أول عملية زرع أعضاء في الجزائر... لكن المجتمع متحفظ

أجريت الجراحة في مستشفى ابن باديس في قسنطينة ونقلت الكلى والكبد إلى ثلاثة مرضى

عملية النزع المتعدد الأعضاء تأتي بعد أربع سنوات من المثابرة و28 محاولة (أ.ف.ب)

تجدّد النقاش حول زراعة الأعضاء في الجزائر بعد نجاح أطباء جزائريين قبل أيام في إنجاز أول عملية جراحية لنقل الأعضاء في مستشفى ابن باديس في قسنطينة، شرق العاصمة الجزائر، من متبرع مُتوف دماغياً في الخمسينيات من عمره.

واعتبر وزير الصحة الجزائري محمد ميراوي ذلك "إنجازاً عظيماً" تم في فترة قياسية عبر إجراء ثلاث عمليات زرع ناجحة لثلاث مرضى، كانوا في قائمة الانتظار. وقد أجرى عمليات نزع الأعضاء، التي استمرت 18 ساعة، طاقم طبي جزائري مُتعدد الاختصاصات ضم اختصاصيين في الجراحة وطب الأعصاب والطب الشرعي والتصوير الطبي.

وتأتي عملية النزع المتعدد الأعضاء (كلى وكبد) بعد أربع سنوات من المثابرة و28 محاولة.

شجاعة العائلة

أشاد الدكتور عمر بودهان، رئيس أطباء مصلحة الإنعاش الطبي في المركز الاستشفائي الجامعي بابن باديس، بالروح الإنسانية النبيلة لعائلة المتبرع عقب تعرضه لنزيف حاد على مستوى المخ، حيث دخل في حالة غيبوبة نتج منها موت دماغي. وقد تم نزع الكليتين والكبد وزراعتها لثلاثة أشخاص آخرين.

وعلمت "اندبندنت عربية" أن الوكالة الوطنية للأعضاء في الجزائر شرعت في جمع المعلومات عن الأشخاص، الذين أبدوا رغبتهم في التبرع بأعضائهم في حالة الوفاة، الذين حصلوا على بطاقة المتبرع. إذ ستقوم بتنظيم المرضى وفقاً لدرجة الأولوية الصحية. وتخضع عملية منح الأعضاء إلى انتقاء بيولوجي ومناعي، وفق كل حالة، ووفق توافق العضو المتبرع به مع المتلقي. وفي حال وجود العديد من المرشحين لاستقبال العضو يتم الانتقاء وفق سنوات الخضوع لغسل الكلى، وفي حال وجود أطفال فالأولوية تمنح إليهم.

خطوة جيدة... لكن

يرى عدد كبير من الأطباء أن النزع المتعدد للأعضاء يُنبئ "بمرحلة جديدة في مجال التبرع بالأعضاء انطلاقاً من أشخاص متوفين". وهذا ما ذهب إليه رئيس عمادة الأطباء الجزائريين محمد بقاط بركاني، الذي قال إن بلاده بحاجة إلى تطوير هذا المسعى لأن كثيراً من الأحياء ينتظرون الحصول على أعضاء تمنحهم حياة جديدة.

ونبّه بركاني إلى أن الجزائر قادرة على زراعة الكلى، بالنسبة إلى الأشخاص الذين يُعانون من قصور كلوي، غير أنه أبدى تحفظاً على عمليات زراعة الكبد التي لا تزال في بدايتها، باعتبار أن عملية النزع وإعادة الزرع تتطلبان تقنيات وكفاءات عالية وطاقماً طبياً مجنداً من دون انقطاع، لمرافقة المتبرع في كل المراحل.

وأبرز رئيس عمادة الأطباء الجزائريين تخوفه من السياسة غير المحكمة لوزارة الصحة. إذ لا تزال المنظومة الصحية للبلاد تُواجه مشاكل بالجملة. وهو ما جعل القطاع عرضة لانتقادات متتالية من طرف المواطنين، الذين لا ينظرون بعين الرضا إلى الخدمات الطبية.

ويستغرب بركاني "الخوف المجتمعي" من ملف زراعة الأعضاء، بداعي أن هذا الأمر حرام وغير جائز دينياً، داعياً إلى ضرورة العمل على برامج التوعية بالبعد الإنساني لعملية التبرع، خصوصاً زرع الكلى.

أرقام مخيفة

ووفق الأرقام الرسمية، تسجل الجزائر حوالى 25 ألف مريض بالقصور الكلوي، حوالى 16 ألفاً منهم ينتظرون دورهم ليستفيدوا من عمليات زرع. وأكدت الوكالة الوطنية لزرع الأعضاء أن هذه العمليات تستدعي وجود 5 آلاف متبرع متوفى دماغياً توافق عائلته على التبرع بكليتيه لإنقاذ هؤلاء المرضى.

وتعد عملية زرع الأعضاء في الجزائر قليلة جداً ومحتشمة بسبب رفض عائلات الأشخاص المتوفين الموافقة على عمليات التبرع ببعض أعضاء ذويهم، لعدة اعتبارات مرتبطة أساساً بنقص التوعية والاعتقادات الخاطئة من الناحية الدينية. إذ تقتصر حالياً جل العمليات المتعلقة بزرع الكلى على متبرعين أحياء، عادة ما يكونون من عائلات المرضى، فيما تكاد تنعدم العمليات التي يكون المتبرع بها من المتوفين.

بهذا الخصوص، أعلنت وزارة الصحة الجزائرية عن عقد لقاء تقييمي الخميس للانطلاق في برنامج وطني للتوعية حول أهمية التبرع بالأعضاء بالتنسيق مع وزارة الشؤون الدينية والأوقاف.

النظرة القانونية

وفق التشريع الجزائري لا يمكن بأي حال من الأحوال، نزع الأعضاء من دون موافقة عائلة المتوفى، حتى وإن كان مسجلاً في السجل الوطني للتبرع بالأعضاء. ويتعيّن على أي مواطن يرغب في التبرع بأعضائه بعد وفاته ترك وصية لأهله، لأن العملية لن تتم إلا بموافقتهم في ظل عدم وجود قانون يرخص إجراء عملية نزع الأعضاء بمجرد موافقة صاحبها قبل وفاته.

في خضم النقاش الذي يثيره ملف زراعة الأعضاء في الجزائر، يعتقد القانوني عبد الغني بادي أن "زراعة الأعضاء تشهد تطوراً تشريعياً متقدماً مقارنة بما كانت عليه الحال حين كان الأمر يطرح إشكالات مرتبطة بالجانب الديني".

ويقول بادي "في العام 2018 أعيد النظر في المنظومة القانونية بربط التبرع بالأعضاء بقبول المعني قبل وفاته أو أحد أفراد عائلته بعد وفاته، هذا هو الإطار المتوفر حالياً لزرع الأعضاء بالجزائر من دون أن يعتبر القانون أن الأمر غير مسموح به".

وأضاف أن "هناك تحسناً في المنظومة بما يخدم زرع الأعضاء، لكن نتائجها تبقى قليلة... البعض يراهن على تطور أكبر في التشريع. وفي انتظار ذلك هناك عدد هائل جداً من المرضى ينتظرون فرصة الحياة من متبرع".

المزيد من صحة