرها في طفولته في مقاطعة كاتالونيا الإسبانية، ثم من صخب مدينة برشلونة المنخرطة آنذاك في زمنها. أفقان متناقضان حافظ الفنان عليهما طوال حياته وعرف كيف يصالحهما ويستمد منهما مادة فنّه فصقلا هويته الفريدة كمبدع.

ومنذ تلك الفترة، شكّل الشعر جزءاً مهماً من كينونته وشغفاً تبلور إثر معاشرته المبكرة للشعراء الكاتالونيين الطلائعيين، مثل جوزيب ماريا جونوا وميغيل مارتي أي بول وخوان سالفات باباسيت، وإثر قراءته رامبو ومالارميه ولوتريامون وأبولينر واطّلاعه على أحدث الاختبارات الشعرية في عصره. وحين وصل إلى باريس عام 1920، تصادق أيضاً مع شعراء وفنانين كبار مثل أندريه ماسون وبيار ريفيردي وتريستان تزارا وماكس جاكوب، قبل أن يتقرّب من وجوه الحركة السورّيالية. وحول تلك المرحلة، كتب: "في كل ما كنتُ أحققه، لقيتُ تشجيعاً من أصدقائي، ومع هؤلاء الأشخاص الذين كانوا مثل أخوة لي، تخلّصتُ من أي تأثير تشكيلي وقطعتُ صلاتي بالواقعية وعملتُ ضمن احتقارٍ مطلق لفن الرسم".

وفعلاً، بفضل بروتون ومجموعته، اقتنع ميرو بضرورة "اغتيال فن الرسم" وتجاوز الهاجس الجمالي لبلوغ شعرية منبثقة من الأحلام والعلامات وسلطة اللاوعي والمصادفات. وفي هذا السياق، أنجز أعمالاً تتميّز بجانبٍ تجريدي، علماً أنه نظر إليها كتعبير عن واقع ذهني ملموس، كما بدأ مسيرته الكتابية عبر إدخاله في البداية حروفاً وكلمات على لوحاته، أو عبر منح بعض لوحاته عناوين طويلة تشبه الأبيات الشعرية وغنية بالاستعارات، قبل أن يخطّ نصوصاً شعرية طويلة قلبت عمله القائم على كوكبة من العلامات والصور في اتجاه اللغة الصرفة، وتذكّرنا في فيض كلماتها وصورها بالقصائد التي كتبها روبير ديسنوس وبنجامين بيريه قبله.

مسار ومراحل

وتجدر الإشارة هنا إلى أن ميرو، في جميع مراحل مسيرته الفنية، أثبت عن استقلالية فكرية نأت به عن جميع العقائد والتيارات الفنية، مهما بدا قريباً أحياناً من بعضها. فعلى رغم روابطه الوثيقة بالسورّيالية، لم يتبع جميع أفكارها وطروحاتها، وهو ما عرّضه مراراً للّوم من قبل بروتون الذي أقرّ، مع ذلك، بأن عمل صديقه "يشهد على حرّية لم يتجاوزها أحد". وفي الواقع، لم يكن ميرو يوماً عضواً فاعلاً داخل هذه الحركة، رغم مشاركته في العديد من معارضها الجماعية وحضوره في جميع الكتب والأبحاث المرصودة للفن السورّيالي. وما يفسّر شغف السورّياليين بفنه هو استسلامه كلّياً في عمله لتلك العفوية الغالية على قلوبهم والتي أنجبت داخل لوحاته ورسومه أشكالاً بسيطة، عضوية أو هندسية، ورؤيةً غنائية بقدر ما هي حُلُمية.

لكن جمالية ميرو ما لبثت أن تجاوزت الجمالية السورّيالية بتوقها الثابت إلى ليس أقل من معانقة الكون. ويتجلى ذلك بقوة في سلسلة "كوكبات" التي أنجزها بين عامَي 1939 و1941 وتشكّل محاولات هروبٍ من الواقع داخل نغم العلامات الصافية، وفي لوحات فترة السبعينات التي تستحضر خوارط فلكية. أعمال تعمّق الفنان فيها، بين حلمٍ وهلوسة، بعالمه الأسطوري الخاص الذي يتمتّع بطابع قدسي وهالةِ حضارةٍ قديمة، فابتكر لغةً جديدة كونية لم تفارقه حتى وفاته، لغةٌ يتحاور بواسطتها النجم والحشرة، الثعبان والعندليب، الحجر والمذنَّب، الأشكال المصوَّرة والأشكال المجرَّدة.

وفي عمله هذا، أخذ الفنان الواقع كنقطة انطلاق ثم سار كبهلوانٍ داخل فضاء العلامات، مهذّباً إياها ومعيداً تشكيلها وهندستها لبلوغ مفردات شعرية خاصة مؤلفة من أشكال صغيرة عضوية: عين، عصفور، امرأة، ومن رموز تشبه الأبجدية الهيروغليفية. مفردات ستتواتر في جميع لوحاته اللاحقة وتصبح مع الوقت صعبة القراءة. ومع أن دورها أو معناها يتغيّر أحياناً، إلا أنها لا تحضر أبداُ بطريقة مجانية أو عبثية، بل تقودنا دائماً إلى طبقاتٍ بدائية عميقة في شخصية مبتكرها، وإلى تمثّلات داخلية لا تستثني البعد الروحي. وحول هذه الأعمال، قال ميرو: "نجد غالباً نجوماً في لوحاتي لأنني أتنزّه غالباً خلال الليل وأحلم بسماواتٍ منجَّمة وكوكبات. سلّم الهروب هذا الذي يشكّل مصدر دهشة دائمة لي، وأُبرّزه بلا انقطاع في عملي، يمثّل رغبتي الشديدة في مغادرة الأرض والتحليق نحو السماء، نحو اللامنتاهي". لامتناهٍ قاده إلى تلخيص مسعاه الفني على النحو الآتي: "ما أبحث عنه هو الحركة الثابتة، شيءٌ معادلٌ لبلاغة الصمت".

ولأن الفنان مارس أيضاً فن النحت منذ بداية الأربعينات، دائماً من منطلق شعري، يكشف معرضه الحالي عن مجموعة منحوتات تمثّل النموذَجين الحاضرَين في عمله، أي المنحوتة السورّيالية المركبة من أشياء وقطع خردة أعيد توظيفها وفقاً لما يوحي شكلها به، والمنحوتة التي رصدها لتجسيد شخصياته الأسطورية واللازمنية. أعمال تعكس افتتانه منذ بداية مسيرته بالأشياء المصنّعة بطريقةٍ حرَفية أو بتلك التي كان يعثر عليها بالصدفة ويجمعها في محترفه لإيمانه، مثل بروتون، بسلطتها الحُلُمية. وحولها، كتب: "أشعر بقوة مغناطيسية تجذبني إلى أشياء معينة لا يكترث لها أحد، ما أن أضعها في اتصال مع بعضها بعضاً حتى تحدث صدمات شعرية".

ولا يُهمل المعرض نشاطات ميرو الفنية الأخرى التي تعكس بوضوحٍ ميوله الشعرية، وخصوصاً عمله في مجال تزيين الدواوين الشعرية بتقنيات رسومية مختلفة. عملٌ بدأه داخل كتب أصدقائه السورياليين، قبل أن يشمل دواوين رامبو ولوتريامون وجاك بريفير وأندريه بيار دو مانديارغ... واللائحة تتجاوز ٢٥٠ كتاباً. وفي نشاطه هذا، ذهب أبعد بكثير مما هو مطلوب من رسامٍ مزيّن للكتب، لغوصه في معنى القصائد والكلمات ومحاورته العميقة لها بهدف إيصال للقارئ متعته الخاصة بها.

المزيد من ثقافة