Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف شق شاب "الديليفري" طريقه إلينا؟

اختراع التلفزيون ووصوله إلى كل منزل أميركي في خمسينيات القرن العشرين كان سبباً في انتشار "توصيل الطلبات"

يحرص عمال "الديليفري" على اتباع الاشتراطات الصحية في زمن كورونا (أ ف ب)

بسبب جائحة كورونا المستمرة في العالم، أو بسبب تطور خدمات وسائل الاتصال وسهولتها، أو لاجتماع السببين معاً، بات شاب "الديليفري" صديقنا اليومي. ففي النهار الواحد تصل إلى جميع مستخدمي شبكات التواصل مئات الرسائل عن توصيل البضائع المختلفة إلى المنزل وبكلفة بسيطة. وعلى رأس تلك البضائع أو الحاجات يأتي الطعام الجاهز.

كان المكوث في المنزل بسبب الحجر الصحي الكوروني، أو لأسباب اقتصادية مستجدة أو لظروف العمل المنزلي عن بُعد، سبباً في جعل طلب الطعام إلى المنزل أمراً شبه روتيني لدى العائلات الشابة المعاصرة، لأن كلفة الطعام المطلوب باتت أقل من تحضيرها في المنزل بمعظم الدول التي تمر بضائقة اقتصادية.

 وعلى الرغم من بقاء الطعام في أعلى لائحة المطلوب توصيله إلى المنزل فإن هناك أيضاً الملابس والأحذية والكتب والأدوات المنزلية وغيرها الكثير من المنتجات، وهنا لا نتحدث عن الشركات العالمية الكبرى كـ"علي إكسبرس" أو "فيديكس" أو "دي أتش أل" أو "أمازون"، التي تقوم بهذا النوع من الأعمال منذ زمن بعيد، إنما عن أخرى صغيرة ظهرت بالمدن والأحياء في أنحاء العالم تقدم هذه الخدمات السريعة لمن يطلبها بسهولة عبر تطبيقات "واتساب" أو "فيسبوك" أو "تويتر" أو "إنستغرام" أو غيرها من المواقع والتطبيقات المتخصصة، حتى إن شركات توصيل الطعام نشأت في ظل هذه الأزمة وافتتحت فروعها في أنحاء العالم ومنها "زاماتو".

البيتزا في المقدمة

في تحقيق تحت عنوان "تاريخ توصيل الطعام" على موقع grubtech، يوضح لنا "كيف انتقلنا من زراعة المكونات وطهي الطعام بأنفسنا إلى طلب حتى أبسط الأشياء حتى أبوابنا، مثل القهوة. نحن كبشر نتكيف مع الراحة بسهولة شديدة وندفع الحدود لنرى إلى أي مدى يمكننا أن نأخذ راحتنا، بمساعدة التكنولوجيا والخيال".

بدأ توصيل الطعام في الولايات المتحدة مع البيتزا، حتى ارتبط أحدهما بالآخر لمدة طويلة، أي إن شاب الديليفري يوصل البيتزا تحديداً، وبدأ الأمر بالتوصيل بواسطة السيارة وانتقل إلى الدراجات النارية والروبوتات والطائرات من دون طيار، وبدأ عبر الهاتف الثابت ومن ثم إلى الهاتف النقال ومن بعدها إلى كل شيء حتى "تويتر" و"واتساب". ولم تعد هناك حدود لما يمكنك أن تطلبه في هذه الأيام بما في ذلك نظام غذائي خاص للأشخاص الذين يتبعون نظاماً غذائياً معيناً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويُعتقد أن أول تسليم مسجل للطعام وقع في نابولي الإيطالية لأنواع من البيتزا عام 1889، طلبها الملك أمبرتو الأول والملكة مارغريتا حين أرادا تجربة ما يأكله عامة الناس. وكانت بيتزا من عند صانع البيتزا الشهير رافاييل إسبوزيتو. وهكذا ظهرت بيتزا "مارغريت" التي تحتوي على الكثير من جبنة موتزاريلا والطماطم وأوراق الريحان الطازجة، التي تشكل بألوانها معاً العلم الإيطالي. وسمى إسبوزيتو تلك البيتزا باسم الملكة التي أحبتها بشدة بعدما كانت قد سئمت من الطعام الفرنسي الذي كان أساس مائدة أمراء وأميرات أوروبا في ذلك الزمن.

وكشفت الحفريات أخيراً في مدينة مومباي الراكدة تحت رماد بركان فيزوف، عما يدل على وجود المطاعم التي تقدم الطعام للمارة، وما يدل على توصيلها الطعام إلى المنازل أيضاً. وبحسب تحقيق في موقع هيستوري الأميركي المتخصص في البحوث التاريخية، "فإن مفهوم خدمة توصيل الطعام يعود إلى روما القديمة في أوائل 753 قبل الميلاد، فقد أحب الرومان القدماء مفهوم وجبات المطاعم بقدر ما نحبها في هذا العصر. وقدمتها المطاعم على منضدة من أوانٍ فخارية تحافظ على الطعام ساخناً إلى حين وصوله إلى طالبه".

التلفزيون سبب "الديليفري"

أصبح مفهوم خدمة توصيل الوجبات السريعة شائعاً للغاية خلال الخمسينيات من القرن الماضي. يرجع ذلك إلى أن معظم العائلات تفضل الذهاب إلى المنزل لتناول العشاء وأن كل عائلة تقريباً لديها تلفزيون في المنزل. ويفضل معظمها تناول الوجبات أثناء مشاهدة البرامج التلفزيونية المفضلة، مما يؤدي إلى انخفاض حاد في عدد العملاء بالمطاعم. وعززت مطاعم الوجبات السريعة أعمالها من خلال نشر إعلاناتها على التلفزيون، مما قدم مفهوم طلب الوجبات السريعة من المنزل وخدمة توصيل الوجبات السريعة.

نهاية القرن التاسع عشر والهند لا تزال تحت هيمنة العرش الملكي البريطاني، كان العمران في المدن الهندية يشهد نمواً كبيراً، وارتفع عدد العمال في المشاريع، وكان على هؤلاء الحصول على طعامهم طيلة نهار العمل، فظهر رجال التوصيل وكانوا يسمون "الشخص الذي يحمل صندوقاً" لإحضار وجبات ساخنة من المنازل والمطاعم إلى حيث يوجد هؤلاء العمال، وكان على شباب "الديليفري" الهنود العودة لجمع الأطباق الفارغة بعد الظهر.

وما زال حاملو الصناديق الخشبية يقومون بعملهم هذا حتى اليوم في مدينة مومباي الهندية، وهي الآن رابع أكبر مدينة في العالم من حيث عدد السكان. وحتى اليوم لا يستخدمون الإنترنت أو هواتف محمولة. ووصفتهم مجلة "هارفارد بزنس ريفيو" بـ"رمز للمرونة والشجاعة".

وأشارت مجموعة أبحاث حول تاريخ "الديليفري" في العالم، الذي بدأ في الولايات المتحدة الأميركية، إلى "أن اختراع التلفزيون ووصوله إلى كل منزل أميركي في خمسينيات القرن العشرين كان سبباً أساسياً في تفتق أفكار أصحاب المطاعم لإيصال الطعام إلى المنازل. فالعائلات الأميركية التي كانت تمضي وقتاً طويلاً في المطاعم كواحدة من طرق الترفيه، انصرفت إلى غرف الجلوس في المنازل أمام شاشات التلفزيون التي شغف بها جميع أفراد العائلة وارتبطوا بأبطال المسلسلات والبرامج". وكانت الفكرة، تنطلق من مقولة "إذا لم يأتوا إليك اذهب إليهم". وبالفعل انطلق الأمر سريعاً في عالم التوصيل كموضة جديدة في حينه، وراجت الإعلانات في التلفزيونات عن هذه الخدمة وراحت المطاعم تتبارى في الدعاية لخدماتها السريعة، حتى انتهى الأمر إلى تنافس الشركات على مجانية التوصيل، الجملة الإعلانية البراقة في عالم توصيل الطعام.

ويعتقد بعض محللي ظاهرة مطاعم الأكل السريع التي نشطت في الثمانينيات أنها وليدة فكرة "الديليفري"، فسرعة الاستجابة لطلب الزبائن الكثيرين في وقت واحد عموماً، خلقت بنفسها أنواع الطعام التي تحضر بسرعة ويمكن أن تصل ساخنة إلى طالبها، من الهمبرغر إلى الدجاج "كنتاكي" إلى البيتزا والطعام الصيني الشهير كطعام للتوصيل في السينما الهوليوودية.

ثم ظهرت حقبة الطلبات عبر الإنترنت، وكانت مختلفة تماماً. لقد ظهر اقتصاد خاص بهذا العمل الجديد، وابتكرت المطاعم العالمية صفحاتها عبره وتطبيقاته الخاصة في الطلب عبر رسالة.

وكانت سلسلة مطاعم "دومينوز" السباقة في هذا المجال، واخترع مصمموها لغة كتابية من الرموز والأحرف والأرقام لكل طلب بذاته، ويكفي أن ترسل هذه الإشارات حتى يعرف موظفو الطلبات ما الطلب. ثم انتشرت هذه الوسائل في أنحاء العالم وانتقلت من عالم المطاعم العالمية المعروفة بمطاعم "فاست فود" إلى أسفل سلم المطاعم في الأحياء الصغيرة بالمدن المكتظة والصغيرة على السواء. وصار يطال كل أنواع الطعام وليس السريعة منها فقط. التطور الجديد في هذا النوع من الأعمال هو توصيل الطعام بواسطة طائرات الدرون والروبوتات، وقد بدأت شركة Yandex في استخدام الروبوتات لتوصيل الطعام وسط العاصمة الروسية موسكو، وهذه الدرونات والروبوتات على أهبة الانطلاق في سماء دبي نهاية هذا العام.