Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الكويتية بثينة العيسى تسرد مأساة الاحتلال على ضوء كورونا

"السندباد الأعمى" رواية ترصد أعطاب النفس البشرية والانفصام

الروائية الكويتية بثينة العيسى (دار تكوين)

حظيت شخصية السندباد البحري بشهرتها، كشخصية أسطورية من تراث "ألف ليلة وليلة". وقيل إنها شخصية حقيقية، لتاجر عاش في بغداد، خلال عصر الخليفة العباسي هارون الرشيد. وبعد قرون عديدة من ذلك العصر، ظهر أحفاد السندباد، الذين ورثوا هويته العربية، لكنهم لم يرثوا بصره ولا بصيرته، وإنما كانوا عمياناً؛ رصدتهم عين الكاتبة بثينة العيسى، في روايتها "السندباد الأعمى: أطلس البحر والحرب" (منشورات تكوين ودار مرايا).

استهلت الكاتبة نسيجها ببيت للشاعر الأندلسي التطيلي الأعمى: "فانظر بعقلك إن العين كاذبة/ واسمع بقلبك إن السمع خوان"، كتوطئة للأحداث ولإجمال الرؤية الرئيسة التي تدور في فلكها؛ وهي أن ما تبصره العين ليس بالضرورة الحقيقة كاملة، وإنما هو– في أغلب الوقت- بعضها وحسب.

تبدأ الأحداث في عام 1990 عندما قام الرئيس العراقي صدام حسين بغزو دولة الكويت واحتلالها، ما أسفر عن حالة من التخبط والفوضى، استفاد منها كويتيون محكومون بالسجن، فروا من زنزاناتهم. وكان نواف (أحد الشخوص المحورية في النص)، واحداً من أولئك المحكومين، الذين استفادوا من تلك الفوضى.

مفارقات زمنية

يعود صوت السرد (الراوي العليم)، إلى ما قبل الغزو بعام واحد، مستخدماً تقنية "الفلاش باك"، ليفسر سبب وجود "نواف" في السجن، مرتداً إلى مشهد كان فيه سعيداً بين عائلته ومع صديق عمره "عامر"... حتى ذلك الليل، الذي تآمر فيه الكون، واجتمعت الأسباب، لبعث شعور موؤود، ولحظة ضعف، تصنف في اللغة كأحد مرادفات الخيانة، ثم أعقبتها القيامة.

رجلان وامرأة هما الأضلاع الثلاثة في مثلث الخيانة، لكن صوت السرد ظل على مسافة واحدة من كل الشخوص. وبدأ في تشريح لحظة الضعف، التي أسفرت عن مقتل الزوجة، وسجن الزوج، وضياع الابنة، وفرار الصديق؛ تشريحاً بات من الصعب معه لوم أحدهم دون الآخر، أو التعاطف مع أيهم وكراهية البقية. لكن سؤالاً واحداً ظل يتكرر طيلة النص ضمناً تارة وتارة تصريحاً: إذا كان القتل مبرراً؛ فلم لا تكون الخيانة مثله مبررة؟!

مضى السرد في فضاءات زمنية متنوعة. واعتمدت الكاتبة نسقاً يجمع بين التدفق الأفقي والمنطقي للأحداث، وكذا الاسترجاع والاستباقات. ورغم هذا المزيج من الحيل والمفارقات الزمنية؛ احتفظ السرد بانسيابيته وسلاسة تدفق الأحداث، التي دار أغلبها أثناء احتلال العراق للكويت، في حين دار الجزء الثاني منها، خلال اللحظة الراهنة، التي تواكب ظهور فيروس كورونا وتفشيه، وما تبعه من إغلاق وتباعد اجتماعي. وهكذا كان استخدام العيسى للحرب والوباء كخلفية للأحداث دالاً على واقعية السرد. وقد عززت هذه الواقعية باستخدامها تقنية التكرار عند الإشارة إلى أسماء شخوصها بعبارة "وليكن اسمه...، وليكن اسمها"، لتأكيد صدقية الحدث، التي تستوجب إنتاج أسماء متخيلة. وعادت لتأكيد هذا المغزى في نهاية الرواية برسالة أرسلتها إلى إحداهن، تخبرها أن الرواية تجيب على سؤالها، الذي تجاوز عمره ثلاثين عاماً، حول اختفاء أخيها... "لا بد أنك وقد قرأت صرت تعرفين الآن بأن اسمي ليس مناير، كما أن اسمك ليس فاطمة، وما من اسم هنا كما هو في الواقع، وهذا نوع من قلة الحيلة كما تعرفين. أعلم أنك تريدين معرفة ما حل بأخيك، وأعتقد أني كتبت رواية كي أجيب عن سؤالك" ص 327.

موروث سلبي

بدأت الكاتبة رحلتها بما يشبه لطمة على الوجه، باستدعائها بعض الموروث الثقافي السلبي، القائم على التفرقة والتعصب والتقسيم. وبنت على هذا الموروث كل أحداث الرواية. فبدا صمت الأب الذي يعني رفضه زواج ابنه من المرأة التي أحبها، بسبب اختلاف مذهب كل منهما عن الآخر (سني- شيعي)؛ وكأنه مستصغر الشرر، الذي تسبب في الحريق الكبير. والمقدمة التي قادت إلى نتاج مأساوي، من القتل المادي والمعنوي. ولم تكن العرقية والانقسامات المبنية على أسس مذهبية؛ القضية الوحيدة التي رصدتها الكاتبة. وإنما تطرقت إلى قضايا أخرى تمس الواقع السياسي العربي، وهشاشة فكرة القومية العربية، عدم الاصطفاف وغياب الجدوى، وجود قواعد أميركية في منطقة الخليج، غياب مناخ الحرية ما جعل من المستحيل مناقشة المشكلات الداخلية، والمعارضة الهزيلة التي تطرح نفسها كلافتة احتجاج لا كمشروع بديل. ولم تقف الكاتبة عند حدود القضايا السياسية، بل اخترقت قضايا إنسانية أخرى، على الدرجة نفسها من الخطورة، تتصل بالفجوة بين الآباء والأبناء، وكيف يلحق الآباء بأبنائهم تلفاً لا يمكن إصلاحه أو تجاوزه أو القفز عليه؛ فيصبحون الجناة الحقيقيين والمسؤولين عما يتجرعه الأبناء من ألم؛ تكبده "عامر"، و"مناير"، والطفلة "هدى".

الكيل بمكيالين

تعرضت الكاتبة لقضية كيل المجتمع بمكيالين، عند محاكمة الرجل والمرأة على الخطأ ذاته. فبينما يصبح فعل القتل عادياً، إذا سقطت المرأة فريسة للحظة ضعف، أقل من أن توصف بالخيانة الكاملة، وإن دفعتها الأسباب دفعاً نحوها. لا يلقى الرجل المصير نفسه، إذا وقع في الخطيئة نفسها، أو أعظم منها. وإنما تلام المرأة أيضاً، ووحدها تدفع الثمن... "ما زال يذكر كلامها، بعد أن أصبحت قادرة على الكلام، لو عكسنا المشهد، لو كنت الذي رآني بين ذراعي آخر، كنت الآن ميتة. أنا أعرف ما أقول" ص 288.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مزيد من القضايا الإنسانية تطرقت لها العيسي، من بينها الشيزوفرنيا الأخلاقية، التي جعلت الرئيس السابق صدام حسين يأمر بقتل من يقوم بالسرقة فيمتثل جنوده لتعليماته، ويقومون بقتل ثلاثة من جنود الجيش الشعبي، أثناء سرقتهم بعض كراتين العصير، ثم يقومون بعد قتلهم بسرقة الكراتين نفسها. تكررت الشيزوفرنيا نفسها مرات عديدة. وجعلت "نواف" يقوم بالقتل، بدافع الشرف والثأر للفضيلة، بينما كان يضاجع النساء قبل الحادث وبعده، رغم أنف الفضيلة نفسها.

انتصرت الكاتبة عبر كل ما ساقته من أحداث للنفس الإنسانية المجبولة على الخطأ، والتي قد ترتكب الفظائع من دون أن تكون سيئة، وانحازت لضعفها وهشاشتها. ومررت رفضاً ضمنياً للقتل وإراقة الدم تحت أي مسمى وأي شعار.

أجناس أدبية متداخلة

استدعت الكاتبة التراث الكويتي، في غير موضع من النسيج. فرصدت بعض العادات الكويتية في مواقف متفرقة، منها منع النفساء من أن ترتشف قطرة ماء لمدة أيام. وألا تأكل الدجاج وتكتفي فقط- بعد أيام من الولادة- باستنشاق رائحته. وأن تلف بطنها، وأيضاً أن تقف فوق قشور البصل المحروق. كذلك رصدت بعض الأكلات المحلية "الدقوس". ووثقت الزي التقليدي الكويتي "شماغ الكتف". ومن الفن الكويتي استدعت نماذج من "العدنيات". ودفعت بأبرز أسماء منشديها. فمزجت باستدعائها بين أجناس أدبية متنوعة. وأضفت عبرها مزيداً من الجمالية على النص. كما أنها وظفتها في خدمة التطور الدرامي للأحداث، وبلوغ ذروتها. مثل ما حدث في لقاء "عامر" و"نادية"، الذي اشتعلت على إثره الأحداث. وانقلب بعده العالم رأساً على عقب... "كل بيت يجره لما بعده، كل شطر يشده من أذنيه ليقول كل الأشياء. أميرة الحسن إني مغرم دنف/ هلا رحمت محباً فيك قد تاه؟ أصابعه تلتهب بالنغم؛ الله يا عاشق النغم، الله يا محمد جمعة خان، يا كرامة مرسال، يا حمد سنان. ورغم أن خططه كانت تقتضي أن يطأطئ ويتلقى توبيخها وسبابها ثم يعيدها إلى صاحبه، زوجة صالحة لم تمس، إلا أنه فوجئ بتصدعاته الداخلية" ص 68- ص 69.

مفارقات نفسية

استخدمت الكاتبة لغة بصرية نفذت من خلالها إلى الأماكن البعيدة في النفس. وجسدت عبرها كل ما لا تستطيع العين إدراكه، من شعور الشخوص. فكانت لغتها جسراً؛ نقلت عبره قارئها بسلاسة، إلى الحالة الوجدانية لشخوصها. ودفعته لمشاركتهم شعورهم بالحب، الصدمة، الفرح، الألم، الخوف، الفقد، والضياع.

لجأت العيسى إلى تقنية الحذف للإسراع بالسرد. فربطت بين زمنين متباعدين "زمن الحرب" و"زمن الوباء"، بينما حذفت المسافة الزمنية بينهما "ثلاثين عاماً". لكنها في الوقت نفسه عمدت أحياناً إلى الإبطاء من إيقاع السرد، من خلال الاستراحات الوصفية، والوقفات الحوارية، التي عززت أيضاً من صدقية وواقعية الأحداث. وساعدت على زيادة الإيهام بحدوثها من جديد.

كذلك استخدمت التناص الديني المباشر وغير المباشر بكثافة. واتكأت على كثير من التناظر؛ إمعاناً في تقريب الصورة، وتجسيد الأحداث. فاستدعت التماثل بين شخصية "نواف" وصدام حسين، وإصرار كل منهما على ألا يتراجع قبل أن يدمر كل شيء. كذلك جسدت تماثلاً في اختناق الصدر والعجز أمام الكرب، بين "عامر" عندما زج به في المشاتل (سجن الاحتلال العراقي في الكويت)، والنبي يونس، عليه السلام، عندما كان حبيساً في بطن الحوت.

بدا عبر السرد ما أرادته الكاتبة، من اختراق عوالم الشخوص الداخلية. وما رسمته من ظلال نفسية، في خلفية الأحداث. فالطفلة التي فقدت أمها وأهملها أبوها؛ ورثت عطباً نفسياً، بدأ بالتبول اللاإرادي في طفولتها. واستمر العطب في صور أخرى في شبابها، منها كرب ما بعد الصدمة الذي نال من علاقتها بزوجها. ومررت الكاتبة عبر ذلك حقيقة مفادها؛ أن أعطاب النفس تبدأ في الطفولة وتستمر استمرار الحياة. وأنها حتماً تخلق شعوراً ملحاً لدى الضحية؛ بالحاجة إلى لوم أحد، والحصول على صك شرعية ومبرراً لما عاشته من ألم.

ظلال أخرى بدت في رحلة السرد لا سيما السياسية. أبرزت عبرها الكاتبة فظائع الحروب وعبثيتها، والثمن الباهظ الذي دفعته المنطقة بأكملها، مقابل حماقة الثاني من أغسطس (آب) 1990.

المزيد من ثقافة